فقد نص القرآن الكريم في آيات كثيرة على العمل الصالح وقرنه بالتوبة، يقول تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٠]، وقال -ﷻ-: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]، وقال أيضا: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧]، وأمر الرب سُبْحَانَهُ خليله ومصطفاه -ﷺ- فقال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨].
يقول ابن كثير -﵀-: «أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، وقطعت
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة، رقم الحديث: (٣٤٤٥٩)، حكم الألباني: موقوف، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (١٢٠١).
[ ١ / ١١٩ ]
علائقها فانصب إلى العبادة، وقم إليها نشيطًا فارغ البال، وأخلص لربك النية والرغبة …» (^١)، ومن المعلوم أن العمل الصالح يعين التائب على الاستمرار على توبته، وذلك لأسباب، منها:
١ - أن العمل الصالح بديل عملي لما كان يقترفه من الذنوب، وينشئ في النفس تعويضًا إيجابيًّا للإقلاع عن المعصية، وإلا حنت النفس إلى الخطيئة بتأثير الفراغ الذي تحسه بعد الإقلاع، وقديمًا قيل: النفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية.
٢ - من المتقرر أن المعصية تضعف القلب عن إرادة الخير، والطاعة ضدها تقوي القلب على إرادة الخير، فبالعمل الصالح تقوى إرادة الطاعات عند التائب، ويشعر بلذة المناجاة، وتصير الطاعة في قلبه هيئة راسخة، وصفة لازمة، وملكة ثابتة، فلو عطل المحسن الطاعة ضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأحس من نفسه بأنه كالحوت، إذا فارق الماء حتى يعاودها، فتسكن نفسه، وتقر عينه.
يقول ابن القيم -﵀-: «ولا يزال العبد يعاني الطاعة ويألفها ويحبها ويؤثرها، حتى يرسل الله -﵎- برحمته عليه الملائكة تؤزه إليها أزًّا، وتحرضه عليها، وتزعجه من فراشه ومجلسه إليها، ولا يزال يألف المعاصي، ويحبها، ويؤثرها حتى يرسل الله عليه الشياطين، فتؤزه إليها أزًّا، فالأول قوى جند الطاعة بالمدد، فصاروا من أكبر أعوانه، وهذا قوى جند المعصية بالمدد، فكانوا أعوانًا عليه» (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٢٧).
(٢) الجواب الكافي (ص ٥٦).
[ ١ / ١٢٠ ]