قد يشعر المؤمن عمومًا والسلفي خصوصًا بغربته في هذا الزمان وهو بين أهله، وبوحدته وهو بين أترابه، ليست غربة اتخذها اختيارًا، ولا وحدة اصطفاها لنفسه استئثارًا، وإنما سيق لها اضطرارًا، سنة اقتضتها حكمة رب عليم حكيم؛ قال النبي - ﷺ -: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" (٢).
قال الشاطبي: "وهذه سنة الله في الخلق، أن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ (٤)، ولينجز الله ما وعد به نبيه - ﷺ - من عود وصف الغربة إليه؛ فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم، وذلك حين يصير المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وتصير
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٣ - ٣٠).
(٢) مسلم (١/ ١٣٠/١٤٥) وابن ماجه (٢/ ١٣١٩ - ١٣٢٠/ ٣٩٨٦)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) يوسف الآية (١٠٣).
(٤) سبأ الآية (١٣).
[ مقدمة / ١٠ ]
السنة بدعة والبدعة سنة، فيقام على أهل السنة بالتثريب والتعنيف كما كان أولًا يقام على أهل البدعة، طمعًا من المبتدع أن تجتمع كلمة الضلال، ويأبى الله أن تجتمع حتى تقوم الساعة، فلا تجتمع الفرق كلها -على كثرتها- على مخالفة السنة عادة وسمعًا؛ بل لا بد أن تثبت جماعة أهل السنة حتى يأتي أمر الله، غير أنهم -لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناصبهم العداوة والبغضاء، استدعاء إلى موافقتهم- لا يزالون في جهاد ونزاع، ومدافعة وقراع، آناء الليل والنهار، وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل، ويثيبهم الثواب العظيم". (١)
فطوبى لهم في غربتهم، وطوبى لهم في استئناسهم بكلام ربهم، ومصاحبة أنفاس نبيهم - ﷺ - القولية والفعلية، وطوبى لمن جال بقلبه وفكره في كسر طوق هذه الغربة في رياض السنة النضرة، ومواقف السلف العطرة، ونأى بنفسه عن ورود حياض البدع الكدرة، ومستنقعاتها القذرة، وسقى نفسه من معين الكتاب والسنة ماء عذبًا زلالًا، صافيًا نقيًا، لم تكدره الدلاء، ولم تخالطه الآراء.
وارتوى مما ارتوى منه أبو بكر وعمر ومن بعدهم من الخلفاء الراشدين، وبقية العشرة المبشرين، وسائر الصحابة المرضيين، ومن اقتفى أثرهم من الأئمة والمُحَدِّثِين، والعلماء المعتبرين، خلفًا عن سلف.
هذا المشرب الموحد الذي ورده سائر الأعلام على امتداد تاريخ هذه
_________________
(١) الاعتصام (١/ ٣٠ - ٣١).
[ مقدمة / ١١ ]
الأمة المجيدة، طيلة أربعة عشر قرنًا خلت، ولم يتخلف عنه أحد منهم، ولم يحد بصرهم عنه، رغم عواصف البدع الرعناء، وتيارات الإلحاد الهوجاء، ومحن من أشربها من القادة والسلاطين والغوغاء، فقاموا في وجهها محتسبين، وثبتوا في نزالها صابرين صامدين، جماعات ووحدانًا؛ منهم الوحيد في زمانه، ومنهم المتقوي بإخوانه، فأضحو للأمة أعلامًا بها يهتدى، ونماذج تحتذى، ومصابيح تنير الطريق لسالك دربهم، فيحذو حذوهم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١).