- عن المعتمر عن أبيه قال: حدثنا أبو عثمان أن رجلا كان من بني يربوع يقال له صبيغ سأل عمر بن الخطاب ﵁ عن الذاريات والنازعات والمرسلات أو عن إحداهن، فقال له عمر: ضع عن رأسك فوضع عن رأسه فإذا له وفيرة فقال: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك، قال: ثم كتب إلى أهل البصرة أن لا تجالسوه، أو قال: كتب إلينا أن لا تجالسوه، قال: فلو جلس إلينا ونحن مائة لتفرقنا عنه.
- وعن السائب بن يزيد قال: أتى عمر بن الخطاب ﵁ فقيل: يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلا سأل عن تأويل القرآن، فقال عمر: اللهم مكني منه، فبينا عمر ذات يوم جالس يغدي الناس إذ جاءه عليه ثياب فتغدى حتى إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ وِقْرًا فقال عمر: أنت هو، فقام إليه وحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، فقال: والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك، ألبسوه ثيابه واحملوه على قتب ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلادكم ثم ليقم
_________________
(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٥٥ - ٤٥٦/ ٦٩٠).
(٢) السنة لعبد الله (٢٣ - ٢٤ و٢٧) والإبانة (١/ ١٢/٢٤٩ - ٢٥٠/ ٢٢ - ٢٣) والشريعة (١/ ٢١٥/١٦٧).
[ ١ / ٦٢ ]
خطيبا ثم ليقل إن صبيغا طلب العلم فأخطأه فلم يزل وضيعا في قومه حتى هلك وكان سيدهم. قال أبو حاتم: ولم يقل أبو حفص في حديثه ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلادكم. (١)
" التعليق:
قال الحافظ ابن حجر (٢): قال أبو أحمد العسكري: اتهمه عمر برأي الخوارج. (٣)
قال ابن بطة (٤): فإن قلت: فإنه قال: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك. فمن حلق رأسه يجب عليه ضرب العنق؟ فإني أقول لك: من مثل هذا أتى الزائغون، وبمثل هذا بلي المنقرون الذين قصرت هممهم وضاقت أعطانهم عن فهم أفعال الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين، فلم يحسوا بموضع العجز من أنفسهم فنسبوا النقص والتقصير إلى سلفهم. وذلك أن عمر ﵁ قد كان سمع النبي - ﷺ - يقول: "يخرج قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول الناس يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية من لقيهم فليقتلهم فإن في قتلهم أجرا عند الله". (٥)
_________________
(١) أخرجه ابن بطة في الإبانة (١/ ٤١٤ - ٤١٥/ ٣٢٩ - ٣٣٠) والآجري في الشريعة (١/ ٢١٠ - ٢١١/ ١٦٠ - ١٦١) والدارمي (١/ ٥٤ و٥٥ - ٥٦) واللالكائي (٤/ ٧٠١ - ٧٠٣/ ١١٣٦ - ١١٣٨) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٣/ ٤١٠ - ٤١٢) وعزاه الحافظ في الإصابة (٥/ ١٦٩) لابن الأنباري وصحح سنده.
(٢) الإصابة (٥/ ١٦٩).
(٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٣/ ٤٠٩).
(٤) الإبانة (١/ ٢/٤١٦ - ٤١٧).
(٥) البخاري (١٢/ ٣٥٠/٦٩٣٠) ومسلم (٢/ ٧٤٦ - ٧٤٧/ ١٠٦٦) من حديث علي ﵁.
[ ١ / ٦٣ ]
وفي حديث آخر: "طوبى لمن قتلهم وطوبى لمن قتلوه، قيل: يا رسول الله ما علامتهم؟ قال: سيماهم التحليق". (١) فلما سمع عمر ﵁ مسائله فيما لا يعنيه كشف رأسه لينظر هل يرى العلامة التي قالها رسول الله - ﷺ - والصفة التي وصفها، فلما لم يجدها أحسن أدبه لئلا يتغالى به في المسائل إلى ما يضيق صدره عن فهمه فيصير من أهل العلامة الذين أمر النبي - ﷺ - بقتلهم فحقن دمه وحفظ دينه بأدبه رحمة الله عليه ورضوانه، ولقد نفع الله صبيغا بما كتب له عمر في نفيه، فلما خرجت الحرورية قالوا لصبيغ إنه قد خرج قوم يقولون كذا وكذا فقال: هيهات نفعني الله بموعظة الرجل الصالح وكان عمر ضربه حتى سالت الدماء على وجهه أو رجليه أو على عقبيه ولقد صار صبيغ لمن بعده مثلا وتردعة لمن نقر وألحف في السؤال.