عن ابن إسحاق قال: فحدثني رجل من أسلم، وكان واعية، أن أبا جهل اعترض رسول الله - ﷺ - عند الصفا، فآذاه وشتمه ونال منه ما يكره من العيب لدينه والتضعيف له. فلم يكلمه رسول الله - ﷺ -. ومولاة لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك، ثم انصرف عنه، فعمد إلى ناد لقريش عند الكعبة فجلس معهم. ولم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن
_________________
(١) الإصابة (٢/ ١٢١ - ١٢٣) والاستيعاب (١/ ٣٦٩ - ٣٧٥) وطبقات ابن سعد (٣/ ٨ - ١٩) والعقد الثمين (٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨) ومجمع الزوائد (٩/ ٢٦٩ - ٢٧١) وشذرات الذهب (١/ ١٠ - ١١) وسير أعلام النبلاء (١/ ١٧١ - ١٧٤) والمستدرك للحاكم (٣/ ١٩٢ - ١٩٦).
(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ١١٩ - ١٢٠) و(٣/ ١٩٥) والطبراني في الأوسط (١/ ٥٠١ - ٥٠٢/ ٩٢٢) والخطيب في تاريخه (٦/ ٣٧٧) من طرق عن جابر ﵁. وفي الباب عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃. وقد صححه الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة (٣٧٤).
[ ١ / ١ ]
أقبل متوشحا قوسه، راجعا من قنص له. كان صاحب قنص يرميه، ويخرج له، فكان إذا رجع من قنصه لم يرجع إلى أهله حتى يطوف بالكعبة. وكان إذا فعل ذلك لا يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم. وكان أعز قريش وأشدها شكيمة. وكان يومئذ مشركا على دين قومه. فلما مر بالمولاة، وقد قام رسول الله - ﷺ - فرجع إلى بيته، فقالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك من أبي الحكم آنفا قبيل، وجده هاهنا فآذاه وشتمه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه، ولم يكلمه محمد. فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله ﷿ به من كرامته. فخرج سريعا لا يقف على أحد، كما كان يصنع، يريد الطواف بالبيت. معدا لأبي جهل أن يقع به. فلما دخل المسجد، نظر إليه جالسا في القوم. فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس وضربه بها ضربة شجه بها شجة منكرة. وقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه. فقالوا: ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت. قال حمزة: وما يمنعني منه، وقد استبان لي منه ذلك، وأنا أشهد أنه رسول الله، وأن الذي يقول حق. فوالله لا أنزع، فامنعوني إن كنتم صادقين. فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا. وتم حمزة على إسلامه وعلى ما تابع عليه رسول الله - ﷺ - من قوله. فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله - ﷺ - قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه. فكفوا عن بعض ما كانوا يتناولون منه.
فقال في ذلك شعرا حين ضرب أبا جهل وأسلم:
ذق يا أبا جهل ما عسيت من أمرك الظالم إذ مشيت
[ ١ / ٢ ]
عن أمرك الظالم إذ عنيت لو كنت ترجو الله ما شقيت
ستسعط الرغم بما أتيت ولا تؤذي رسول الله إذ نهيت
تركت الحق إذ دعيت ولا هويت بعد ما هويت
حتى تذوق الخوى قد لقيت فقد شفيت النفس وأشفيت (١)
" التعليق:
هذا أحد مواقف حمزة ﵁، وكانت كلها في نصرة عقيدة التوحيد الخالصة، فهو أسد الله يوم بدر، قتل طاغوتا من أكبر طواغيت الشرك: شيبة بن ربيعة، وشارك في قتل عتبة بن ربيعة، وقتل طعيمة بن عدي، وأبلى البلاء الحسن يوم أحد، واستشهد في تلك المعركة الخالدة، وسماه النبي - ﷺ -: "سيد الشهداء" (٢): فرضي الله عنه وأرضاه.