الشيخ الفاضل عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله آل باز. ولد في الرياض في شهر ذي الحجة عام ثلاثين وثلاثمائة وألف من
_________________
(١) إتحاف النبلاء بسير العلماء (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٥) ومقدمة مجموع الفتاوى للشيخ ابن باز (١/ ٩ - ١٢) وإمام العصر للدكتور الزهراني ومجلة التوحيد (العدد الخامس جمادى الأولى ١٤١٥هـ/ص.٤٤ - ٤٦).
[ ١٠ / ٣٠٢ ]
الهجرة. فقد بصره بسبب مرض ألم به سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة. أخذ عن محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ومحمد بن إبراهيم وصالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين آل الشيخ وسعد بن حمد بن علي بن محمد بن عتيق، وغيرهم. ولي القضاء فمكث فيه أربعة عشر عاما تقريبا، ثم مدرسا بالكليات والمعاهد العلمية، ثم نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ورئيسا لهيئة كبار العلماء، ومفتيا عاما للمملكة، وغيرها من الوظائف والمناصب الشامخة. كان ﵀ علما من أعلام الدعوة السلفية، ومصباحا من مصابيح الهدى، تخرج على يده أجلة العلماء، وعرف بحدة الذكاء وسيلان الذهن وسرعة الإجابة، مع رحابة صدر وسماحة خاطر.
قلت: الشيخ الإمام البحر العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز. عرفته بالجامعة الإسلامية لما قدمت طالبا بالمعهد الثانوي، زرته في مكتبه غير ما مرة، وكان على عادته متواضعا يستقبل كل الفئات، الصغيرة والكبيرة، وهو فيما علمت ممن جمع بين العلم والعمل، وكأن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها كلهم من أبنائه ومن فلذات أكباده، يسأل عن كبيرهم واحدا واحدا ويدعو لعمومهم بالتوفيق والهداية، شخص لا يعرف الملل ولا تسمع من فيه الشكاوى، منهاجه الاحتساب في كل خطوات حياته، نحسبه كذلك والله حسيبه، أمواله التي تصل إلى يده كلها تنفق على طلبة العلم والمحتاجين من أهل الإسلام. ورغم ما يصل إلى يده من كثرة الأموال على يد المحسنين من الملوك وكبار الأغنياء، ومع ذلك تجد الشيخ ﵀ يحتاج إلى من يدفع
[ ١٠ / ٣٠٣ ]
له الديون لينفقها في حاجة المسلمين. ليله ونهاره؛ إما في الفتوى وإما في الدرس، وإما في المحاضرة والتوجيه، وإما في الدروس العلمية والقراءة في الكتب السلفية. فما رأيت للشيخ ﵀مع كثرة الالتصاق به في الجامعة الإسلامية وبالرياض وهو يتولى رئاسة الإفتاء والبحوث العلمية- وقتا يستجم فيه ويستريح استراحة يخرج فيها عن دائرة العمل الذي يتقرب به إلى الله، رغم أن الملوك والكبار يأخذون فرصة استجمام يستريحون فيها من عناء الأشغال وأتعاب الدنيا، وأما الشيخ ﵀ فكأنه يتتبع خطوات الرسول - ﷺ - في حياته كلها، لا تجد له لحظة من حياته إلا وهي مصحوبة بعمل يتقرب به إلى الله.
وفي الليلة التي توفي فيها ﵀، أصدر فيها فتاوى وشفاعات للمسلمين، فكان ﵀ نموذجا عمليا وعلميا مع كل الأحوال، فهو ناصح لولاة الأمور، ومساعد لهم على تطبيق شرع الله في تلك البلاد، وهو ناصح للعلماء ومستشير لهم في كل القضايا الكبرى، فكم ترأس من مؤتمر للعلماء في الجامعة الإسلامية وفي جدة وفي الرياض وفي مكة، وكان هذا دأبه ﵀، يسير بالأمة الإسلامية نحو الأفضل، وما من مكرمة علمية أو دعوية أو فقهية أو جهادية إلا وتجد للشيخ عبد العزيز ﵀ يدا بيضاء، وكم انتفع العالم الإسلامي وغير الإسلامي من سماحته ﵀. وإن القلم ليعجز عن الوفاء بأوصاف هذا الإمام، وقد جمع الله له ﵀ من أوصاف الخير ما لم يجمعه لعالم معاصر له. فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، وجزى الله آل سعود الذين كانوا بجانبه في كل طلباته ﵀ التي يخدم بها
[ ١٠ / ٣٠٤ ]
الأمة الإسلامية.
وإن معرفتي بالشيخ في دروسه في البخاري في المسجد النبوي وفي حلقات الطائف وفي دروسه في المسجد الكبير بالرياض، وإني تشرفت بالتتلمذ عليه مدة طويلة، وأعتبر الشيخ من النوادر الذين يقل في العالم الإسلامي أمثالهم، والله ﵎ ذو الفضل الواسع يخص بفضله من يشاء وكيف يشاء. اللهم أسكنه فسيح الجنان واجعله في أعلى عليين، إنك سميع مجيب.
وقال فيه الشيخ عبد الرزاق عفيفي: يغلب على مؤلفاته وضوح المعنى وسهولة العبارة وحسن الاختيار مع قوة الحجة والاستدلال وغير ذلك مما يدل على النصح وصفاء النفس وسعة الأفق والاطلاع وحدة الذكاء وسيلان الذهن. وقال أيضا: نبغ في كثير من علوم الشريعة، وخاصة الحديث متنا وسندا، والتوحيد على طريق السلف، والفقه على مذهب الحنابلة حتى صار فيها من العلماء المبرزين.
وقال فيه الشيخ عطية محمد سالم: كان علامة في الحديث والفقه والتوحيد، وكان موسوعة في هذه العلوم ومبرزا فيها. وقال أيضا: لا أعتقد مهما تحدثنا عن الشيخ ابن باز أن نوفيه حقه في التعريف به، ولكن كان يرحمه الله علما عالميا، وطودا أشم، وجبلا يتميز بتوحيده وحلمه، وكان لا يتحزب ولا يتعصب في البحث وفي المسائل الخلافية، إنما يبحث بمقتضاه الخاص ويتكلم فيه برأيه.
توفي الشيخ ﵀ قبل فجر يوم الخميس في اليوم السابع والعشرين
[ ١٠ / ٣٠٥ ]
من شهر محرم لعام عشرين وأربعمائة وألف من الهجرة في مدينة الطائف، ورثاه مجموعة من العلماء والشعراء.