الشيخ المحدث، علامة الشام أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الألباني. ولد الشيخ في مدينة أشقودرة، عاصمة ألبانيا سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة الموافق لعام أربع عشرة وتسعمائة وألف ميلادي، في أسرة فقيرة متدينة يغلب عليها الطابع العلمي، وكان والده فقيها حنفيا من أهل العلم. وبعد تولي "أحمد زوغو" الحكم في ألبانيا حوّلها إلى بلاد علمانية، فقرر الشيخ نوح ﵀ الهجرة بأسرته إلى بلاد الشام فرارا بدينه.
قرأ الشيخ القرآن مجودا على والده وتلقى عليه بعض علوم اللغة وبعض كتب المذهب الحنفي، كما درس على الشيخ سعيد البرهاني 'مراقي الفلاح' في الفقه الحنفي و'شذور الذهب' في النحو، وأجازه الشيخ محمد راغب الطباخ بمروياته. وجذبه علم الحديث وتأثر به، وأول عمل حديثي قام به هو نسخ كتاب 'المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار' للحافظ العراقي. قام الشيخ بالدعوة إلى الله في دمشق، ورفع راية التوحيد والسنة، مستعينا في ذلك بالله ثم ببعض العلماء الدمشقيين أمثال العلامة محمد بهجة البيطار والشيخ عبد الفتاح الإمام والشيخ توفيق البزرة وغيرهم، فنصر السنة ونفض عنها غبار القرون، وأعلنها بكل قوة وجرأة، لا يخاف في الله لومة لائم. وما من أحد في العصر الحاضر له اشتغال في علم الحديث إلا وللألباني في عنقه منة، اعترف بها أو جحد.
_________________
(١) 'مقالات الألباني' لنور الدين طالب (١٧٥ - ٢٤٣) و'حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه' لتلميذه الشيباني.
[ ١٠ / ٣٦٨ ]
قلت: العلامة الفحل شيخ السنة في عصره بدون منازع، عرفته بالمدينة النبوية وأنا في المعهد الثانوي وحضرت مجالسه العلمية ومناظراته القيمة، فما رأيت أحسن منه في علم المناظرة والدفاع عن السنة. كان له الفضل الكبير في نشر علم الحديث وإظهاره للناس بالطرق العلمية الصحيحة، وأحيا عمل السلف الصالح في العناية بالسنة والتمسك بالدليل، وأشاع في الأمة الإسلامية علم الجرح والتعديل والتصحيح والتضعيف الذي مات ذكره من زمان. تنور الشباب بكتبه، وأصبحت نموذجا عندهم، وأثار ذلك حفيظة الأعداء وحاولوا أن ينالوا منه بالقدح والثلب، ولكن كما قال القائل:
كناطح صخرة يوما ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
الإمام الألباني لم يعرف الملل والكلل في البحث العلمي، والدعوة إلى الكتاب والسنة، فكان النموذج الصالح لخدمة الكتاب والسنة، فكان موفقا في كل خطواته العلمية والدعوية.
فرحمة الله عليه رحمة واسعة.
أثنى عليه كبار علماء عصره، فقد قال فيه الشيخ ابن باز ﵀: لا أعلم تحت قبة الفلك أعلم بحديث رسول الله - ﷺ - من الشيخ ناصر. وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: صاحب سنة ونصرة للحق ومصادمة لأهل الباطل. وقال فيه الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀: الألباني الآن علم على السنة، الطعن فيه إعانة على الطعن في السنة. وقال فيه الشيخ محب الدين الخطيب ﵀: من دعاة السنة الذين وقفوا حياتهم على العمل لإحيائها.
[ ١٠ / ٣٦٩ ]
توفي رحمة الله عليه بعد عصر يوم السبت لثمان بقين من جمادى الأولى سنة عشرين وأربعمائة وألف هجرية الموافق لعام تسع وتسعين وتسعمائة وألف ميلادي في عمان.