- قال ﵀: عقيدتي التي أدين الله بها وأسأله سبحانه أن يتوفاني عليها هي: الإيمان بأنه سبحانه هو الإله الحق المستحق للعبادة، وأنه سبحانه فوق العرش قد استوى عليه استواء يليق بجلاله وعظمته بلا كيف، وأنه سبحانه يوصف بالعلو فوق جميع الخلق، كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ١٨٠) ومسلم (٣/ ١٣٤٣ - ١٣٤٤/ ١٧١٨ (١٨» عن عائشة ﵂.
(٢) أحمد (٦/ ٢٤٠) والبخاري (٥/ ٣٧٧/٢٦٩٧) ومسلم (٣/ ١٣٤٣/١٧١٨) وأبو داود (٥/ ١٢/٤٦٠٦) وابن ماجه (١/ ٧/١٤).
(٣) الشورى الآية (٢١).
(٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٩٩ - ٤٠٠).
[ ١٠ / ٣٤٩ ]
اسْتَوَى (٥)﴾ (١)، وقال ﷿: ﴿إِن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ الآية (٢)، وقال ﷿ في آخر آية الكرسي: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ (٣)، وقال ﷿: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٥) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وأومن بأنه سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، كما قال ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٦).
والواجب على جميع المسلمين: هو الإيمان بأسمائه وصفاته الواردة في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة، وإثباتها له سبحانه على الوجه اللائق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٧)، وقال ﷿: ﴿فَلَا
_________________
(١) طه الآية (٥).
(٢) الأعراف الآية (٥٤).
(٣) البقرة الآية (٢٥٥).
(٤) غافر الآية (١٢).
(٥) فاطر الآية (١٠).
(٦) الأعراف الآية (١٨٠).
(٧) الشورى الآية (١١).
[ ١٠ / ٣٥٠ ]
تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ (٢)، وهي توقيفية لا يجوز إثبات شيء منها لله إلا بنص من القرآن أو من السنة الصحيحة، لأنه سبحانه أعلم بنفسه وأعلم بما يليق به، ورسوله - ﷺ - هو أعلم به، وهو المبلغ عنه، ولا ينطق عن الهوى، كما قال الله سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (٣).
وأومن بأن القرآن كلامه ﷿ وليس بمخلوق، وهذا قول أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي - ﷺ - ومن بعدهم، وأومن بكل ما أخبر الله به ورسوله من أمر الجنة والنار والحساب والجزاء وغير ذلك مما كان وما سيكون، مما دل عليه القرآن الكريم، أو جاءت به السنة الصحيحة عن النبي - ﷺ -.
والله المسؤول أن يثبتنا وإياكم على دينه، وأن يعيذنا وسائر المسلمين من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يوفق ولاة أمرهم ويصلح قادتهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. (٤)
_________________
(١) النحل الآية (٧٤).
(٢) سورة الإخلاص.
(٣) النجم الآيات (١ - ٤).
(٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣ - ٤٥).
[ ١٠ / ٣٥١ ]
- وقال ﵀ ردا على سؤال في صفة النزول: هذا كلام رسول الله - ﷺ - فهو القائل ﵊: «ينزل ربنا ﵎ إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى ينفجر الفجر» متفق على صحته (١)، وقد بين العلماء أنه نزول يليق بالله وليس مثل نزولنا، لا يعلم كيفيته إلا هو ﷾، فهو ينزل كما يشاء، ولا يلزم من ذلك خلو العرش فهو نزول يليق به ﷻ، والثلث يختلف في أنحاء الدنيا، وهذا شيء يختص به تعالى، لا يشابه خلقه في شيء من صفاته كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢)، وقال جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ (٣)، وقال ﷿ في آية الكرسي: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (٤)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وهو سبحانه أعلم بكيفية نزوله، فعلينا أن نثبت النزول على الوجه الذي يليق بالله، ومع كونه استوى على العرش، فهو ينزل كما يليق به ﷿ ليس كنزولنا إذا نزل فلان من السطح خلا منه السطح، وإذا نزل من
_________________
(١) تقدم من حديث أبي هريرة ضمن مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).
(٢) الشورى الآية (١١).
(٣) طه الآية (١١٠).
(٤) البقرة الآية (٢٥٥).
[ ١٠ / ٣٥٢ ]
السيارة خلت منه السيارة، فهذا قياس فاسد له، لأنه سبحانه لا يقاس بخلقه، ولا يشبه خلقه في شيء من صفاته.
كما أننا نقول استوى على العرش على الوجه الذي يليق به سبحانه ولا نعلم كيفية استوائه، فلا نشبهه بالخلق ولا نمثله، وإنما نقول: استوى استواء يليق بجلاله وعظمته.
ولما خاض المتكلمون في هذا المقام بغير حق حصل لهم بذلك حيرة عظيمة حتى آل بهم الكلام إلى إنكار الله بالكلية حتى قالوا: لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا كذا ولا كذا، حتى وصفوه بصفات معناها العدم وإنكار وجوده سبحانه بالكلية؛ ولهذا ذهب أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأهل السنة والجماعة تبعا لهم فأقروا بما جاءت به النصوص من الكتاب والسنة، وقالوا: لا يعلم كيفية صفاته إلا هو سبحانه، ومن هذا ما قاله مالك ﵀: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان بذلك واجب، والسؤال عنه بدعة) يعني: عن الكيفية. ومثل ذلك ما يروى عن أم سلمة ﵂ وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك ﵀: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان بذلك واجب)، ومن التزم بهذا الأمر سلم من شبهات كثيرة، ومن اعتقادات لأهل الباطل كثيرة عديدة، وحسبنا أن نثبت ما جاء في النصوص، وأن لا نزيد على ذلك. وهكذا نقول: يسمع ويتكلم، ويبصر ويغضب، ويرضى على وجه يليق به سبحانه، ولا يعلم كيفية صفاته إلا هو. وهذا هو طريق السلامة وطريق النجاة وطريق العلم، وهو مذهب السلف الصالح، وهو المذهب الأسلم والأعلم والأحكم، وبذلك يسلم المؤمن
[ ١٠ / ٣٥٣ ]
من شبهات المشبهين، وضلالات المضللين، ويعتصم بالسنة والكتاب المبين، ويرد علم الكيفية إلى ربه ﷾. والله سبحانه ولي التوفيق. (١)
- وقال ﵀: من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم فضيلة الشيخ س. خ وفقه الله لما فيه رضاه آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فقد وصلني كتابكم الكريم الذي ذكرتم فيه أنكم أثناء تحقيقكم لكتاب 'فضائل الأوقات' للبيهقي مر عليكم هذا النص: (سمعت أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزي يقول: حديث النزول (٢) قد ثبت عن رسول الله - ﷺ - من وجوه صحيحة، وورد في التنزيل ما يصدقه وهو قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (٣) والنزول والمجيء صفتان منفيتان عن الله من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال، بل هما صفتان من صفات الله بلا تشبيه جل عما يقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علوا كبيرا. اهـ
ولا شك أن هذا القول باطل مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، فإن الله سبحانه قد أثبت لنفسه المجيء، وكما أخبر عنه رسوله - ﷺ - بالنزول ولم يبين لنا سبحانه ولا رسوله - ﷺ - كيفية النزول ولا كيفية المجيء. فوجب الكف عن ذلك، كما وسع السلف الصالح ﵃ ذلك، ولم يزيدوا على
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٩/ ٧٦ - ٧٧).
(٢) تقدم من حديث أبي هريرة ضمن مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).
(٣) الفجر الآية (٢٢).
[ ١٠ / ٣٥٤ ]
ما جاء في النصوص. فالواجب السير على منهاجهم ولزوم طريقهم في إثبات الصفات الواردة في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة بلا كيف، مع الإيمان بأنه سبحانه لا كفو له ولا شبيه له ولا مثيل له كما قال ﷿: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ (١)، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (٢)، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٣). ومعلوم أن نفي الحركة والانتقال دخول في التكييف بغير علم، ونحن ممنوعون من ذلك لعدم علمنا بكيفية صفاته سبحانه، لأنه ﷿ لم يخبرنا بذلك ولا رسوله - ﷺ -.
ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل به والثبات على الحق والسلامة من مضلات الفتن إنه سميع قريب .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. (٤)