قال ﵀ تعليقا على حديث أبي موسى الأشعري: «أبشروا وبشروا الناس، من قال لا إله إلا الله صادقا بها دخل الجنة» (١): هذا وقد اختلفوا في تأويل حديث الباب وما في معناه من تحريم النار على من قال لا إله إلا الله، على أقوال كثيرة، ذكر بعضها المنذري في الترغيب (٢/ ٢٣٨)، وترى سائرها في الفتح. والذي تطمئن إليه النفس وينشرح له الصدر، وبه تجتمع الأدلة، ولا تتعارض، أن تحمل على أحوال ثلاثة:
الأولى: من قام بلوازم الشهادتين من التزام الفرائض والابتعاد عن الحرمات، فالحديث حينئذ على ظاهره، فهو يدخل الجنة وتحرم عليه النار مطلقا.
الثانية: أن يموت عليها، وقد قام بالأركان الخمسة، ولكنه ربما تهاون ببعض الواجبات، وارتكب بعض المحرمات، فهذا ممن يدخل في مشيئة الله ويغفر له كما في الحديث الآتي بعد هذا وغيره من الأحاديث المكفرات المعروفة.
الثالثة: كالذي قبله، ولكنه لم يقم بحقها، ولم تحجزه عن محارم الله كما في حديث أبي ذر المتفق عليه: «وإن زنى وإن سرق » (٢) الحديث، ثم
_________________
(١) أحمد (٤/ ٤٠٢) والطبراني في الكبير كما في المجمع (١/ ١٦). قال الهيثمي: "رجاله ثقات". وصححه الألباني على شرط مسلم (الصحيحة ٧١٢). وللحديث شواهد منها حديث زيد بن خالد الجهني مرفوعا عند النسائي في الكبرى (٦/ ٢٧٣/١٠٩٤٩). قال الشيخ الألباني: "وسنده حسن في الشواهد". (انظر الصحيحة ٧١٢).
(٢) أحمد (٥/ ١٦٦) والبخاري (١١/ ٣١٧ - ٣١٨/ ٦٤٤٤) ومسلم (١/ ٩٤/٩٤) والترمذي (٥/ ٢٧/٢٦٤٤) والنسائي في الكبرى (٦/ ٢٧٥/١٠٩٥٨ - ١٠٩٦٢).
[ ١٠ / ٤٠٨ ]
هو إلى ذلك لم يعمل من الأعمال ما يستحق به مغفرة الله، فهذا إنما تحرم عليه النار التي وجبت على الكفار، فهو وإن دخلها فلا يخلد معهم فيها، بل يخرج منها بالشفاعة أو غيرها ثم يدخل الجنة ولابد، وهذا صريح في قوله - ﷺ -: «من قال لا إله إلا الله نفعته يوما من دهره، يصيبه قبل ذلك ما أصابه» (١). وهو حديث صحيح. (٢)
- وقال ﵀: إذا علمت أن الآيات الثلاث: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ (٣) نزلت في اليهود وقولهم في حكمه - ﷺ -: إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه، وقد أشار القرآن إلى قولهم هذا قبل هذه الآيات فقال: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ (٤)، إذا عرفت هذا، فلا يجوز حمل هذه الآيات على بعض الحكام المسلمين وقضاتهم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله من القوانين الأرضية، أقول: لا يجوز تكفيرهم بذلك، وإخراجهم من الملة، إذا كانوا مؤمنين بالله ورسوله، وإن كانوا مجرمين بحكمهم بغير ما أنزل
_________________
(١) البزار (١/ ١٠/٣ الكشف) والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٨٧/٣٥١٠)، (٧/ ٢٠٤/٦٣٩٢) وفي الصغير (١/ ١٥٨/٣٨٥) من طرق عن أبي هريرة. قال الهيثمي (١/ ١٧): "رجاله رجال الصحيح"، وانظر تفصيل الكلام عليه في الصحيحة (١٩٣٢).
(٢) الصحيحة (٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠/ ١٣١٤).
(٣) المائدة الآيات (٤٤ - ٤٧).
(٤) المائدة الآية (٤١).
[ ١٠ / ٤٠٩ ]
الله، لا يجوز ذلك، لأنهم وإن كانوا كاليهود من جهة حكمهم المذكور، فهم مخالفون لهم من جهة أخرى، ألا وهي إيمانهم وتصديقهم بما أنزل الله، بخلاف اليهود الكفار، فإنهم كانوا جاحدين له كما يدل عليه قولهم المتقدم: " وإن لم يعطكم حذرتموه فلم تحكموه"، بالإضافة إلى أنهم ليسوا مسلمين أصلا، وسر هذا أن الكفر قسمان: اعتقادي وعملي. فالاعتقادي مقره القلب. والعملي محله الجوارح. فمن كان عمله كفرا لمخالفته للشرع، وكان مطابقا لما وقر في قلبه من الكفر به، فهو الكفر الاعتقادي، وهو الكفر الذي لا يغفره الله، ويخلد صاحبه في النار أبدا. وأما إذا كان مخالفا لما وقر في قلبه، فهو مؤمن بحكم ربه، ولكنه يخالفه بعمله، فكفره كفر عملي فقط، وليس كفرا اعتقاديا، فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وعلى هذا النوع من الكفر تحمل الأحاديث التي فيها إطلاق الكفر على من فعل شيئا من المعاصي من المسلمين، ولا بأس من ذكر بعضها:
١ - «اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت» (١). رواه مسلم.
٢ - «الجدال في القرآن كفر» (٢).
٣ - «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٣). رواه مسلم.
_________________
(١) أحمد (٢/ ٤٩٦) ومسلم (١/ ٨٢/٦٧) عن أبي هريرة.
(٢) أحمد (٢/ ٢٥٨) وأبو داود (٥/ ٩/٤٦٠٣) والحاكم (٢/ ٢٢٣) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وابن حبان (٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥/ ١٤٦٤) من حديث أبي هريرة.
(٣) أحمد (١/ ٣٨٥) والبخاري (١/ ١٤٧/٤٨) ومسلم (١/ ٨١/٦٤) والترمذي (٤/ ٣١١/١٩٨٣) والنسائي (٧/ ١٣٨/٤١٢١) وابن ماجه (١/ ٢٧/٦٩) عن ابن مسعود.
[ ١٠ / ٤١٠ ]
٤ - «كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق» (١).
٥ - «التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر» (٢).
٦ - «لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض» (٣). متفق عليه.
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي لا مجال الآن لاستقصائها. فمن قام من المسلمين بشيء من هذه المعاصي، فكفره كفر عملي، أي إنه يعمل عمل الكفار، إلا أن يستحلها، ولا يرى كونها معصية فهو حينئذ كافر حلال الدم، لأنه شارك الكفار في عقيدتهم أيضا. والحكم بغير ما أنزل الله يخرج عن هذه القاعدة أبدا، وقد جاء عن السلف ما يدعمها، وهو قولهم في تفسير الآية: "كفر دون كفر"، صح ذلك عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٢١٥) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. والحديث أخرجه بلفظ: «كفر بامرئ ادعاء نسب لا يعرفه، أو جحده وإن دق». وابن ماجه (٢/ ٢١٦/٢٧٤٤) والطبراني في الأوسط (٨/ ٤٤٦/٧٩١٥) وفي الصغير (٢/ ٣٧٧/١٠٤٥) قال البوصيري في الزوائد: "هذا الحديث في بعض النسخ دون بعض". ولم يذكره المزي في الأطراف. وإسناده صحيح. وأظنه من زيادات ابن القطان.
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٤/ ٢٧٨ و٣٧٥) والبزار: البحر الزخار (٨/ ٢٢٦/٣٢٨٢) والبيهقي في الشعب (٤/ ١٠٢/٤٤١٩) و(٦/ ٥١٦ - ٥١٧/ ٩١١٩) والخرائطي في فضيلة الشكر (ص.٧٠ - ٧١) والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٤٣ - ٤٤/ ١٥) و(١/ ٢٣٩/٣٧٧) وابن أبي الدنيا في الشكر (ص٢٥) من طرق عن النعمان بن بشير ﵄. وذكره الهيثمي في المجمع (٥/ ٢١٧ - ٢١٨) وقال: "رواه عبد الله بن أحمد والبزار والطبراني ورجالهم ثقات". وقال المنذري (صحيح الترغيب ٩٧٦): "رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد لا بأس به". وحسنه الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة (٦٦٧) وكذا في صحيح الترغيب. تنبيه: وقع هذا الحديث في المسند من رواية الإمام أحمد (٤/ ٢٧٨) في موضعين (٤/ ٣٧٥) في موضع واحد وهو خطأ، انظر أطراف المسند المعتلي (٥/ ٤١٣/٧٤٥٧) وإتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة (١٣/ ٥٢٦ - ٥٢٧/ ١٧٠٩٣).
(٣) أحمد (١/ ٢٣٠) والبخاري (٨/ ١٣٣ - ١٣٤/ ٤٤٠٣) ومسلم (١/ ٨٢/٦٦) وأبو داود (٥/ ٦٣/٤٦٨٦) والنسائي (٧/ ١٤٣/٤١٣٦) وابن ماجه (٢/ ١٣٠٠/٣٩٤٣) عن ابن عمر ﵄.
[ ١٠ / ٤١١ ]
﵁، ثم تلقاه عنه بعض التابعين وغيرهم، ولا بد من ذكر ما تيسر لي عنهم لعل في ذلك إنارة للسبيل أمام من ضل اليوم في هذه المسألة الخطيرة، ونحا نحو الخوارج الذين يكفرون المسلمين بارتكابهم المعاصي، وإن كانوا يصلون ويصومون.
١ - روى ابن جرير الطبري (١٠/ ٣٥٥/١٢٠٥٣) بإسناد صحيح عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (١) قال: هي به كفر، وليس كفرا بالله وملائكته وكتبه ورسله.
٢ - وفي رواية عنه في هذه الآية: إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة، كفر دون كفر.
أخرجه الحاكم (٢/ ٣١٣)، وقال: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي، وحقهما أن يقولا: على شرط الشيخين. فإن إسناده كذلك.
ثم رأيت الحافظ ابن كثير نقل في 'تفسيره (٦/ ١٦٣) ' عن الحاكم أنه قال: "صحيح على شرط الشيخين"، فالظاهر أن في نسخة 'المستدرك' المطبوعة سقطا، وعزاه ابن كثير لابن أبي حاتم أيضا ببعض اختصار.
٣ - وفي أخرى عنه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق. أخرجه ابن جرير (١٢٠٦٣).
قلت: وابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، لكنه جيد في الشواهد.
_________________
(١) المائدة الآية (٤٤).
[ ١٠ / ٤١٢ ]
٤ - ثم روى (١٢٠٤٧ - ١٢٠٥١) عن عطاء بن أبي رباح قوله: (وذكر الآيات الثلاث): كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم. وإسناده صحيح.
٥ - ثم روى (١٢٠٥٢) عن سعيد المكي عن طاووس (وذكر الآية)، قال: ليس بكفر ينقل عن الملة. وإسناده صحيح، وسعيد هذا هو ابن زياد الشيباني المكي، وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان وغيرهم، وروى عنه جمع.
٦ - وروى (١٢٠٢٥و١٢٠٢٦) من طريقين عن عمران بن حدير قال: أتى أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس (وفي الطريق الأخرى: نفر من الإباضية) فقالوا: أرأيت قول الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (١) أحق هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ (٢) أحق هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ (٣) أحق هو؟ قال: نعم. قال: فقالوا: يا أبا مجلز فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون وإليه يدعون -[يعني الأمراء]- فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أنهم أصابوا ذنبا. فقالوا: لا والله، ولكنك تفرق. قال: أنتم
_________________
(١) المائدة الآية (٤٤).
(٢) المائدة الآية (٤٥).
(٣) المائدة الآية (٤٧).
[ ١٠ / ٤١٣ ]
أولى بهذا مني، لا أرى، وإنكم أنتم ترون هذا ولا تحرجون، ولكنها أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك. أو نحوا من هذا، وإسناده صحيح.
وقد اختلف العلماء في تفسير الكفر في الآية الأولى على خمسة أقوال ساقها ابن جرير (١٠/ ٣٤٦ - ٣٥٧) بأسانيده إلى قائليها، ثم ختم ذلك بقوله (١٠/ ٣٥٨): "وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبرا عنهم أولى.
فإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصا؟
قيل: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم -على سبيل ما تركوه- كافرون. وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه، نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي".
وجملة القول، أن الآية نزلت في اليهود الجاحدين لما أنزل الله، فمن شاركهم في الجحد، فهو كافر كفرا اعتقاديا، ومن لم يشاركهم في الجحد فكفره عملي لأنه عمل عملهم، فهو بذلك مجرم آثم، ولكن لا يخرج بذلك عن الملة كما تقدم عن ابن عباس ﵁. وقد شرح هذا وزاده بيانا الإمام الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلام في 'كتاب الإيمان' (باب الخروج
[ ١٠ / ٤١٤ ]
من الإيمان بالمعاصي) (ص.٨٤ - ٩٧ بتحقيقي)، فليراجعه من شاء المزيد من التحقيق.
وبعد كتابة ما سبق، رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول في تفسير آية الحكم المتقدمة في 'مجموع الفتاوى (٣/ ٢٦٨) ': "أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله".
ثم ذكر (٧/ ٢٥٤) أن الإمام أحمد سئل عن الكفر المذكور فيها؟ فقال: "كفر لا ينقل عن الإيمان، مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر، حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه".
وقال (٧/ ٣١٢): "وإذا كان من قول السلف أن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق، فكذلك في قولهم أنه يكون فيه إيمان وكفر، ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (١)، قالوا: كفرا لا ينقل عن الملة. وقد اتبعهم على ذلك أحمد وغيره من أئمة السنة. (٢)
- وقال تعليقا على قول أبي جعفر الطحاوي: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله): قلت: يعني استحلالا قلبيا اعتقاديا، وإلا فكل مذنب مستحل لذنبه عمليا أي مرتكب له، ولذلك فلا بد من التفريق بين المستحل اعتقادا، فهو كافر إجماعا، وبين المستحل عملا لا اعتقادا، فهو
_________________
(١) المائدة الآية (٤٤).
(٢) الصحيحة (٦/ ١١١ - ١١٦/ ٢٥٥٢).
[ ١٠ / ٤١٥ ]
مذنب يستحق العذاب اللائق به إلا أن يغفر الله له، ثم ينجيه إيمانه خلافا للخوارج والمعتزلة الذين يحكمون عليه بالخلود في النار، وإن اختلفوا في تسميته كافرا أو منافقا، وقد نبتت نابتة جديدة اتبعوا هؤلاء في تكفيرهم جماهير المسلمين رؤوسا ومرؤوسين، اجتمعت بطوائف منهم في سوريا ومكة وغيرها، ولهم شبهات كشبهات الخوارج مثل النصوص التي فيها من فعل كذا فقد كفر، وقد ساق الشارح رحمه الله تعالى طائفة منها هنا، ونقل عن أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص -أن الذنب أي ذنب كان- هو كفر عملي لا اعتقادي، وأن الكفر عندهم على مراتب: كفر دون كفر، كالإيمان عندهم، ثم ضرب على ذلك مثالا هاما طالما غفلت عن فهمه النابتة المشار إليها، فقال رحمه الله تعالى (ص.٣٦٣): "وهنا أمر يجب أن يتفطن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة، وقد يكون معصية: كبيرة أو صغيرة، ويكون كفرا: إما مجازيا وإما كفرا أصغر، على القولين المذكورين. وذلك بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله-: فهذا كفر أكبر. وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص ويسمى كافرا كفرا مجازيا، أو كفرا أصغر. وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه، فهذا مخطيء له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور. (١)
_________________
(١) العقيدة الطحاوية شرح وتعليق (٤٠ - ٤١).
[ ١٠ / ٤١٦ ]
- وقال ﵀: فإن مسألة التكفير عموما -لا للحكام فقط، بل وللمحكومين أيضا- فتنة عظيمة قديمة، تبنتها فرقة من الفرق الإسلامية القديمة، وهي المعروفة بـ "الخوارج".
ومع الأسف الشديد فإن (البعض) -من الدعاة أو المتحمسين- قد يقع في الخروج عن الكتاب والسنة ولكن: باسم الكتاب والسنة، والسبب في هذا يعود إلى أمرين اثنين:
أحدهما: هو ضحالة العلم.
والأمر الآخر: -وهو مهم جدا- أنهم لم يتفقهوا بالقواعد الشرعية، والتي هي أساس الدعوة الإسلامية الصحيحة التي تعد كل من خرج عنها داخلا في تلك الفرق المنحرفة عن الجماعة؛ التي أثنى عليها رسول الله - ﷺ - في غير ما حديث، بل والتي ذكرها ربنا ﷿، وبين أن من خرج عنها يكون قد شاق الله ورسوله، وذلك في قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾. (١)
- وقال: ومن هؤلاء المنحرفين: الخوارج؛ قدماء ومحدثين؛ فإن أصل فتنة التكفير في هذا الزمان -بل منذ أزمان- هو آية يدندنون دائما حولها؛ ألا وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
_________________
(١) التحذير من فتنة التكفير (٥١ - ٥٣).
[ ١٠ / ٤١٧ ]
الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (١)؛ فيأخذونها من غير فهوم عميقة، ويوردونها بلا معرفة دقيقة.
ونحن نعلم أن هذه الآية الكريمة قد تكررت، وجاءت خاتمتها بألفاظ ثلاثة، هي: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾؛ فمن تمام جهل الذين يحتجون من هذه الآية باللفظ الأول منها فقط - ﴿فأولئك هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ - أنهم لم يلموا على الأقل ببعض النصوص الشرعية -قرآنا أم سنة- التي جاء فيها ذكر لفظة (الكفر)؛ فأخذوها -بغير نظر- على أنها تعني الخروج من الدين وأنه لا فرق بين هذا الذي وقع في الكفر وبين أولئك المشركين من اليهود والنصارى وأصحاب الملل الأخرى الخارجة عن ملة الإسلام.
بينما لفظة (الكفر) في لغة الكتاب والسنة لا تعني -دائما- هذا الذي يدندنون حوله، ويسلطون هذا الفهم الخاطئ المغلوط عليه.
فشأن لفظة: ﴿الكافرون﴾ -من حيث إنها لا تدل على معنى واحد- هو ذاته شأن اللفظين الآخرين: ﴿الظالمون﴾ و﴿الفاسقون﴾؛ فكما أن من وصف بأنه ظالم أو فاسق لا يلزم بالضرورة ارتداده عن دينه، فكذلك من وصف بأنه كافر، سواء بسواء.
وهذا التنوع في معنى اللفظ الواحد هو الذي تدل عليه اللغة، ثم الشرع
_________________
(١) المائدة الآية (٤٤).
[ ١٠ / ٤١٨ ]
الذي جاء بلغة العرب -لغة القرآن الكريم-.
فمن أجل ذلك كان الواجب على كل من يتصدى لإصدار الأحكام على المسلمين -سواء أكانوا حكاما أم محكومين- أن يكون على علم واسع بالكتاب والسنة، وعلى ضوء منهج السلف الصالح.
والكتاب والسنة لا يمكن فهمهما -وكذلك ما تفرق عنهما- إلا بطريق معرفة اللغة العربية وآدابها معرفة خاصة دقيقة.
فإن كان لدى طالب العلم نقص في معرفة اللغة العربية: فإن مما يساعده في استدراك ذلك النقص الرجوع إلى فهم من قبله من الأئمة والعلماء، وبخاصة أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية.
[كفر دون كفر:]
ولنرجع إلى آية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾؛ فما المراد بالكفر فيها؟ هل هو الخروج عن الملة؟ أو أنه غير ذلك؟
فأقول: لابد من الدقة في فهم هذه الآية؛ فإنها قد تعني الكفر العملي؛ وهو الخروج بالأعمال عن بعض أحكام الإسلام. ويساعدنا في هذا الفهم حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄، الذي أجمع المسلمون جميعا -إلا من كان من الفرق الضالة- على أنه إمام فريد في التفسير.
فكأنه طرق سمعه يومئذ ما نسمعه اليوم تماما من أن هناك أناسا
[ ١٠ / ٤١٩ ]
يفهمون هذه الآية فهما سطحيا، من غير تفصيل، فقال ﵁: "ليس الكفر الذي تذهبون إليه"، و"إنه ليس كفرا ينقل عن الملة"، و"هو كفر دون كفر" (١)، ولعله يعني بذلك الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي ﵁، ثم كان من عواقب ذلك أنهم سفكوا دماء المؤمنين، وفعلوا فيهم ما لم يفعلوا بالمشركين، فقال: ليس الأمر كما قالوا، أو كما طنوا، إنما هو كفر دون كفر.
فهذا الجواب المختصر الواضح من ترجمان القرآن في تفسير هذه الآية هو الحكم الذي لا يمكن أن يفهم سواه من النصوص التي أشرت إليها قبل.
ثم إن كلمة الكفر ذكرت في كثير من النصوص القرآنية والحديثية، ولا يمكن أن تحمل -فيها جميعا- على أنها تساوي الخروج من الملة، من ذلك -مثلا- الحديث المعروف في 'الصحيحين' (٢) عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»؛ فالكفر هنا هو المعصية، التي هي الخروج عن الطاعة، ولكن الرسول عليه الصلاة والصلاة -وهو أفصح الناس بيانا- بالغ في الزجر قائلا: « وقتاله كفر».
ومن ناحية أخرى؛ هل يمكن لنا أن نحمل الفقرة الأولى من هذا الحديث - «سباب المسلم فسوق» - على معنى الفسق المذكور في اللفظ
_________________
(١) وهي مخرجة جميعا في السلسلة الصحيحة تحت حديث (٢٥٥٢).
(٢) أحمد (١/ ٤٣٩) والبخاري (١/ ١٤٧/٤٨) ومسلم (١/ ٨١/١١٦ - ١١٧) والترمذي (٤/ ٣١١/١٩٨٣) والنسائي (٧/ ١٣٧ - ١٣٨/ ٤١١٦ - ٤١٢٤) وابن ماجه (١/ ٢٧/٦٩) عن ابن مسعود ﵁.
[ ١٠ / ٤٢٠ ]
الثالث ضمن الآية السابقة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؟.
والجواب: أن هذا قد يكون فسقا مرادفا للكفر الذي هو بمعنى الخروج عن الملة، وقد يكون الفسق مرادفا للكفر الذي لا يعني الخروج عن الملة، وإنما يعني ما قاله ترجمان القرآن: إنه كفر دون كفر.
وهذا الحديث يؤكد أن الكفر قد يكون بهذا المعنى؛ وذلك لأن الله ﷿ قال: ﴿وَإِنْ طائفتان مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١) إذ قد ذكر ربنا ﷿ هنا الفرقة الباغية التي تقاتل الفرقة المحقة المؤمنة، ومع ذلك فلم يحكم على الباغية بالكفر، مع أن الحديث يقول: « وقتاله كفر» (٢).
إذا؛ فقتاله كفر دون كفر؛ كما قال ابن عباس في تفسير الآية السابقة تماما.
فقتال المسلم للمسلم بغي واعتداء، وفسق وكفر، ولكن هذا يعني أن الكفر قد يكون كفرا عمليا، وقد يكون كفرا اعتقاديا.
ومن هنا جاء هذا التفصيل الدقيق الذي تولى بيانه وشرحه الإمام -بحق- شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله، وتولى ذلك من بعده تلميذه البار ابن قيم الجوزية، إذ لهما الفضل في التنبيه والدندنة على تقسيم الكفر إلى ذلك التقسيم
_________________
(١) الحجرات الآية (٩).
(٢) تقدم تخريجه.
[ ١٠ / ٤٢١ ]
الذي رفع رايته ترجمان القرآن بتلك الكلمة الجامعة الموجزة؛ فابن تيمية -يرحمه الله- وتلميذه وصاحبه ابن قيم الجوزية: يدندنان دائما حول ضرورة التفريق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي، وإلا وقع المسلم من حيث لا يدري في فتنة الخروج على جماعة المسلمين التي وقع فيها الخوارج قديما، وبعض أذنابهم حديثا.
وخلاصة القول: إن قوله - ﷺ -: « وقتاله كفر» لا يعني -مطلقا- الخروج عن الملة، والأحاديث في هذا كثيرة جدا؛ فهي -جميعا- حجة دامغة على أولئك الذي يقفون عند فهمهم القاصر للآية السابقة، ويلتزمون تفسيرها بالكفر الاعتقادي.
فحسبنا الآن هذا الحديث؛ لأنه دليل قاطع على أن قتال المسلم لأخيه المسلم هو كفر بمعنى الكفر العملي، وليس هو الكفر الاعتقادي.
فإذا عدنا إلى (جماعة التكفير) -أو من تفرع عنهم- وإطلاقهم على الحكام -وعلى من يعيشون تحت رايتهم، وينتظمون تحت إمرتهم وتوظيفهم- الكفر والردة، فإن ذلك منهم مبني على وجهة نظرهم الفاسدة؛ القائمة على أن هؤلاء ارتكبوا المعاصي فكفروا بذلك. (١)