- قال ﵀ عقب إيراده أحاديث سبب نزول قول الله تعالى: ﴿* يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ (٤): واعلم أن الشيعة يزعمون -خلافا للأحاديث المتقدمة- أن الآية المذكورة نزلت يوم غدير (خم) في علي ﵁، ويذكرون في ذلك روايات عديدة مراسيل ومعاضيل أكثرها، ومنها عن أبي سعيد الخدري، ولا يصح عنه كما حققته في 'الضعيفة (٤٩٢٢) '، والروايات الأخرى أشار إليها عبد الحسين الشيعي في 'مراجعاته (ص.٣٨) ' دون أي تحقيق في أسانيدها كما هي عادته في كل أحاديث كتابه، لأن غايته حشد
_________________
(١) الأعراف الآيتان (١٩٤و١٩٥).
(٢) فاطر الآيتان (١٣و١٤).
(٣) الصحيحة (٥/ ١٩١/٢٤٦٠).
(٤) المائدة الآية (٦٧).
[ ١٠ / ٣٩٣ ]
كل ما يشهد لمذهبه، سواء صح أم لم يصح على قاعدتهم: "الغاية تبرر الوسيلة"، فكن منه ومن رواياته على حذر، وليس هذا فقط، بل هو يدلس على القراء -إن لم أقل يكذب عليهم- فإنه قال في المكان المشار إليه في تخريج [حديث] أبي سعيد هذا المنكر، بل الباطل: "أخرجه غير واحد من أصحاب السنن، كالإمام الواحدي ".
ووجه كذبه أن المبتدئين في هذا العلم يعلمون أن الواحدي ليس من أصحاب السنن الأربعة، وإنما هو مفسر، يروي بأسانيده ما صح وما لم يصح، وحديث أبي سعيد هذا مما لم يصح، فقد أخرجه من طريق فيه متروك شديد الضعف؛ كما هو مبين في المكان المشار إليه من 'الضعيفة'.
وهذه من عادة الشيعة قديما وحديثا؛ أنهم يستحلون الكذب على أهل السنة، عملا في كتبهم وخطبهم، بعد أن صرحوا باستحلالهم للتقية، كما صرح بذلك الخميني في كتابه 'كشف الأسرار (ص.١٤٧ - ١٤٨) '، وليس يخفى على أحد أن التقية أخت الكذب، ولذلك قال أعرف الناس بهم؛ شيخ الإسلام ابن تيمية: "الشيعة أكذب الطوائف".
وأنا شخصيا قد لمست كذبهم لمس اليد في بعض مؤلفيهم، وبخاصة عبد الحسين هذا، والشاهد بين يديك، فإنه فوق كذبته المذكورة، أوهم القراء أن الحديث عند أهل السنة من المسلمات بسكوته عن علته، وادعائه كثرة طرقه، فقد كان أصرح منه في الكذب الخميني؛ فإنه صرح في الكتاب المذكور (ص.١٤٩) أن آية العصمة نزلت يوم غديرخم بشأن إمامة علي بن أبي طالب
[ ١٠ / ٣٩٤ ]
باعتراف أهل السنة واتفاق الشيعة، كذا قال عامله الله بما يستحق. (١)
- وقال ﵀ تحت حديث: «إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي» (٢): واعلم أيها القارئ الكريم أن من المعروف أن الحديث مما يحتج به الشيعة، يلهجون بذلك كثيرا، حتى يتوهم بعض أهل السنة أنهم مصيبون في ذلك، وهم جميعا واهمون في ذلك، وبيانه من وجهين:
الأول: أن المراد من الحديث في قوله - ﷺ -: «عترتي» أكثر مما يريده الشيعة، ولا يرده أهل السنة، بل هم مستمسكون به، ألا وهو أن العترة فيه هم أهل بيته - ﷺ -، وقد جاء موضحا في بعض طرقه، كحديث الترجمة «وعترتي أهل بيتي» وأهل بيته في الأصل هم نساؤه - ﷺ -، وفيهن الصديقة عائشة ﵅ جميعا، كما هو صريح قوله تعالى في الأحزاب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ (٣) بدليل الآية التي قبلها والتي بعدها ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ
_________________
(١) الصحيحة (٥/ ٦٤٥ - ٦٤٦).
(٢) الترمذي (٥/ ٦٢١/٣٧٨٦) والطبراني (٣/ ٦٣/٢٦٨٠) عن جابر بن عبد الله. وقال الترمذي: "حديث حسن غريب من هذا الوجه".
(٣) الأحزاب الآية (٣٣).
[ ١٠ / ٣٩٥ ]
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ (١)، وتخصيص الشيعة أهل البيت في الآية بعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ دون نسائه - ﷺ - من تحريفهم لآيات الله تعالى انتصارا لأهوائهم، كما هو مشروح في موضعه، وحديث الكساء وما في معناه غاية ما فيه توسيع دلالة الآية، ودخول علي وأهله فيها كما بينه الحافظ ابن كثير وغيره، وكذلك حديث العترة قد بين النبي - ﷺ - أن المقصود أهل بيته - ﷺ - بالمعنى الشامل لزوجاته وعلي وأهله.
ولذلك قال التوربشتي كما في المرقاة (٥/ ٦٠٠): "عترة الرجل أهل بيته ورهطه الأدنون، ولاستعمالهم العترة على أنحاء كثيرة، بينها رسول الله - ﷺ - بقوله: «أهل بيتي» ليعلم أنه أراد بذلك نسله وعصابته الأدنين وأزواجه".
والوجه الآخر: أن المقصود من أهل البيت إنما هم العلماء الصالحون منهم، والمتسمكون بالكتاب والسنة. قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى: "العترة هم أهل بيته - ﷺ - الذين هم على دينه وعلى التمسك بأمره" وذكر نحوه الشيخ علي القاري في الموضع المشار إليه آنفا. ثم استظهر أن الوجه في تخصيص أهل البيت بالذكر ما أفاده بقوله: "إن أهل البيت غالبا يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله، فالمراد بهم أهل العلم منهم المطلعون على سيرته، الواقفون على طريقته العارفون بحكمه وحكمته، وبهذا يصلح أن يكون
_________________
(١) الأحزاب الآيات (٣٢ - ٣٤).
[ ١٠ / ٣٩٦ ]
مقابلا لكتاب الله سبحانه، كما قال: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (١) قلت: ومثله قوله تعالى في خطاب أزواجه - ﷺ - في آية التطهير المتقدمة: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ فتبين أن المراد بأهل البيت المتمسكون منهم بسنته - ﷺ - فتكون هي المقصودة بالذات في الحديث. (٢)
- وقال ﵀: ثم إن روح التشيع واضح من الحديث (٣)، فإن من الثابت عند أهل السنة أن فضل الخلفاء الأربعة على ترتيبهم المعروف، فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين، وهذا التفضيل، ثابت عن علي نفسه، بل وفي زمن النبي - ﷺ - كانوا لا يعدلون بأبي بكر أحدا كما في البخاري وغيره، فكيف يمكن أن يقول: "وعلي سيد العرب"، فلا شك أن هذا من وضع الشيعة. ونحن نشم رائحة التشيع من هذا الغماري وإخوته من كتاباتهم، حتى إن أحدهم ألف رسالة خاصة في توثيق الحارث الأعور الشيعي، والله المستعان. (٤)