- قال ﵀: وأما قول العامة وكثير من الخاصة: الله موجود في كل مكان، أو في كل الوجود، ويعنون بذاته، فهو ضلال بل هو مأخوذ من القول بوحدة الوجود، الذي يقول به غلاة الصوفية الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق
_________________
(١) الجمعة الآية (٢).
(٢) الصحيحة (٤/ ٣٥٩ - ٣٦٠).
(٣) أي حديث «أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب».
(٤) بداية السول (ص.٢٨).
[ ١٠ / ٣٩٧ ]
ويقول كبيرهم: كل ما تراه بعينك فهو الله! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. (١)
- وقال ﵀ تعقيبا على ما أثر عن عمر ﵁ من قوله يا سارية الجبل: "ومما لا شك فيه، أن النداء المذكور إنما كان إلهاما من الله تعالى لعمر، وليس ذلك بغريب عنه، فإنه "محدث" كما ثبت عن النبي - ﷺ - (٢)، ولكن ليس فيه أن عمر كشف له حال الجيش، وأنه رآهم رأي العين، فاستدلال بعض المتصوفة بذلك على ما يزعمونه من الكشف للأولياء، وعلى إمكان اطلاعهم على ما في القلوب من أبطل الباطل، كيف لا وذلك من صفات رب العالمين، المنفرد بعلم الغيب والاطلاع على ما في الصدور. وليت شعري كيف يزعم هؤلاء ذلك الزعم الباطل والله ﷿ يقول في كتابه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (٣).
فهل يعتقدون أن أولئك الأولياء رسل من رسل الله حتى يصح أن يقال إنهم يطلعون على الغيب بإطلاع الله إياهم، سبحانك هذا بهتان عظيم. (٤)
- وقال ﵀: إذا عرفت ما سبق بيانه أن حب الله لا ينال إلا باتباع نبيه - ﷺ - فاحرص إذا على اتباع سنته كل الحرص، وأنفق في سبيل ذلك كل جهاد ونفس، ولا تغتر بما عليه بعض الضالين المغرورين، من المتصوفة واللاهين، الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، ونشيدا ونغما، يزعمون
_________________
(١) الصحيحة (٣/ ٣٨/١٠٤٦).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) الجن الآيتان (٢٦و٢٧).
(٤) الصحيحة (٣/ ١٠٢/١١١٠).
[ ١٠ / ٣٩٨ ]
أنهم بذلك يرضون محمدا - ﷺ -، بما يسمونه بالأناشيد الدينية، ويكثرون منها في أذكارهم واجتماعاتهم التي يعقدونها في بعض الأعياد البدعية، كعيد المولد ونحوه، فإنهم -والله- لفي ضلال مبين، وعن الحق متنكبين، كيف لا وهم قد خلطوا الدين الحق باللهو الباطل، وقلدوا المغنين الماجنين، في موازينهم وأنغامهم الموسيقية، ويلتزمون في كل ذلك طرائقهم المميتة للقلوب، الصادة عن ذكر الله وتلاوة القرآن، والنبي - ﷺ - يقول: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» (١)
لا سيما وأنهم قد يضيفون إلى ذلك بعض الآلات الموسيقية، أو التصفيق بالأكف لتتم المشابهة بين الفريقين، ولذلك تذيعها بعض الإذاعات الأجنبية، فضلا عن الإذاعات العربية، إرضاء للناس باسم الذكر أو الأناشيد الدينية ومن المؤسف أن بعض الإذاعات الإسلامية بدأت تحذو حذوها. والله المستعان.
وقد بلغني أن بعض محطات الرائي (التلفزيون) عرضت شيئا من هذا على أنه الإسلام الذي يدعو إليه من سمتهم بالمسلمين الحنفاء.
وإن نسيت فلن أنسى أنني حضرت قديما في مركز لبعض الجماعات
_________________
(١) البخاري (١٣/ ٦١٢/٧٥٢٧) من طريق أبي عاصم عن ابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا. قال الدارقطني في الإلزامات والتتبع (ص١٢٧ - ١٢٨): "وهذا يقال إن أبا عاصم وهم فيه. والصواب ما رواه الزهري ومحمد بن إبراهيم ويحيى بن أبي كثير ومحمد بن عمرو وغيرهم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «ما أذن الله لشيء أذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به». وقول أبي عاصم وهم وقد رواه عقيل ويونس وعمرو بن الحارث وعمرو بن دينار وعمرو بن عطية وإسحاق بن راشد ومعمر وغيرهم عن الزهري بخلاف ما رواه أبو عاصم عن ابن جريج. وقال أبو بكر النيسابوري: قول أبي عاصم فيه: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، وهم من أبي عاصم لكثرة من رواه عنه هكذا". وتابعه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١/ ٣٩٥) على توهيم رواية أبي عاصم النبيل. والحديث أخرجه: أحمد (١/ ١٧٥) وأبو داود (٢/ ١٥٥ - ١٥٦/ ١٤٦٩) والحاكم (١/ ٥٦٩) وصححه، ووافقه الذهبي .. وابن حبان (١/ ٣٢٦ - ٣٢٧/ ١٢٠ الإحسان) عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن أبي نهيك عن سعد بن أبي وقاص.
[ ١٠ / ٣٩٩ ]
الإسلامية، وإذا بي أفاجأ بسماع صوت تلحين للأذان بآلة موسيقية فسألت عن الخبر؟ فقيل: هؤلاء بعض الشباب المسلم من بعض البلاد العربية نزلوا ضيوفا على الجماعة، وأحدهم يسمعهم الأذان ملحنا تلحينا موسيقيا، وهذا مما نسمعه اليوم من بعض الإذاعات الإسلامية كثيرا وما أحسن ما قاله ابن القيم ﵀ بهذه المناسبة في 'إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان' (١):
برئنا إلى الله من معشر بهم مرض من سماع الغنا
وكم قلت: يا قوم أنتم على شفا جرف ما به من بنا
شفا جرف تحت هوة إلى درك كم به من عنا
وتكرار في النصح منا لهم لنعذر فيهم إلى ربنا
فلما استهانوا بتنبيهنا رجعنا إلى الله في أمرنا
فعشنا على سنة المصطفى وماتوا على تنتنا تنتنا (٢)
- وقال ﵀ تحت حديث: «حسبي من سؤالي علمه بحالي»: لا أصل له. أورده بعضهم من قول إبراهيم ﵊، وهو من الإسرائيليات، ولا أصل له في المرفوع، وقد ذكره البغوي في تفسير سورة الأنبياء مشيرا لضعفه، فقال: "روي عن كعب الأحبار أن إبراهيم ﵊ لما رموا به في المنجنيق إلى النار استقبله جبريل، فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال جبريل: فسل ربك. فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي".
_________________
(١) (١/ ٢٢٦).
(٢) بداية السول في تفضيل الرسول (ص.٩ - ١١).
[ ١٠ / ٤٠٠ ]
وقد أخذ هذا المعنى بعض من صنف في الحكمة على طريقة الصوفية، فقال: "سؤالك منه -يعني الله تعالى- اتهام له".
وهذه ضلالة كبرى فهل كان الأنبياء صلوات الله عليهم متهمين لربهم حين سألوه مختلف الأسئلة؟ فهذا إبراهيم ﵊ يقول: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا﴾ (١) إلى آخر الآيات، وكلها أدعية، وأدعية الأنبياء في الكتاب والسنة لا تكاد تحصى، والقائل المشار إليه قد غفل عن كون الدعاء الذي هو تضرع والتجاء إلى الله تعالى عبادة عظيمة، بغض النظر عن ماهية الحاجة المسؤولة، ولهذا قال - ﷺ -: «الدعاء هو العبادة». ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (٢). (٣) اهـ (٤)
- وقال ﵀ تحت حديث: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم
_________________
(١) إبراهيم الآيتان (٣٧و٣٨).
(٢) غافر الآية (٦٠).
(٣) أحمد (٤/ ٢٦٧) وأبو داود (٢/ ١٦١/١٤٧٩) والترمذي (٥/ ١٩٤ - ١٩٥/ ٢٩٦٩) وقال: "حديث حسن صحيح". والنسائي في الكبرى (٦/ ٤٥٠/١١٤٦٤) وابن ماجه (٢/ ١٢٥٨/٣٨٢٨) وابن حبان (٣/ ١٧٢/٨٩٠) والحاكم (١/ ٤٩٠ - ٤٩١) وصححه، ووافقه الذهبي. عن النعمان بن بشير.
(٤) الضعيفة (١/ ٧٤ - ٧٥/ ٢١).
[ ١٠ / ٤٠١ ]
اهتديتم» (١): وأما قول الشعراني في الميزان (١/ ٢٨): "وهذا الحديث، وإن كان فيه مقال عند المحدثين، فهو صحيح عند أهل الكشف"، فباطل وهراء لا يلتفت إليه، ذلك لأن تصحيح الأحاديث من طريق الكشف بدعة صوفية مقيتة، والاعتماد عليها يؤدي إلى تصحيح أحاديث باطلة لا أصل لها، كهذا الحديث، لأن الكشف أحسن أحواله -إن صح- أن يكون كالرأي، وهو يخطىء ويصيب، وهذا إن لم يداخله الهوى، نسأل الله السلامة منه، ومن كل ما لا يرضيه. (٢)