له رسائل وفتاوى في العقيدة والدفاع عن حياضها، جمع بعض تلامذته كثيرا من ذلك، منها ما جمعه الشيخ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار في عدة أجزاء منها ثلاثة في العقيدة، عقد فيها بابا في القضاء والقدر (٢)، بين فيه الشيخ ابن باز أهمية الإيمان بالقضاء والقدر وأنه الركن السادس من أركان الإيمان فقال: قد دل الكتاب العزيز والسنة الصحيحة وإجماع سلف الأمة: على وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره، وأنه من أصول الإيمان الستة، التي لا يتم إسلام العبد ولا إيمانه إلا بها، كما دلت على ذلك آيات من القرآن الكريم وأحاديث صحيحة مستفيضة بل متواترة عن الرسول الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.
ومن ذلك قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ (٣)، وقوله
_________________
(١) العقيدة الطحاوية تعليق ابن باز (ص.٦٠).
(٢) من (٢/ ٤٧٥) إلى (٢/ ٥٠٢).
(٣) الحج الآية (٧٠).
[ ١٠ / ٣٦٠ ]
تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - لما سأله جبرائيل عن الإيمان قال ﵊: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث، وتؤمن بالقدر كله». قال: صدقت. الحديث. وهذا لفظ مسلم (٣). وخرج مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن جبرائيل ﵇ سأل النبي - ﷺ - عن الإيمان فأجابه بقوله: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» فقال له جبرائيل: صدقت (٤). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وقد ذكر العلماء ﵏ أن الإيمان بالقدر يجمع أربعة أمور:
الأمر الأول: الإيمان بأن الله سبحانه علم الأشياء كلها قبل وجودها بعلمه الأزلي، وعلم مقاديرها وأزمانها وآجال العباد وأرزاقهم وغير ذلك، كما قال
_________________
(١) الحديد الآية (٢٢).
(٢) القمر الآية (٤٩).
(٣) أحمد (٢/ ٤٢٦) والبخاري (١/ ١٥٣/٥٠) ومسلم (١/ ٣٩/٩) والنسائي (٨/ ٤٧٥ - ٤٧٦/ ٥٠٠٦) وابن ماجه (١/ ٢٥/٦٤). وأخرجه أبو داود (٥/ ٧٤/٤٦٩٨) مختصرا.
(٤) تقدم تخريجه في مواقف يحيى بن يعمر سنة (٨٩هـ).
[ ١٠ / ٣٦١ ]
﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿* وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ (٣)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
الأمر الثاني من مراتب الإيمان بالقدر: كتابته سبحانه لجميع الأشياء من خير وشر وطاعة ومعصية وآجال وأرزاق وغير ذلك، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ (٤)، في آيات كثيرة سبق بعضها آنفا.
وفي الصحيحين من حديث علي ﵁: أن النبي - ﷺ - قال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار» فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال - ﷺ -: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل
_________________
(١) العنكبوت الآية (٦٢).
(٢) الطلاق الآية (١٢).
(٣) الأنعام الآية (٥٩).
(٤) الحج الآية (٧٠).
[ ١٠ / ٣٦٢ ]
الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة» ثم قرأ رسول الله ﵊ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ (١). (٢)، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، ومنها حديث عبد الله بن مسعود المخرج في الصحيحين في ذكر خلق الجنين وأنه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد (٣).
الأمر الثالث من مراتب الإيمان بالقدر: أنه ﷾ لا يوجد في ملكه ما لا يريد، ولا يقع شيء في السماء والأرض إلا بمشيئته؛ كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ (٧)، وقال ﷿:
_________________
(١) الليل الآيتان (٥و٦).
(٢) تقدم تخريجه في مواقف عبد الرحمن بن ناصر السعدي سنة (١٣٧٦هـ).
(٣) تقدم تخريجه في مواقف السلف من عمرو بن عبيد سنة (١٤٤هـ).
(٤) التكوير الآيتان (٢٨و٢٩).
(٥) المدثر الآيتان (٥٥و٥٦).
(٦) الأنعام الآية (١٣٧).
(٧) الأنعام الآية (٣٩).
[ ١٠ / ٣٦٣ ]
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (١)، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا معلومة من كتاب الله.
والإرادة في هذه الآية بمعنى المشيئة، وهي إرادة كونية قدرية بخلاف الإرادة في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ (٢)، فالإرادة في هذه الآيات الثلاث إرادة شرعية أو دينية بمعنى المحبة.
والفرق بين الإرادتين: الأولى لا يتخلف مرادها أبدا، بل ما أراده الله كونا فلابد من وقوعه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (٣). أما الإرادة الشرعية: فقد يوجد مرادها من بعض الناس، وقد يتخلف. وإيضاح ذلك أن الله سبحانه أخبر أنه يريد البيان للناس والهداية والتوبة، ومع ذلك أكثر الخلق لم يهتد ولم يوفق للتوبة، ولم يتبصر في الحق، لأنه ﷾ قد أوضح الحجة والدليل وبين السبيل
_________________
(١) الأنعام الآية (١٢٥).
(٢) النساء الآيات (٢٦ - ٢٨).
(٣) يس الآية (٨٢).
[ ١٠ / ٣٦٤ ]
وشرع أسباب التوبة وبينها، ولكنه لم يشأ لبعض الناس أن يهتدي أو يتوب أو يتبصر، فذلك لم يقع منه ما أراده الله شرعا، لما قد سبق في علم الله وإرادته الكونية من أن هذا الشخص المعين لا يكون من المهتدين، ولا ممن يوفق للتوبة. وهذا بحث عظيم ينبغي تفهمه وتعقله والتبصر في أدلته، ليسلم المؤمن من إشكالات كثيرة وشبهات مضلة، حار فيها الكثير من الناس لعدم تحقيقهم للفرق بين الإرادتين.
ومما يزيد المقام بيانا: أن الإرادتين تجتمعان في حق المؤمن، فهو إنما آمن بمشيئة الله وإرادته الكونية، وهو في نفس الوقت قد وافق بإيمانه وعمله الإرادة الشرعية، وفعل ما أراده الله منه شرعا وأحبه منه، وتنفرد الإرادة الكونية في حق الكافر والعاصي، فهو إنما كفر وعصى بمشيئة الله وإرادته الكونية، وقد تخلفت عنه الإرادة الشرعية لكونه لم يأت بمرادها وهو الإسلام والطاعة، فتنبه وتأمل، والله الموفق.
الأمر الرابع من مراتب الإيمان بالقدر: أن الله ﷾ هو الخالق الموجد لجميع الأشياء من ذوات وصفات وأفعال، فالجميع خلق الله سبحانه، وكل ذلك واقع بمشيئته وقدرته، فالعباد وأرزاقهم وطاعاتهم ومعاصيهم كلها خلق الله، وأفعالهم تنسب إليهم، فيستحقون الثواب على طيبها والعقاب على خبيثها، والعبد فاعل حقيقة وله مشيئة وله قدرة قد أعطاه الله إياها، والله سبحانه هو خالقه وخالق أفعاله وقدرته ومشيئته، كما قال
[ ١٠ / ٣٦٥ ]
تعالى: ﴿إِن اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (٢)، فلا يخرج شيء من أفعال العباد ولا غيرهم عن قدرة الله ولا عن مشيئته، فعلم الله شامل، ومشيئته نافذة، وقدرته كاملة، لا يعجزه سبحانه شيء، ولا يفوته أحد، كما قال ﷿: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (٣).
والعرش وما دونه من سماوات وأرضين وملائكة وبحار وأنهار وحيوان وغير ذلك من الموجودات، كلها وجدت بمشيئة الله وقدرته، لا خالق غيره ولا رب سواه ولا شريك له في ذلك كله، كما أنه لا شريك له في عبادته ولا في أسمائه وصفاته، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ
_________________
(١) البقرة الآية (٢٠).
(٢) التكوير الآيتان (٢٨و٢٩).
(٣) الطلاق الآية (١٢).
(٤) الزمر الآية (٦٢).
(٥) البقرة الآية (١٦٣).
[ ١٠ / ٣٦٦ ]
الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢).
فالله سبحانه هو الخالق وما سواه مخلوق، وصفاته كذاته ليست مخلوقة، وكلامه من صفاته، والقرآن الكريم من كلامه المنزل على رسوله - ﷺ -، فهو كلام الله ﷿، منزل غير مخلوق بإجماع أهل السنة، وهم أصحاب رسول الله - ﷺ - ومن سلك سبيلهم إلى يوم القيامة.
وبما ذكرنا يتضح لطالب الحق أن مراتب القدر أربع، من آمن بها وأحصاها فقد آمن بالقدر خيره وشره.
وقد ذكر العلماء هذه المراتب في كتب العقائد وأوضحوها بأدلتها؛ وممن ذكر ذلك باختصار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه 'العقيدة الواسطية'، وذكرها وأوسع فيها الكلام تلميذه المحقق العلامة الكبير أبو عبد الله ابن القيم في كتابه 'شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل'، وهو كتاب نفيس عظيم الفائدة نادر المثل أو معدومه، ننصح بقراءته والاستفادة منه. والله أسأل سبحانه أن يوفقنا جميعا للفقه في دينه والاستقامة عليه، وأن يهدينا وسائر المسلمين صراطه المستقيم، إنه جواد كريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (٣)
_________________
(١) الإخلاص الآيات (١ - ٤).
(٢) الشورى الآية (١١).
(٣) مجموع فتاوى ابن باز (٢/ ٤٧٥ - ٤٨١).
[ ١٠ / ٣٦٧ ]