- قال ﵀ في معرض كلامه على أحاديث القبضتين: إن كثيرا من الناس يتوهمون أن هذه الأحاديث -ونحوها أحاديث كثيرة- تفيد أن الإنسان مجبور على أعماله الاختيارية، ما دام أنه حكم عليه منذ القديم وقبل أن يخلق: بالجنة والنار.
وقد يتوهم آخرون أن الأمر فوضى أو حظ، فمن وقع في القبضة اليمنى، كان من أهل السعادة، ومن كان من القبضة الأخرى، كان من أهل الشقاوة.
فيجب أن يعلم هؤلاء جميعا أن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣)، لا في
_________________
(١) الأنفال الآيات (٢ - ٤).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (٥٧ - ٥٨).
(٣) الشورى الآية (١١).
[ ١٠ / ٤٢٧ ]
ذاته، ولا في صفاته، فإذا قبض قبضة، فهي بعلمه وعدله وحكمته، فهو تعالى قبض باليمنى على من علم أنه سيطيعه حين يؤمر بطاعته، وقبض بالأخرى على من سبق في علمه تعالى أنه سيعصيه حين يؤمر بطاعته، ويستحيل على عدل الله تعالى أن يقبض باليمنى على من هو مستحق أن يكون من أهل القبضة الأخرى، والعكس بالعكس، كيف والله ﷿ يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ (١)؟!
ثم إن كلا من القبضتين ليس فيها إجبار لأصحابهما أن يكونوا من أهل الجنة أو من أهل النار، بل هو حكم من الله ﵎ عليهم بما سيصدر منهم، من إيمان يستلزم الجنة، أو كفر يقتضي النار والعياذ بالله تعالى منها، وكل من الإيمان أو الكفر أمران اختياريان، لا يكره الله ﵎ أحدا من خلقه على واحد منهما، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٢)، وهذا مشاهد معلوم بالضرورة، ولولا ذلك، لكان الثواب والعقاب عبثا، والله منزه عن ذلك.
ومن المؤسف حقا أن نسمع من كثير من الناس -حتى من بعض المشايخ- التصريح بأن الإنسان مجبور لا إرادة له! وبذلك يلزمون أنفسهم القول بأن الله يجوز له أن يظلم الناس! مع تصريحه تعالى بأنه لا يظلمهم مثقال ذرة، وإعلانه بأنه قادر على الظلم، ولكنه نزه نفسه عنه، كما في
_________________
(١) القلم الآيتان (٣٥و٣٦).
(٢) الكهف الآية (٢٩).
[ ١٠ / ٤٢٨ ]
الحديث القدسي المشهور: «يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي » (١).
وإذا جوبهوا بهذه الحقيقة، بادروا إلى الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ (٢)، مصرين بذلك على أن الله تعالى قد يظلم، ولكنه لا يسأل عن ذلك! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا!
وفاتهم أن الآية حجة عليهم، لأن المراد بها -كما حققه العلامة ابن القيم في 'شفاء العليل' وغيره- أن الله تعالى لحكمته وعدله في حكمه ليس لأحد أن يسأله عما يفعل، لأن كل أحكامه تعالى عدل واضح، فلا داعي للسؤال.
وللشيخ يوسف الدجوي رسالة مفيدة في تفسير هذه الآية، لعله أخذ مادتها من كتاب ابن القيم المشار إليه آنفا، فليراجع.
هذه كلمة سريعة حول الأحاديث المتقدمة، حاولنا فيها إزالة شبهة بعض الناس حولها، فإن وفقت لذلك، فبها ونعمت، وإلا فإني أحيل القارئ إلى المطولات في هذا البحث الخطير، مثل كتاب ابن القيم السابق، وكتب شيخه ابن تيمية الشاملة لمواضيع هامة هذا أحدها. (٣)
- وقال رحمه الله تعالى تعقيبا على حديث: «لن يدخل أحدا منكم
_________________
(١) أحمد (٥/ ١٦٠) ومسلم (٤/ ١٩٩٤ - ١٩٩٥/ ٢٥٧٧) والترمذي (٤/ ٥٦٦ - ٥٦٧/ ٢٤٩٥) وقال: "حديث حسن". وابن ماجه (٢/ ١٤٢٢/٤٢٥٧) عن أبي ذر.
(٢) الأنبياء الآية (٢٣).
(٣) الصحيحة (١/ ١١٥ - ١١٧/ ٤٦ - ٥٠).
[ ١٠ / ٤٢٩ ]
عمله الجنة» (١): واعلم أن هذا الحديث قد يشكل على بعض الناس، ويتوهم أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ (٢) ونحوها من الآيات والأحاديث الدالة على أن دخول الجنة بالعمل، وقد أجيب بأجوبة، أقربها إلى الصواب: أن الباء في قوله في الحديث: "بعمله" هي باء الثمنية، والباء في الآية باء السببية، أي أن العمل الصالح سبب لا بد منه لدخول الجنة، ولكنه ليس ثمنا لدخول الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والدرجات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في بعض فتاويه: "ولهذا قال بعضهم: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون سببا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيا في حصول النبات، بل لا بد من ريح مربية بإذن الله، ولا بد من صرف الانتفاء عنه، فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع، وكل ذلك بقضاء الله وقدره. وكذلك الولد لا يولد بمجرد إنزال الماء في الفرج، بل كم ممن أنزل ولم يولد له، بل لا بد من أن الله شاء خلقه فتحبل المرأة وتربيه في الرحم وسائر ما يتم به خلقه من الشروط وزوال الموانع.
وكذلك أمر الآخرة ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة، بل هي
_________________
(١) أحمد (٢/ ٢٦٤) والبخاري (١١/ ٣٥٥/٦٤٦٣) ومسلم (٤/ ٢١٧٠/٢٨١٦ (٧٥» وابن ماجه (٢/ ١٤٠٥/٤٢٠١) عن أبي هريرة. وفي الباب عن عائشة وجابر وأبي سعيد وغيرهم.
(٢) الزخرف الآية (٧٢).
[ ١٠ / ٤٣٠ ]
سبب، ولهذا قال النبي - ﷺ -: (فذكر الحديث)، وقد قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ (١). فهذه باء السبب، أي بسبب أعمالكم، والذي نفاه النبي - ﷺ - باء المقابلة، كما يقال: اشتريت هذا بهذا. أي ليس العمل عوضا وثمنا كافيا في دخول الجنة، بل لا بد من عفو الله وفضله ورحمته، فبعفوه يمحو السيئات، وبرحمته يأتي بالخيرات، وبفضله يضاعف الدرجات.
وفي هذا الموضع ضل طائفتان من الناس:
فريق آمنوا بالقدر وظنوا أن ذلك كاف في حصول المقصود فأعرضوا عن الأسباب الشرعية والأعمال الصالحة. وهؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يكفروا بكتب الله ورسله ودينه.
وفريق أخذوا يطلبون الجزاء من الله كما يطلبه الأجير من المستأجر، متكلين على حولهم وقوتهم وعملهم، وكما يطلبه المماليك، وهؤلاء جهال ضلال: فإن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به حاجة إليه، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا به، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم. وهو سبحانه كما قال: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني» (٢). فالملك إذا أمر مملوكيه بأمر أمرهم لحاجته إليهم، وهم فعلوه بقوتهم التي لم يخلقها لهم فيطالبون بجزاء ذلك، والله تعالى غني عن
_________________
(١) النحل الآية (٣٢).
(٢) هذا جزء من حديث أبي ذر، وقد تقدم قريبا.
[ ١٠ / ٤٣١ ]
العالمين، فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم، وإن أساؤا فلها. لهم ما كسبوا، وعليهم ما اكتسبوا، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ (١).
انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ منقولا من 'مجموعة الفتاوى' (٢)، ومثله في 'مفتاح دار السعادة' (٣) لتلميذه المحقق العلامة ابن قيم الجوزية، و'تجريد التوحيد المفيد' (٤) للمقريزي. (٥)
- وقال رحمه الله تعالى تعقيبا على الحديث القدسي: «قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم » الحديث (٦): قوله: (قد أردت منك) أي: أحببت منك.
والإرادة في الشرع تطلق ويراد بها ما يعم الخير والشر والهدى والضلال، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٧)، وهذه الإرادة لا تتخلف.
_________________
(١) فصلت الآية (٤٦).
(٢) (٨/ ٧٠ - ٧١).
(٣) (ص.٩ - ١٠).
(٤) (ص.٣٦ - ٤٣)
(٥) الصحيحة (٦/ ١٩٨ - ٢٠٠/ ٢٦٠٢).
(٦) أحمد (٣/ ١٢٧) والبخاري (١١/ ٥٠٧ - ٥٠٨/ ٦٥٥٧) ومسلم (٤/ ٢١٦٠ - ٢١٦١/ ٢٨٠٥) عن أنس.
(٧) الأنعام الآية (١٢٥).
[ ١٠ / ٤٣٢ ]
وتطلق أحيانا ويراد بها ما يرادف الحب والرضى، كما في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١). وهذا المعنى هو المراد من قوله تعالى في هذا الحديث: "أردت منك"، أي: أحببت. والإرادة بهذا المعنى قد تتخلف، لأن الله ﵎ لا يجبر أحدا على طاعته، وإن كان خلقهم من أجلها، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٢)، وعليه، فقد يريد الله ﵎ من عبده ما لا يحبه منه، ويحب منه ما لا يريده. وهذه الإرادة يسميها ابن القيم رحمه الله تعالى بالإرادة الكونية، أخذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (٣)، ويسمي الإرادة الأخرى المرادفة للرضى بالإرادة الشرعية.
وهذا التقسيم، مَن فَهمه، انحلت له كثير من مشكلات مسألة القضاء والقدر، ونجا من فتنة القول بالجبر أو الاعتزال، وتفصيل ذلك في الكتاب الجليل 'شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل' لابن القيم رحمه الله تعالى.
قوله: «وأنت في صلب آدم»، قال القاضي عياض: "يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٤)، فهذا
_________________
(١) البقرة الآية (١٨٥).
(٢) الكهف الآية (٢٩).
(٣) يس الآية (٨٢).
(٤) الأعراف الآية (١٧٢).
[ ١٠ / ٤٣٣ ]
الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، فمن وفى به بعد وجوده في الدنيا، فهو مؤمن، ومن لم يوف به، فهو كافر، فمراد الحديث: أردت منك حين أخذت الميثاق، فأبيت إذ أخرجتك إلى الدنيا إلا الشرك. ذكره في 'الفتح'. (١)