- قال الشيخ ﵀ وهو يتحدث عن مسألة التشهد في الصلاة: ولهذه المسألة ونحوها مما لا يمكن معرفة الصواب فيها إلا بالرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح، وبخاصة أصحاب النبي - ﷺ - منهم، نلح دائما في دروسنا ومحاضراتنا أنه لايكفي إذا دعونا الناس إلى العمل بالكتاب والسنة أن نقتصر على هذا فقط في الدعوة، بل لا بد من أن نضم إلى ذلك جملة: "على منهج السلف الصالح" أو نحوها، لقيام الأدلة الشرعية على ذلك، وهي مذكورة في غير هذا الموضع. لا بد من ذلك، وخصوصا في هذا العصر، حيث صارت الدعوة إلى الكتاب والسنة موضة العصر الحاضر، ودعوة كل الجماعات الإسلامية، والدعاة الإسلاميين -على ما بينهم من اختلافات أساسية أو فرعية- وقد يكون فيهم من هو من أعداء السنة عمليا، ومن يزعم أن الدعوة إليها يفرق الصف، عياذا بالله منهم.
أسأل الله تعالى أن يحيينا على السنة وأن يميتنا عليها، متبعين لمن أثنى الله ﵎ عليهم بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ
[ ١٠ / ٣٧٠ ]
الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ (١). وأن يجعلنا ممن قال فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (٢).اهـ (٣)
- وقال ﵀: ثم إن هناك وهما شائعا عند بعض المقلدين، يصدهم عن اتباع السنة التي تبين لهم أن المذاهب على خلافها، وهو ظنهم أن اتباع السنة يستلزم تخطئة صاحب المذهب، والتخطئة معناها عندهم الطعن في الإمام، ولما كان الطعن في فرد من أفراد المسلمين لا يجوز، فكيف في إمام من أئمتهم؟
والجواب: أن هذا المعنى باطل، وسببه الانصراف عن التفقه في السنة، وإلا فكيف يقول ذلك المعنى مسلم عاقل؟ ورسول الله - ﷺ - هو القائل: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد» (٤)، فهذا الحديث يرد ذلك المعنى، ويبين بوضوح لا غموض فيه أن قول القائل: "أخطأ فلان" معناه في الشرع: "أثيب فلان أجرا واحدا"، فإذا كان مأجورا في رأي من خطأه، فكيف يتوهم من تخطئته إياه الطعن فيه؟ لا شك أن هذا التوهم أمر باطل يجب على كل من قام به أن يرجع عنه، وإلا فهو الذي يطعن في المسلمين، وليس في فرد عادي منهم، بل في
_________________
(١) التوبة الآية (١٠٠).
(٢) الحشر الآية (١٠).
(٣) مقدمة صفة صلاة النبي - ﷺ - (ص.٢٥).
(٤) تقدم تخريجه في مواقف ابن حزم سنة (٤٥٦هـ).
[ ١٠ / ٣٧١ ]
كبار أئمتهم، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين وغيرهم، فإننا نعلم يقينا أن هؤلاء الأجلة كان يخطئ بعضهم بعضا، ويرد بعضهم على بعض، أفيقول عاقل: إن بعضهم كان يطعن في بعض، بل لقد صح أن رسول الله - ﷺ - خطأ أبا بكر ﵁ في تأويله لرؤيا كان رآها رجل، فقال - ﷺ - له: «أصبت بعضا وأخطأت بعضا» (١)، فهل طعن - ﷺ - في أبي بكر بهذه الكلمة؟.
ومن عجيب تأثير هذا الوهم على أصحابه، أنه يصدهم عن اتباع السنة المخالفة لمذهبهم، لأن اتباعهم إياها معناه عندهم الطعن في الإمام، وأما اتباعهم إياه -ولو في خلاف السنة- فمعناه احترامه وتعظيمه، ولذلك فهم يصرون على تقليده فرارا من الطعن الموهوم.
ولقد نسي هؤلاء -ولا أقول: تناسوا- أنهم بسبب هذا الوهم وقعوا فيما هو شر مما منه فروا، فإنه لو قال لهم قائل: إذا كان الاتباع يدل على احترام المتبوع، ومخالفته تدل على الطعن فيه، فكيف أجزتم لأنفسكم مخالفة سنة النبي - ﷺ -، وترك اتباعها إلى اتباع إمام المذهب في خلاف السنة، وهو غير معصوم، والطعن فيه ليس كفرا؟ فلئن كان عندكم مخالفة الإمام تعتبر طعنا فيه، فمخالفة الرسول - ﷺ - أظهر في كونها طعنا فيه، بل ذلك هو الكفر بعينه -والعياذ بالله منه- لو قال لهم ذلك قائل، لم يستطيعوا عليه جوابا، اللهم،
_________________
(١) أخرجه: أحمد (١/ ٢٣٦) والبخاري (١٢/ ٥٣٤/٧٠٤٦) ومسلم (٤/ ١٧٧٧ - ١٧٧٨/ ٢٢٦٩) وأبو داود (٣/ ٥٧٨ - ٥٧٩/ ٣٢٦٨) والترمذي (٤/ ٤٧٠ - ٤٧١/ ٢٢٩٣) وقال: "هذا حديث حسن صحيح". وابن ماجه (٢/ ١٢٨٩ - ١٢٩٠/ ٣٩١٨). كلهم من طريق ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله أخبره أن ابن عباس ﵄ كان يحدث أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فذكره.
[ ١٠ / ٣٧٢ ]
إلا كلمة واحدة -طالما سمعناها من بعضهم- وهي قولهم، إنما تركنا السنة ثقة منا بإمام المذهب، وأنه أعلم بالسنة منا.
وجوابنا على هذه الكلمة من وجوه يطول الكلام عليها في هذه المقدمة، ولذلك فإني أقتصر على وجه واحد منها، وهو جواب فاصل بإذن الله، فأقول: ليس إمام مذهبكم فقط هو أعلم منكم بالسنة، بل هناك عشرات -بل مئات- الأئمة هم أعلم أيضا منكم بالسنة، فإذا جاءت السنة الصحيحة على خلاف مذهبكم -وكان قد أخذ بها أحد من أولئك الأئمة- فالأخذ بها -والحالة هذه- حتم لازم عندكم، لأن كلمتكم المذكورة لا تنفق هنا، فإن مخالفكم سيقول لكم معارضا، إنما أخذنا بهذه السنة ثقة منا بالإمام الذي أخذ بها، فاتباعه أولى من اتباع الإمام الذي خالفها. وهذا بين لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى. (١)
- ومن الشبه التي ردها ﵀ قال: قال بعضهم: "لا شك أن الرجوع إلى هدي نبينا - ﷺ - في شؤون ديننا أمر واجب، لا سيما فيما كان منها عبادة محضة لا مجال للرأي والاجتهاد فيها، لأنها توقيفية، كالصلاة مثلا، ولكننا لا نكاد نسمع أحدا من المشايخ المقلدين يأمر بذلك، بل نجدهم يقرون الاختلاف، ويزعمون أنه توسعة على الأمة، ويحتجون على ذلك بحديث -طالما كرروه في مثل هذه المناسبة رادين به على أنصار السنة- «اختلاف أمتي رحمة»، فيبدو لنا أن هذا الحديث يخالف المنهج الذي تدعو إليه، وألفت كتابك هذا وغيره عليه، فما قولك في هذا الحديث؟ ".
_________________
(١) مقدمة صفة صلاة النبي - ﷺ - (٧٠ - ٧٢).
[ ١٠ / ٣٧٣ ]
والجواب من وجهين:
الأول: أن الحديث لا يصح، بل هو باطل لا أصل له، قال العلامة السبكي: "لم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع".
قلت: وإنما روي بلفظ: «اختلاف أصحابي لكم رحمة». و«أصحابي كالنجوم، فبأيهم اقتديتم اهتديتم» (١).
وكلاهما لا يصح: الأول واه جدا، والآخر موضوع، وقد حققت القول في ذلك كله في 'سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة' (رقم ٥٨و٥٩و٦١).
الثاني: أن الحديث مع ضعفه مخالف للقرآن الكريم، فإن الآيات الواردة فيه -في النهي عن الاختلاف في الدين، والأمر بالاتفاق فيه- أشهر من أن تذكر، ولكن لا بأس من أن نسوق بعضها على سبيل المثال، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ (٣)، وقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (٤)، فإذا كان من رحم ربك لا يختلفون، وإنما يختلف أهل
_________________
(١) تقدم تخريجه في مواقف أبي عثمان الصابوني سنة (٤٤٩هـ).
(٢) الأنفال الآية (٤٦).
(٣) الروم الآيتان (٣١و٣٢).
(٤) هود الآيتان (١١٨و١١٩).
[ ١٠ / ٣٧٤ ]
الباطل، فكيف يعقل أن يكون الاختلاف رحمة؟
فثبت أن هذا الحديث لا يصح، لا سندا ولا متنا، وحينئذ يتبين بوضوح أنه لا يجوز اتخاذه شبهة للتوقف عن العمل بالكتاب والسنة الذي أمر به الأئمة. (١)
- وقال ﵀ تعقيبا على حديث: «إن من المؤمنين من يلين لي قلبه» (٢): ومعنى (يلين لي قلبه) أي يسكن ويميل إلي بالمودة والمحبة. والله أعلم. وليس ذلك إلا بإخلاص الاتباع له - ﷺ - دون سواه من البشر، لأن الله تعالى جعل ذلك وحده دليلا على حبه ﷿، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣).
أفلم يأن للذين يزعمون حبه - ﷺ - في أحاديثهم وأناشيدهم، أن يرجعوا إلى التمسك بهذا الحب الصادق الموصل إلى حب الله تعالى، ولا يكونوا كالذي قال فيه الشاعر:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمرك في القياس بديع
لوكان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع (٤)
_________________
(١) مقدمة صفة صلاة النبي - ﷺ - (٥٨ - ٦٠).
(٢) أحمد (٥/ ٢٦٧) والطبراني في الكبير (٨/ ١٠٣/٧٤٩٩). وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ٦٣) وقال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح". وفي المجمع أيضا (١٠/ ٢٧٦) وقال: "رواه الطبراني ورجاله وثقوا".
(٣) آل عمران الآية (٣١).
(٤) الصحيحة (٣/ ٨٧/١٠٩٥)
[ ١٠ / ٣٧٥ ]