- قال ﵀: ولهذا لما سئل - ﷺ - عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره» (٢) ففسر الإيمان بهذه الأمور الستة التي هي أصول الإيمان، وهي في نفسها أصول الدين كله، لأنه لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، فالإيمان بهذه الأصول لا بد منه لصحة الإسلام لكن قد يكون كاملًا وقد يكون ناقصًا، ولهذا قال الله ﷿ في حق الأعراب: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٣).
فلما كان إيمانهم ليس بكامل، بل إيمان ناقص لم يستكمل واجبات
_________________
(١) بهامش حاشية ابن عتيق (ص.٥٢).
(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف محمد بن أسلم الطوسي سنة (٢٤٢هـ).
(٣) الحجرات الآية (١٤).
[ ١٠ / ٣٥٧ ]
الإيمان نفى عنهم الإيمان يعني به الكامل لأنه ينفى عمن ترك بعض الواجبات كما في قوله - ﷺ -: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (١)، ومنه قول النبي - ﷺ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» (٢) إلى غير ذلك، والمقصود أن الإيمان يقتضي العمل الظاهر، كما أن الإسلام بدون إيمان من عمل المنافقين، فالإيمان الكامل الواجب يقتضي فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى عنه الله ورسوله، فإذا قصر في ذلك جاز أن ينفى عنه ذلك الإيمان بتقصيره كما نفي عن الأعراب بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٣) وكما نفي عمن ذكر في الأحاديث السابقة.
والخلاصة أن الله سبحانه ورسوله نفيا الإيمان عن بعض من ترك بعض واجبات الإيمان وأثبتا له الإسلام، فهذه الأصول الستة هي أصول الدين كله، فمن أتى بها مع الأعمال الظاهرة صار مسلمًا مؤمنًا، ومن لم يأت بها فلا إسلام له ولا إيمان؛ كالمنافقين فإنهم لما أظهروا الإسلام وادعوا الإيمان وصلوا مع الناس وحجوا مع الناس وجاهدوا مع الناس إلى غير ذلك، ولكنهم في
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٣/ ١٧٦) والبخاري (١/ ٧٨/١٣) ومسلم (١/ ٦٧/٤٥) والترمذي (٤/ ٥٧٥/٢٥١٥) وابن ماجه (١/ ٢٦/٦٦) من حديث أنس
(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٦٧) والبخاري (١٠/ ٦٥١و٦٥٢/ ٦١٣٦و٦١٣٨) ومسلم (١/ ٦٨/٤٧) وأبو داود (٥/ ٣٥٨/٥١٥٤) والترمذي (٤/ ٥٦٩/٢٥٠٠) من حديث أبي هريرة.
(٣) الحجرات الآية (١٤).
[ ١٠ / ٣٥٨ ]
الباطن ليسوا مع المسلمين بل هم في جانب والمسلمون في جانب، لأنهم مكذبون لله ورسوله، منكرون لما جاءت به الرسل في الباطن، متظاهرون بالإسلام لحظوظهم العاجلة ولمقاصد معروفة أكذبهم الله في ذلك، وصاروا كفارًا ضلالًا، بل صاروا أكفر وأشر ممن أعلن كفره، ولهذا صاروا في الدرك الأسفل من النار، وما ذاك إلا لأن خطرهم أعظم؛ لأن المسلم يظن أنهم إخوته وأنهم على دينه وربما أفشى إليهم بعض الأسرار، فضروا المسلمين وخانوهم، فصار كفرهم أشد وضررهم أعظم.
وهكذا من ادعى الإيمان بهذه الأصول ثم لم يؤدِّ شرائع الإسلام الظاهرة، فلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أو لم يصل، أو لم يصم، أو لم يزك، أو لم يحج، أو ترك غير ذلك من شعائر الإسلام الظاهرة التي أوجبها الله عليه، فإن ذلك دليل على عدم إيمانه أو على ضعف إيمانه. فقد ينتفي الإيمان بالكلية كما ينتفي بترك الشهادتين إجماعًا، وقد لا ينتفي أصله ولكن ينتفي تمامه وكماله لعدم أدائه ذلك الواجب المعين كالصوم والحج مع الاستطاعة والزكاة ونحو ذلك من الأمور عند جمهور أهل العلم؛ فإنّ تركها فسق وضلال ولكن ليس ردة عن الإسلام عند أكثرهم إذا لم يجحد وجوبها. (١)
- قال ﵀ معلقا على قول الطحاوي: (والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان): هذا التعريف فيه نظر وقصور!! والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول، وعمل، واعتقاد، يزيد بالطاعة،
_________________
(١) مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (١/ ١٦٠ - ١٦٢).
[ ١٠ / ٣٥٩ ]
وينقص بالمعصية. والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تُحصر. وقد ذكر الشارح ابن أبي العز جملة منها، فراجعها إن شئت. وإخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة. وليس الخلاف بينهم وبين أهل السنة فيه لفظيًا، بل هو لفظي ومعنوي. ويترتب عليه أحكام كثيرة، يعلمها من تدبر كلام أهل السنة وكلام المرجئة، والله المستعان. (١)