لقد دأب ﵀ على الذب عن التوحيد والتحذير من الشرك ووسائله، فألف في ذلك المؤلفات، فمن ذلك:
١ - تطهير الجنان والأركان عن درن الشرك والكفران.
٢ - تنزيه السنة والقرآن عن أن يكونا من أصول الضلال والكفران.
٣ - القاديانية ودعايتها الضالة والرد عليها.
٤ - البابية والبهائية وأهدافها في دعوة النبوة والرد عليهما.
- قال ﵀: سبب الشرك الغلوّ في الصالحين:
ومن هنا نعلم أن الشرك إنما حدث في بني آدم بسبب الغلو في الصالحين.
ومعنى الغلو: الإفراط بالتعظيم بالقول والاعتقاد. ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ (٢). أي: لا
_________________
(١) تطهير الجنان والأركان (ص.٤٨).
(٢) النساء الآية (١٧١).
[ ١٠ / ٥٤٤ ]
تفرطوا في تعظيمه حتى ترفعوه عن منزلته التي أنزله الله، فتنزلوه المنزلة التي لا تنبغي إلا لله.
والخطاب وإن كان لأهل الكتاب، فإنه عام يتناول جميع الأمة، تحذيرًا لهم أن يفعلوا بنبيهم، كما فعلت النصارى في عيسى، واليهود في عزير.
ولهذا ورد في الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله». (١)
أي: لا تتجاوزوا الحد في مدحي، فتنزلوني فوق منزلتي التي أنزلني الله بها، كما غلت النصارى في عيسى فادّعوا فيه الألوهية، وإنما أنا عبد الله ورسوله، فصفوني كما وصفني ربي.
ولكن أبى الجاهلون والمخرفون إلا مخالفة أمر رسول الله، وارتكاب نهيه، فناقضوه أعظم مناقضة، وضاهؤوا النصارى في غلوهم وشركهم، وبنوا القباب والمساجد على أضرحة الأولياء والصالحين، وصلوا فيها -وإن كان لله- لكن بقصد التعظيم للمقبورين، وطافوا بقبورهم، واستغاثوا بهم في كشف الملمات وقضاء الحاجات، ورأوا أن الصلاة في أضرحة الأولياء أفضل من الصلاة في المساجد.
وقد ورد في الحديث الشريف عن عائشة، عن النبي - ﷺ - قالت: لما نُزِل برسول الله - ﷺ - طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمّ بها كشفها، فقال -وهو كذلك-: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم
_________________
(١) تقدم تخريجه في مواقف المكي الناصري سنة (١٤١٤هـ).
[ ١٠ / ٥٤٥ ]
مساجد»، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. أخرجه الشيخان. (١)
وجرى منهم الغلو في الشعر والنثر ما يطول عده، حتى جوزوا الاستغاثة بالرسول وسائر الصالحين، في كل ما يستغاث فيه بالله، ونسبوا إليه علم الغيب! حتى قال بعض الغلاة: لم يفارق الرسول الدنيا حتى علم ما كان وما يكون!، وخالفوا صريح القرآن: ﴿* وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ (٣)، وقال تعالى مخبرًا عن رسوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (٤)، وقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٥).
وإذ علمتم أن الشرك حدث بسبب الغلو في الصالحين، وأنه إنما جاءت الرسل من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله بالعبادة، لا إلى إثبات
_________________
(١) تقدم تخريجه في مواقف فوزان السابق سنة (١٣٧٣هـ).
(٢) الأنعام الآية (٥٩).
(٣) لقمان الآية (٣٤).
(٤) الأعراف الآية (١٨٨).
(٥) النمل الآية (٦٥).
[ ١٠ / ٥٤٦ ]
أنه خلقهم ونحوه، إذ هم مقرّون بذلك، كما قررناه وكررناه. ولذا قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا﴾ (١) أي: لنفرده بالعبادة ونخصه بها من دون آلهتنا! (٢)