له رسالة 'القول المبين في حكم الاستهزاء بالدين'.
- قال فيها: وبعد: فإن هناك ظاهرة من الظواهر الدخيلة على بلاد المسلمين، سارت مسير الريح، وانتشرت انتشار الشمس، فلم تعد بلدة إسلامية إلا جثمت عليها، ولا دار مسلم إلا دخلت فيه. وهي ظاهرة لا تبشّر بخير أبدًا، بل هي منذرة بسيل عذاب من الله جلّ وعلا قد انعقد غمامه، ومؤذنة بليل بلاء قد ادلهمّ ظلامه، ما عُهد أنها حلّت في مجتمع إلا أبادته وقضت عليه، فارتفعت عنه الخيرات، ونزلت عليه المصائب والنكبات
أتدرون ما هذه الظاهرة الموبوءة؟ إنها السخرية والاستهزاء بالمؤمنين، الذين قالوا: ربنا الله، ثم استقاموا؛ فأتوا بما يحبّه الله ويرضاه، واجتنبوا ما يكرهه ويمقته.
حقًا إنها ظاهرة قذرة، حَرِيّة بكل وصف سيء مشين، وذلك لأنها تأتي إلى أصول الدين، وقواعده فتنقضها، وإلى أركانه ومبانيه فتهدمها.
وأيّ شيء من الدين يبقى بعد السخرية بأتباعه لا لشيء؛ ولكن لأنهم آمنوا بالله، واتبعوا رسوله - ﷺ - في كل ما يأتون ويذرون؟ ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ
[ ١٠ / ٥٥٥ ]
إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾ (١).
والمستقرئ للتاريخ الإسلامي، يعلم أن هذه الظاهرة الخبيثة؛ لم تنتشر في زمن؛ كانتشارها في زمننا هذا، وذلك لعدّة أسباب؛ منها:
ابتعاد المسلمين عن تعاليم كتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ -.
إحياء المستعمرين الصليبيّين هذه الظاهرة، ليتمكّنوا من الاستيلاء على البلاد الإسلامية بسهولة ويسر.
تسخير جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة لبثّ هذه الظاهرة، خدمة لأغراض اليهود وأذنابهم.
دخول أجسام غريبة بين صفوف المسلمين؛ باسم الإسلام والعلم؛ تعمل على تشويه صورة الإسلام، وإظهار المسلمين بمظهر السوء.
وكلّ هذه الأسباب حقائق واضحة؛ لا يرتاب فيها مؤمن، وسيأتي تدعيم ذلك بالأدلّة الجليّة -إن شاء الله تعالى-. (٢)
- وقال مبيّنًا حكم الاستهزاء بالمسلم: الاستهزاء بالمسلم لما قام به من أحكام الله سبحانه، وسنة رسوله - ﷺ -؛ وذلك كالاستهزاء بمن حافظ على الصّلوات، أو حثّ الناس على الطاعات، أو بمن أعفى لحيته ورفع ثوبه فوق الكعبين تأسّيًا برسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) البروج الآيتان (٨و٩).
(٢) القول المبين في حكم الاستهزاء بالمؤمنين (ص.٧ - ١٠).
[ ١٠ / ٥٥٦ ]
وهذا القسم حكمه غليظ شديد، لا أحبّ أن أفجع به أسماعكم حتى أذكر أمرين إن وُجدا فيمن قام به هذا القسم لم يُحكم عليه بهذا الحكم الغليظ الشديد:
أحدهما: أن يكون المستهزئ جاهلًا بأن ما استهزأ به من الشريعة الإسلاميّة. كأن يستهزئ بقِصَر الثوب، ولا يعلم أن تقصير الثياب إلى أنصاف الساقين من سنن النبيّ - ﷺ -.
ثانيهما: أن لا يقصد باستهزائه ذاتَ العبادة التي قام بها الرجل المسلم. كأن يستهزئ بلحية رجل مسلم لما فيها من عيب خَلقيّ، لا لكونها سنة من سنن النبيّ - ﷺ -.
فمن لم يكن فيه أحد هذين الأمرين؛ واستهزأ برجل مسلم لما قام به من الواجبات أو السنن؛ فإنه يُصبح مرتدًّا عن دين الإسلام إن كان مسلمًا -والعياذ بالله- يجب على الإمام أن يُجري عليه أحكام الرّدّة التي قرّرها الفقهاء في كتبهم. (١)
- وقال في آخرها ناظمًا بعد أبيات طويلة:
يا ساخرون من الدعاة سمعتُمُ حكمًا غليظًا جاء من بارِينا
فإن انتهيتم فالسعادةُ خلفَكم وإن استبحتم فالشقاء قرينا
أو ما علمتم أن باعث عزنا ذلك الكتاب وسنة تهدينا
فبها أقمنا للحضارة معلمًا وبها فتحنا فارسًا والصينا
_________________
(١) القول المبين في حكم الاستهزاء بالمؤمنين (ص.٢٢ - ٢٤).
[ ١٠ / ٥٥٧ ]
وبها نشرنا العلم في أرجائها حتى تعالى كالجبال رصِينا
واليومَ لمّا للكتاب نبذتُمُ صار الهوان مخيِّمًا كاسِينا
هذا هو السّرّ الوحيد لنقصكم وكمالِ سادة قومنا الماضينا (١)