قال ﵀ في براءته التي كتبها لما حذف أحد مراقبي المطبوعات بالسعودية قصة العتبي من كتاب الأذكار للنووي الذي حقّقه، ومفادها أن العتبي كان جالسًا عند قبر الرسول - ﷺ - فجاء أعرابي وقال مخاطبًا النبي - ﷺ - في قبره: جئتك مستغفرًا من ذنبي. ولما انصرف رأى العتبي النبي - ﷺ - في المنام وقال له: يا عتبي! الحق الأعرابي فبشّره بأن الله قد غفر له. قال: هذه القصة ليس لها إسناد صحيح، ومتنها مخالف للأحاديث الصحيحة، ثم قال: وقد قال
_________________
(١) المصدر نفسه.
[ ١٠ / ٥٦٩ ]
الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي -تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذ الحافظ المزّيّ- في كتابه 'الصارم المنكي في الرّدّ على السبكي': (ذكرها الحافظ البيهقي في 'شعب الإيمان' بإسناد مظلم). قال: (ووضع لها بعض الكذابين إسنادًا إلى علي ﵁). وقال أيضًا ابن عبد الهادي في 'الصارم المنكي في الرد على السبكي' (ص.٤٣٠): (هذا خبر موضوع، وأثر مختلَق مصنوع، لا يصلح الاعتماد عليه، ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض).
وقد أخطأ الإمام النووي -﵀- حيث ذكر هذه القصة وسكت عليها؛ وكان الأَولى أن لا يذكرها حتى لا يغر بها القراء ويستشهدوا بها.
أقول: كيف تصح هذه القصة وفيها يقول العتبي: جاء الأعرابي إلى قبر النبي - ﷺ - وقال له: جئتك مستغفرًا من ذنبي. بعد وفاة النبي - ﷺ - وهو في قبره؟ والله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١). أي: لا يغفرها أحد سواه. قال الحافظ ابن عبد الهادي الحنبلي: (ولم يفهم أحد من السلف والخلف من الآية الكريمة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٢)، إلا المجيء إليه في حياته - ﷺ - ليستغفر لهم).
وهذه قضية لها علاقة بالعقيدة والتوحيد، فلا يجوز التساهل فيها والسكوت
_________________
(١) آل عمران الآية (١٣٥).
(٢) النساء الآية (٦٤).
[ ١٠ / ٥٧٠ ]
عنها؛ وإن عقائد السلف الصالح أنهم يعبدون الله تعالى وحده ولا يشركون به شيئًا، فلا يَسألون إلا الله تعالى، ولا يستعينون إلا بالله ﷿، ولا يستغيثون إلا به سبحانه، ولا يتوكلون إلا عليه جل وعلا، ويتوسّلون إلى الله تعالى بطاعته وعبادته والقيام بالأعمال الصالحة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (١). أي: تقربوا إليه بطاعته وعبادته ﷾. قال عبد الله بن مسعود ﵁: "اتّبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم". وقال عمر ابن عبد العزيز ﵀: "قف حيث وقف القوم؛ فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفّوا". وقال الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام ﵀: "عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول". وقال الفضيل بن عياض ﵀: "الزم طرق الهدى، ولا يغرّك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين".
هذا؛ وإن شريعة الله تعالى محفوظة من التغيير والتبديل، وقد تكفّل الله تعالى بحفظها فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٢). ورسول الله - ﷺ - قال في حديثه: «يحملُ هذا العلمَ من كلّ خلَفٍ عُدولُهُ: ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (٣). وهو
_________________
(١) سورة المائدة الآية (٣٥).
(٢) الحجر الآية (٩).
(٣) رواه الآجري في الشريعة (١/ ١٠١ - ١٠٤/ ١ - ٢) والبيهقي (١٠/ ٢٠٩) من حديث إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، وهذا مرسل. وله شواهد يتقوى بها عن جمع من الصحابة منهم: أسامة بن زيد وأبو هريرة وابن عمر وابن مسعود وعلي وغيرهم رضوان الله عليهم.
[ ١٠ / ٥٧١ ]
حديث حسن بطرقه وشواهده. نسأل الله تعالى أن يهدينا للعقيدة الصافية، والسريرة النقية الطاهرة، والأخلاق المرضية الفاضلة عند الله تعالى (١)