١- عرضها بأسلوب سهل ميسور، يفهمه الجميع، المتعلم وغير المتعلم وهذا ما فعله حين كتب " العقيدة الواسطية "، ففيها الوضوح والبعد عن أي نوع من أنواع التعقيد أو إثارة المشكلات، وقد تميز عرضه للعقيدة بما يلى:
أ- عدم الدخول في متاهات أهل الكلام.
ب- دعم ما يقول بالنصوص من الكتاب والسنة وأقوال السلف.
_________________
(١) من أمثلة ذلك العقيدة الواسطية، وقاعدة في توحيد الألوهية، أما ردوده على المخالفين وبيان عقيدة السلف من خلالها فأغلب كتبه على هذا المنهج، الذى سار عليه ابن تيمية بعد المناقشات والمحن التي مر بها، ورأى أنه لابد منه لايضاح الحق للناس.
(٢) وهي الوصية التي- كتبهاا إلى جماعة من أتباع عدى بن مسافر، عدى هو: عدى بن مسافر ابن إسماعيل الأموى الشامي الهكارى، من المتصوفة رافق أحمد البدوى وأحمد الرفاعي وعبد القادر الجيلاني وغيرهم، توفي سنة ٥٥٧ هـ، انظر: البداية والنهاية (١٢/١٤٣٢)، ووفيات الأعيان (٣/٢٥٤)، والنجوم الزاهرة (٥/٣٦١) وللشيخ عدى عقيدة مطبوعة سار فيها على مذهب ومنهج الأشاعرة، انظرها (ص: ١٢) وما بعدها.
[ ٢٦٧ ]
ج-- الشمول في بيان العقيدة، وبيان جميع أمورها، سواء منها ما يتعلق بالإيمان بالله وتوحيده وأسمائه وصفاته، أو الايمان بالرسالة وبقية أركان الأيمان من الإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر والقدر خيره وشره، أو ما يتعلق بالإيمان وما يشمله من القول والاعتقاد والعمل، أو ما يتعلق بالموقف من الصحابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٠٠٠ (١) .
٢- التركيز على اكبر المسائل وأهمها وهو توحيد الألوهية، والبعد عن الشرك بجميع أنواعه، وربطه ذلك بشهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله، فهاتان الشهادتان هما أصل دين الإسلام، يقول:" فهذا أصل عظيم على المسلم أن يعرفه فإنه أصل الإسلام الذى يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر، وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة، شهادة أن لا إله إلا الله رأن محمدا رسول الله، وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين، أو أحدهما، مع ظنه أنه في غاية التحقيق والتوحيد، والعلم والمعرفة، فإقرار المشرك بأن الله رب كل شىء ومليكه وخالقه، لا ينجيه من عذاب الله، إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمدا رسول الله فيجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، فلابد من الكلام على هذين الأصلين: الأصل الأول: توحيد الإلهية الأصل الثاني: حق الرسول - ﷺ - " (٢) .
ودائما ما يركز على أنواع العبادة التي لا يجوز صرف شيء منها إلا لله تعالى، وخاصة أصول العبادة التي تحرك القلوب إلى الله تعالى وهي: المحبة والخوف والرجاء، يقول شيخ الإسلام: " ولابد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله ﷿، فتعتصم به، فتقل آفاتها وتذهب عنها بالكلية بحول الله وقوته فنقول: اعلم أن محركات القلوب إلى الله ﷿ ثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء، وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها لأنها تراد في الدنيا والآخرة،
_________________
(١) انظر لما سبق " الواسطية.
(٢) التدمرية، مجموع الفتاوى (٣/ ١٠٤-١٠٩) .
[ ٢٦٨ ]
بخلاف الخوف فإنهة يزول في الآخرة قال الله تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [يونس: ٦٢]، والخوف المقصود منه الزجر والمنع من الخروج عن الطريق فالمحبة تلقى العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها
يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له، فإنه لا تحصل له العبودية لدونه، وكل أحد يحب أن يكون عبدا لله لا لغيره " (١) .
٣- بيان شروط قبول العمل: الإخلاص لله، والمتابعة لرسوله - ﷺ -، وذلك بأن لا يعبد إلا الله، وأن يعبد بما شرع رسوله وأمر لا بغير ذلك من البدع، وقد ركز على هذه القضية في جميع كتبه ودائما ما يعرج عليها لأنها من منطلقات العقيدة الأساسية (٢) .
٤- انتسابه إفى مذهب السلف لا إلى مذهب معين، يقول﵀- عن نفسه " مع أني في عمري إلى ساعتى هذه لم أدع أحدا قط في أصول الدين إفى مذهب حنبلي وغير حنبلي، ولا انتصرت لذلك، ولا أذكره في كلامي، ولا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمها " (٣)، ويقول: " فدين المسلمين مبني على اتباع كناب الله وسنة رسوله وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة هي أصول معصومة، وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلى الله والرسول، وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصا يدعو إل طريقته ويوالي عليها ويعادي، غير النبى - ﷺ -، ولا ينصب لهم كلاما يوالي عليه ويعادي غير كلام الله تعالى وكلام رسوله - ﷺ - وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/٩٥)، وانظر: الوجوه التسعة التى بين بها توحيد الألوهية، فهى عظيمة جدا، وتدل على منهج تأصيلى عظيم، قاعدة في توحيد الألوهية، مجموع الفتاوى (١/٢٠-٣٢) .
(٢) انظر- على سبيل المثال-: رسالة العبودية، مجموع الفتاوى (١٠/ ١٧٢-١٧٤، ٢٣٤)، وبحموع الفتاوى (١١/ ٥٨٥، ٢٨/ ١٧٧)، والنبوات (ص: ١٢٦)، وقاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٢٣ ا-٢٥ ١)، و(ص: ١٣٨-٥٨ ١) ط المكتب الإسلامي، وجامع الرسائل " قاعدة في المحبة " (٢/٢٢٦)، وتلخيص الاستغاثة (١/٥٢. ٧٥)، والتدمرية، مجموع الفتاوى (٣/١٢٤) .
(٣) مجموع الفتاوى (٣/٢٢٩) .
[ ٢٦٩ ]
الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يفرقون بين الأمة، يوالون على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون " (١)، ثم بين لماذا تحكى أقوال الأئمة وتنسب إلى أصحابها فقال:" والأقوال إذا حكيت عن قائلها أو نسبت الطوائف إلى متبوعها فإنما ذاك على سبيل التعريف والبيان، وأما المدح والذم والموالاة والمعاداة فعلى الأسماء المذكورة في القرآن العزيز كاسم المسلم والكافر، والمؤمن، والمنافق، والبر والفاجر، والصادق والكاذب، والمصلح والمفسد وأمثال ذلك، وكون القول صوابًا أو خطأ يعرف بالأدلة الدالة على ذلك بالمعلومة بالعقل والسمع " (٢) .
أما نسبة مذهب أهل السنة إلى الإمام أحمد فقد سبق- في التمهيد عند الحديث عن نشأة أهل السنة - أن نقلنا نصًا عن ابن تيمية يبين السبب في نسبته إلى الإمام احمد وأن مذهب السلف قديم قبل الأئمة الأربعة. ولكن لما امتحن فيه الإمام احمد نسب إليه، ويقول في نص آخر:" والاعتقاد إنما أضيف إلى الإمام أحمد لأنه أظهره وبينه عند ظهور البدع، وإلا فهو كتاب الله وسنة رسوله، حط أحمد منه كحظ غيره من السلف: معرفته والإيمان به، وتبليغه والذب عنه، كما قال بعض أكابر الشيوخ: الاعتقاد لمالك والشافعي ونحوهما من الأئمة، والظهور لأحمد بن حنبل [ثم قال:] وأئمة السنة ليسوا مثل أئمة البدعة، فإن أئمة السنة تضاف السنة إليهم لأنهم مظاهر بهم ظهرت، وأئمة البدعة تضاف إليهم لأنهم مصادر عنهم صدرت " (٣)، ويقول أيضًا:" فإن احمد بن حنبل لم يبتدع من عنده شيئًا ولكن كان أعلم زمانه بما أنزل الله على رسوله، وما كان عليه الصحابة والتابعون، وكان اتبع الناس لذلك، وابتلي بالمخالفين من أهل الأهواء ومناظرتهم بالخطاب والكتاب والرد عليهم، فأظهر من علوم السلف ما هو متبع فيه كسائر الأئمة قبله، وما من قول يقوله إلا وقد قاله بلفظه أو بمعناه ما شاء الله قبله وفي زمانه، وعلى ذلك من الدلائل ما شاء الله،
_________________
(١) درء التعارض (١/٢٧٢)
(٢) درء التعارض (١/٢٧٣)
(٣) نفس المصدر (٥/ ٥-٦)
[ ٢٧٠ ]
فلهذا اتخذته الأمة إمامًا، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] وكان الإمام أحمد﵀- تعالى - ممن آتاه الله الصبر واليقين بآيات الله ما استحق به الإمامة حتى اشتهر ذلك عند الخاصة والعامة، فصار لفظ الإمامة مقرونًا باسمه أكثر وأشهر مما يقترن باسم غيره" (١)، وابن تيمية وهو يقول هذا الكلام كان يتهم بأنه حنبلي وأنه يسير على اعتقاد الحنابلة الذين كثيرًا ما يتهمهم أعداؤهم بأنهم مجسمة مشبهة، وقد أجاب ابن تيمية عن هذا بأن اتباع الإمام أحمد من الحنابلة أقل انحرافًا من غيرهم، وما فيهم من انحراف ففي غيرهم ما هو أشد منه، ثم تبين أن الحنابلة منهم من كان على مذهب الإمام أحمد وأهل السنة، لكن أيضًا من كان يميل إلى التفويض، أو مذهب الأشاعرة، أو مذهب المعتزلة فهم كغيرهم من الطوائف، وانتسابهم إلى الإمام أحمد لا يكفي لأن يكونوا على وفق مذهب السلف ما لم تكن أقوالهم كذلك (٢) .
٥- التركيز على بيان وسطية مذهب السلف، وكثرًا ما يبنيها على وسطية أمة محمد - ﷺ - بخصائص ميزه الله بها على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل له شرعة ومنهاجًا، أفضل شرعة وأكمل منهاج مبين، كما جعل أمته خير أمة أخرجت للناس فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله من جميع الأجناس، هداهم الله بكتابه ورسوله لما اختلفوا فيه من الحق قبلهم، وجعلهم وسطًا عدلًا خيارًا، فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته وفي الإيمان برسله وكتبه وشرائع دينه من الأمر والنهي والحلال والحرام [ثم ذكر أمثلة ثم قال:] "وأهل السنة والجماعة في الإسلام كأهل الإسلام في أهل الملل: فهم وسط في باب صفات الله ﷿، بين أهل الجحد والتعطيل، وبين أهل التشبيه والتمثيل.. وهم وسط في باب أفعال الله ﷿ بين المعتزلة المكذبين بالقدر،
_________________
(١) نقض أساس التقديس- المخطوط (٣/٩٨)، وانظر في نفس الموضوع نقض أساس التقديس المطبوع (٢/٩١)، ومجموع الفتاوى (٦/ ٢١٤-٢١٥) .
(٢) انظر: درء التعارض (١٠/٢٥٧-٢٥٨)، ونقض أساس التقديس المطبوع (٢/٩٠-٩٢) .
[ ٢٧١ ]
والجبرية النافين لحكمة الله ورحمته وعدله، والمعارضين بالقدر أمر الله ونهيه وثوابه وعقابه، وفي باب الوعد والوعيد: بين الوعيدية الذين يقولون بتخليد عصاة المسلمين في النار، وبين المرجئة الذين يجحدون بعض الوعيد وما فضل الله به الأبرار على الفجار، وهم وسط في أصحاب رسول الله - ﷺ - بين الغالي في بعضهم الذي يقول فيه بألهية أو نبوة أو عصمة، والجافي فيهم، الذي يكفر بعضهم أو يفسقه وهم خيار الأمة" (١)، وبين أن كل طائفة من الطوائف من غير أهل السنة لا ينفردون بحق، بل كل من كان معه شيء من الحق ففي أهل السنة والجماعة من يقول به (٢) .
٦- وعند الحاجة إلى ذكر أقوال المخالفين، فلا بد من المذهب الصحيح المستنبط من الكتاب والسنة، أولًا، وذكر أقوال المخالفين في ضمن ذلك، يقول في مقدمة كتاب "الإيمان":" ونحن نذكر ما يستفاد من كلام النبي - ﷺ -، مع ما يستفاد من كلام الله تعالى، فيصل المؤمن إلى ذلك من نفس كلام الله ورسوله، فإن هذا هو المقصود، فلا نذكر اختلاف الناس ابتداء، بل نذكر من ذلك - في ضمن بيان ما يستفاد من كلام الله ورسوله - ما يبين أن رد موارد النزاع إلى الله وإلى رسوله خير وأحسن تأويلًا، وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة" (٣) .
وقد طبق هذا المنهج في كتابه هذا.