والثاني: بيان المنهج الشرعي الإسلامي في ذلك.
_________________
(١) = وبالنظر إلى أنه احتج به وأورده إيراد الأصول لا إيراد الشواهد يقتضي كونه مما حكم بصحته، ومع ذلك فقد حكم الحاكم بصحته "، ثم ذكر قول أبي داود أن ميمون لم يسمع من عائشة ورده بأنه عاصرها وعند مسلم يكفي المعاصرة، وانظر شرح النووى (١/١٩)، فقد نقل كلام ابن الصلاح وأيده، كا حسنه السخاوي في المقاصد الحسنة رقم (١٧٩) وقال السخاوي بعد كلام " وبالجملة فحديث عائشة حسن كما حسنه وأطال الكلام حوله في الجواهر والدرر (٤١١) . كما أيده العجلوني في كشف الخفا (١/١٩٤) رقم (٥٩٠)، وفي مختصر المقاصد قال: حسن كما رمز له السيوطي بعلامة الصحة.
(٢) شرح الأصفهانية (ص: ٤٥ ا-١٤٦) .
[ ٢٤٢ ]
أما الأول: فقد كانت لشيخ الإسلام جهود عظيمة فيه لفتت انتباه من أتى بعده من الموافقين والخالفين له، حتى أصبحوا يعتبرون موقفه موقفا متميزا يؤرخون فيه مرحلة من مراحل نظرة المسلمين إلى الفلسفة، والمنطق بشكل خاص (١) . ولن ندخل في هذا الموضوع ولكن نشير إشارات مجملة إلى نقده لتلك المناهج:
أ- فقد نقض أصول الفلسفة وأهدافها العليا، ورد على المناطقة الذين يزعمون أن فلسفتهم وبراهينهم توصل إلى العلوم الكمالية، وقد بين شيخ الاسلام أن كمال النفس إنما يكون بالايمان بالله والعمل الصالح، أما علومهم هذه فإنها لا تفيد- إن أفادت- إلا أمورا كلية لا حقيقة لها ولا ثمرة (٢)، ولذلك قال شيخ الإسلام عن علومهم هذه: إنها " لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقي " (٣)، وقال عن المنطق اليوناني: " لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد " (٤)، بل بين حكم تعلم المنطق وبين بطلان من قال بوجوبه وأنه فرض كفاية مثل اللغة العربية، كما بين أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين لم يعرفوه (٥)، بل بين لماذا اشتهر عند المسلمين أنه يجر إلى الإلحاد والزندقة (٦) .
٢- لما كان المنطق اليوناني يزعم أصحابه أنه آلة قانونية تعصم الذهن من أن يزل فكره، نقض هذا المنطق وكتب فيه كتابا مستقلا مرتبا ومبوبا، وأتى على جميع مباحثه بالمناقشة والنقد، فنقد الحد، وقول المناطقة: إن التصورات
_________________
(١) انظر فهارس: مناهج البحث للنشار، والمدرسة السلفية وموقفها من المنطق وعلم الكلام-نصار- وغيرها.
(٢) انظر: الرد على المنطقيين (ص: ٢٢ ا-١٤٧)، ونقض المنطق (ص: ١٦٤) .
(٣) درء التعارض (٥/٧١، ٨/٢٣٤، ٧/٤٢) وفيه " ولا سمين فينتقل،، والعبارة وصف إحدى النساء لزوجها في حديث أم زرع) البخارى في النكاح ورقمه (٥١٨٩)، الفتح (٩/٢٥٤) .
(٤) الرد على المنطقيين (ص: ٣) .
(٥) انظر: المصدر السابق (ص: ١٧٨- ١٨٠)، ومجموع الفتاوى (٩/٢٦٩- ٢٧٠) .
(٦) انظر: درء العارض (١/٢١٧-٢١٨)، ومجموع الفتاوى (٩/٢٦١) .
[ ٢٤٣ ]
لا تنال إلا بالحد (١)، كما نقض قولهم لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس (٢) ورد قضية الكلية التي يقوم عليها (٣)، كما رد عليهم حصرهم له بأنه لابد أن يقوم على مقدمتين، فبين بأنه قد يقوم على مقدمة واحدة، وقد يحتاج الوصول إلى نتيجة إلى ثلاث مقدمات أو اكثر، فحصرها بهذا العدد محض تحكم (٤) . كا بين أن كون القضية بديهية أو نظرية أمر نسبي وليس وصفا لها، إذ قد تكون عند شخص بديهية وعند آخر ليست بديهية (٥)، كا نقض قضايا المنطق الأخرى (٦)
٣- وإذا كان أهل الفلسفة حصروا منهجهم العلمى بالمنطق والقياس، فإن هناك طائفة قابلتهم في هذا الباب، فرأوا أن مصدر المعرفة ليست في شيء من ذلك، وجعلوا مصدرها ما عندهم من خيالات صوفية، وفيوضات- قد تكون فيوضات شيطانية- وغفل هؤلاء وهؤلاء عن الطريقة الشرعية، ولذلك كان بعض العلماء (٧) يتعوذ بالله من قياس فلسفي وخيال صوفي (٨) .
_________________
(١) انظر: الرد على المنطقيين (ص: ٧) وما بعدها، و(ص: ٣٢) وما بعدها، ودرء التعارض (٣/٣١٩) وما بعدها (٨/٥٢٣)، ونقض المنطق (ص: ١٨٣) وما بعدها.
(٢) انظر: الرد على المنطقيين (ص: ٨٨)، ونقض المنطق (ص: ١٥٦)، ومجمرع الفتاوى (٩/٢٦٨)، وانظر المدرسة السلفية (ص: ٠ ٣٦) .
(٣) انظر: الرد على المنطقيين (ص: ٣٦٨- ١ ٣٧، ٣٨١)، ومناهج البحث للنشار (ص: ٦٩ ١، ١٧٨، ١٨٢) .
(٤) انظر: الرد على المنطقيين (ص: ١٦٧) وما بعدها، ومنهاج السنة (٢/٨٤)، مكتبة الرياض الحديثة، وانظر منطق ابن تيمية (ص: ٠ ٠ ١)، ومناهج البحث (ص: ١٨٤، ٩٦ ١)، والمدرسة السلفية (ص: ٣٨٢) .
(٥) انظر: درء التعارض (٣/ ٤ ٠ ٣)، والرد على المنطقيين (ص: ٨٨، ٣٦٣)، والمدرسة السلفية (ص: ٠ ٣٧) .
(٦) مثل أقسام الصفات اللازمة وهل تنقسم الى ذاتي وعرضي، انظر الدرء (٢/٣٧٤،٣/ ٢٨، ٥/١٠-١٣) . ومثل: الفرق يين الماهية ووجدها، انظر الرد على المنطقيين (ص: ٦٤)، وتفريقهم بين الزاتي واللازم. انظر: الرد على المنطقيين (ص: ٧٠) .
(٧) منهم أبو القاسم السهيلي، عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد، صاحب الروض الأنف في شرح السيرة، توفي سنة: ٥٨١ هـ، ترجمته فى إشارة التعيين (ص: ١٨٢)، وأنباء الرواة (٢/١٦٢)، وبغية الوعاة (٢/٨١) .
(٨) انظر: الرد على المنطقيين (ص: ٤٨٢) وما بعدها، ونقض المنطق (ص: ٣٥)، ودرء التعارض (٣/٣٠٣) .
[ ٢٤٤ ]