ثانيا: منهجه في المعرفة والاستدلال.
ثالثا: منهجه في بيان العقيدة وتوضيحها.
رابعا: منهجه في الرد على الخصوم.
خامسا: الأمانة العلمية.
* * *
أولا: مقدمات في المنهج:
كثيرا ما يضع ابن تيمية بين يدي ردوده ومناقشاته، أو توضيحه لبعض قضايا العقيدة أصولا ومنطلقات ينطلق منها، وتكون هذه الأمور كالمقدمات الممهدة تفتح للقارى آفاقا تد يكون غافلا عنا، أو غير متصور لها تصورا كاملا، وقد ينير له الطريق في معرفة أقسام الناس أو العلماء أو أنواع من طرق الاستدلال ومن أمثلة ذلك:
١- ما يحتاجه الناس في العقيدة:
يقول ابن تيمية: " يحتاج المسلمون في العقيدة إفى شيئين: أحدهما: معرفة ما أراد الله ورسوله - ﷺ - بألفاظ الكتاب والسنة، بأن يعرفوا لغة القرآن التي نزل بها، وما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر علماء المسلمين في معاني تلك الألفاظ، فإن الرسول-! آ- لما خاطبهم بالكتاب والسنة عرفهم ما أراد بتلك الألفاظ، وكانت معرفة الصحابة لمعاني القرآن ا! مل من حفظهم لحروفه، وقد بلغوا تلك المعاني إلى التابعين أعظم مما بلغوا حروفه ٠٠٠، (١)، " ثم [وهذا هو الثاني]، معرفة ما قال الناس في هذا الباب
_________________
(١) تفسير سورة الاخلاص- مجموع الفتاوى (١٧/٣٥٣) .
[ ٢٣٢ ]
لينظر المعاني الموافقة للرسول والمعاني المخالفة لها " (١)، ثم شرح الوجه الثاني وبين أن الألفاظ التي يوردها الناس نوعان " نوع يوجد في كلام الله ورسوله، ونوع لا يوجد في كلام الله ورسوله، فيعرف معنى الأول، ويجعل ذلك المعنى هو الأصل، ويعرف ما يعنيه الناس بالثاني ويرد إلى الأول، هذا طريق أهل الهدى والسنة، وطريق أهل الضلال والبدع بالعكس، يجعلون الألفاظ التي أحدثوها ومعانيها هي الأصل، ويجعلون ما قاله الله ورسوله تبعا لهم، فيردونها بالتأويل والتحريف إلى معانيهم " (٢) . وفرق بين منهج أهل السنة وأهل البدعة في هذا.
٢- لما سئل شيخ الاسلام عن الهم والعزم على فعل المعاصي- وعدم فعلها- هل يعاقب عليه؟ أجاب بقوله " الحمد لله، هذه المسألة- ونحوها - تحتاج قبل الكلام في حكمها إلى حسن التصور لها، فإن اضطراب الناس في هذه المسائل وقع عامته من أمرين:
أحدها: عدم تحقيق أحوال القلوب وصفاتها، التي هي مورد الكلام. والثاني: عدم إعطاء الأدلة الشرعية حقها ٠٠٠ (٣) .
وابن تيمية يبين الأصل في الفتوى المبني على معرفة الواقعة وحسن التصور لها، ثم معرفة الأدلة الشرعية وحكم الله فيها.
٣- بين طرق الناس في طلب العلم والدين فقال: (والناس لهم في طلب العلم والدين طريقان مبتدعان، وطريق شرعي:
فالطريق الشرعي: هو النظر فيما جاء به الرسول، والاستدلال بأدلته والعمل بموجبها، فلابد من علم بما جاء به، وعمل به، لا يكفي أحدهما،
_________________
(١) المصدر السابق (١٧/٣٥٥) .
(٢) نفسه. وانظر مجموع فتاوى (٤/١٩١) فقد قسم الأقوال إلى قسمين: أقوال منقولة عن الأنبياء، وأقوال غير منقولة عنهم، ثم دين حكم كل منها.
(٣) مجموع الفتاوى (٠ ١/ ٠ ٧٢- ١ ٧٢) .
[ ٢٣٣ ]
وهذا الطريق متضمن للأدلة العقلية والبراهين اليقينية، فإن الرسول بين بالبراهين العقلية ما يتوقف السمع عليه، والرسل بينوا للناس العقليات التي يحتاجون إليها، كما ضرب الله في القرآن من كل مثل، وهذا هو الصراط المستقيم الذي أمر الله عباده أن يسألوه هدايته.
وأما الطريقان المبتدعان: فأحدها: طريق أهل الكلام البدعي، والرأي البدعي، فإن هذا فيه باطل كثير، وكثير من أهله يفرطون فيما أمر الله به ورسوله من الأعمال، فيبقى هؤلاء في فساد علم وفساد عمل، وهؤلاء منحرفون إلى اليهودية الباطلة.
والثاني: طريق أهل الرياضة والتصوف والعبادة البدعية وهؤلاء منحرفون إلى النصرانية الباطلة ٠٠. (١)، فالأقسام ثلاثة: من يجمع بين العلم والعمل وهم أهل السنة، ومن يميل إلى العلم بلا عمل وهم أهل الكلام ومن يميل إلى العمل بلا علم وهم أهل التصوف.
٤- أحسن طريقة لحكاية الخلاف في مسألة من المسائل:
جمن ذلك ابن تيمية فيقول: " هذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن ينبه على الصحيح منها، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فيشتغل به عن الأهم، فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكى الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا، فإن صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالا متعددة لفظا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى، فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبى زور " (٢) .
_________________
(١) منهاج السنة (٣/١٠٧) .
(٢) مقدمة في أصول التفسير (ص: ٠١ ا-١٠٢) ت زرزور.
[ ٢٣٤ ]
فقد ذكر أربع ملاحظات على كتير ممن يحكي الخلاف والأقوال:
١- عدم استيعاب الأقوال، وقد يكون الحق في القول الذي أغفله.
٢- حكاية الخلاف بلا بيان للصحيح.
٣- حكاية الخلاف فيما لا فائدة تحته.
٤- تكثير الأقوال وهي ترجع إلى أقل مما ذكره.
وفي موضع آخر بين أنواع النزاع وكيف يفصل النزاع الواقع بين اثنين فيقول: " فصل النزاع قد يكون بوجهين:
أحدهما: فهي كل منهما عن منازعة الآخر بهذا، إذ هو نزاع فيما لا فائدة فيه، كما لو تنازع اثنان في لون كلب أصحاب الكهف، ومقدار السفينة، والبعض البقرة الذي أمر الله بالضرب فيه إن قدر أنه كان معينا- مع أن ظاهر القرآن يدل على أنه مطلق لا معين- وفي أمثال ذلك من الأمور التي لا فائدة فيها، وقد لا يكون إلى معرفتها سبيل- فمثل هذا ينهى كل منهم عن منازعة الآخر، بل ينهى عن أن يقول ما لا يعلم.
والثاني: أن يفصل النزاع ببيان الخطأ من الصواب " (١) .
٥- تقعيده في الرد على الخصوم:
احتج بعض النصارى بالقرآن على معتقداتهم الباطلة وذلك بما يزعمون أنه دليل لهم ولا دليل فيه، أما النصوص التى تبين كفرهم وتبين عبودية المسيح ﵇ فلم يحتجوا بها، بل قالوا: إن القرآن يناقض بعضه بعضا، فرد عليهم ابن تيمية في قولهم: إن القرآن يناقض بعضه بعضا قائلا: " إن هذا أيضا إن كان حقا فإنه يقدح في رسالته أأي رسالة محمد - ﷺ - فإن الرسول لا يناقض بعض خبره بعضا، ومن كان كذلك لم يصح لكم أن تحتجوا بشيء مما جاء به، وإن كان باطلا لم يرد عليه، فعلم أن استدلالهم بما في هذا الكتاب على صحة دينهم الذي خالفوا به هذا الكتاب في غاية الفساد، وهو جمع بين النقيضين،
_________________
(١) درء التعارض (١٠/٣١٣-٣١٤) .
[ ٢٣٥ ]
واستدلال بما في الكتاب على ما يوجب بطلان الاستدلال بشيء مما في الكتاب " (١)، وقال في موضع آخر في الرد على النصارى: " والمقصود هنا: أنهم سواء صدقوا محمدا أو كذبوه فإنه يلزم بطلان دينهم على التقديرين فإنه إن كان نبيا صادقا فقد بلغ عن الله في هذا الكتاب كفر النصارى في غير موضع ودعاهم إلى الإيمان به، وأمر بجهادهم، فمن علم أنه نبى ولو إلى طائفة معينة، فيجب تصديقة في كل ما أخبر بهـ وقد أخبر بكفر النصارى وضلالهم- وإن كذبوا محمدا تكذيبا عاما وقالوا: ليمر هو نبى أصلا، ولا أرسل إلى أحد، لا إلى العرب ولا إلى غيرهم، بل كان من الكذابين كما امتنع مع هذا أن يصدقوا بنبوة غيره فإن الطريق الذي يعلم به نبوة موسى وعيسى يعلم به نبوة محمد بطريق الأولى " (٢) .
وبمثل هذه المناقشات والمقدمات يفتح آفاقا في مناهج مناقشة النصارى ومجادلتهم.
أقسام العلماء وأنواعهم في مدى معرفتهم بالمعقول والمنقول:
كثيرا ما يردد شيخ الإسلام ابن تيمية في ردوده على أهل الكلام والنفاة أن اكثرهم قليل المعرفة بما جاء به الرسول - ﷺ - والسلف!، وقد أورد اعتراضا على قوله هذا ثم أجاب عنه. فقال: " فإن قيل: قلت: إن اكثر أئمة النفاة من الجهمية والمعتزلة كانوا قليلي المعرفة بما جاء عن الرسول وأقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين، وما بلغوه عن الرسول، ففي النفاة كثير ممن له معرفة بذلك. قيل: هؤلاء أنواع:
نوع ليس لهم خبرة بالعقليات، بل هم يأخذون ما قاله النفاة عن الحكم والدليل ويعتقدونها براهين قطعية، وليس لهم قوة على الاستقلال بها، بل هم في الحقيقة مقلدون فيها، وقد اعتقد أقوال أولئك، فجميع ما يسمعونه من القرآن
_________________
(١) الجواب الصحيح (٢/٢٦٣-٢٦٤) ط المدني.
(٢) الجواب الصحيح (١/١٧٤- هـ ١٧) .
[ ٢٣٦ ]
والحديث وأقوال السلف لا يحملونه على ما يخالف ذلك، بل إما أن يظنوه موافقا لهم وإما أن يعرضوا عنه مفوضين لمعناه، وهذه حال مثل أبي حاتم البستى (١) وأبي سعد السمان المعتزلي (٢)، ومثل أبى ذر الهروي (٣)، وأبي بكر البيهقى (٤)، والقاضى عياض (٥)
وأبي الفرج بن الجوزي (٦)، وأبي الحسن على بن المفضل المقدسى (٧) وأمثا لهم.
والثاني: من يسلك في العقليات مسلك الاجتهاد ويغلط فيها كما غلط غيره فيشارك الجهمية في بعض أصولهم الفاسدة، مع أنه لا يكون له من الخبرة
_________________
(١) هو: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ التميمي البستي، صاحب الثقات وصحيح ابن حبان، ولد سنة بضع وسبعين ومئتين، وتوفي سنة ٣٥٤ هـ، وجهت له تهمة في دينه، لكن دافع عنه الذهبى، وقال فيه " وإن كان في تقاسيمه صحيح ابن حبان " من الأقوال والتأويلات البعيدة والأحاديث المنكرة عجائب، سير أعلام النبلاء (١٦/٩٧)، وانظر أيضا تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٢٠)، والوافي (٢/٣١٧)،ولسان الميزان (٥/ ١١٢)
(٢) إسماعيل بن علي بن الحسين الرازى، قال عنه الذهبى: الحافظ المتقن، وأنكر عليه بدعة الاعتزال، توفي سنة ٤٤٥ هـ، تذكرة الحفاظ (٣/ ١١٢١)، والأنساب (٧/١٣٠)، وذكر أن بدعته نفى القدر، والجواهر المضية (١/٤٢٤)، والبداية والنهاية (١٢/٦٥) .
(٣) عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، الأنصارى الخراساني الهروى المالكي من تلاميذ الباقلاني وأخذ عنه المذهب الأشعري ونشره في الحرم، ولد سنة ٣٥٥- أو ٣٥٦ هـ، وتوفي سنة ٤٣٤- أو ٤٣٥ هـ، انظر: ترتيب المدارك (٧/٢٢٩)، والمنتظم (٨/١١٥)، والعقد الثمين (٥/٥٣٩)، وسير أعلام النبلاء (١٧/٥٥٤) .
(٤) ستأتي ترجمته إن شاء الله في الفصل الخامس.
(٥) هو: عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبى الأندلسى، السبتى المالكى، ولد سنة ٤٧٦ هـ، وتوفي سنة ٥٤٤ هـ، انظر: الصلة (٢/٤٥٣)، والاحاطة (٤/٢٢٢)، وبغية الملتمس (ص: ٤٣٧)، والتكملة لابن الأبار (ص: ٦ ٣٠)، وأزهار الرياض، وسير أعلام النبلاء (٢٠/٢١٢) ..
(٦) عبد الرحمن بن علي بن محمد بن على، القرشي البكرى البغدادى الحنبلى، ولد سنة ٥٠٩-أو ٠ ٥١ هـ، وتوفي سنة ٥٩٧ هـ، انظر: التكملة للمنذرى (١/٣٩٤)، وسير أعلام النبلاء (٢١/٣٦٥)، وذيل طبقات الحنابلة (١/٣٩٩) .
(٧) هو: أبو الحسن على بن المفضل بن على بن مفرج بن حاتم، شرف الدين المقدسى، ولد سنة ٥٤٤ هـ، وتوفي سنة ٦١١ هـ، انظر: التكملة للمنذرى (٢/٣٠٦)، وسير أعلام النبلاء (٢٢/٦٦)، والتاج المكلل (ص: ٨٢) - هندية-.
[ ٢٣٧ ]
بكلام السلف والأئمة في هذا الباب ما كان لأئمة السنة، وإن كان يعرف متون الصحيحين وغيرهما، وهذه حال أبي محمد بن حزم (١)، وأيى الوليد الباجي (٢)، والقاضي أبى بكر بن العريى (٣)، وأمثالهم، ومن هذا النوع بشر المريسى (٤)، ومحمد بن شجاع الثلجى (٥) وأمثالهما.
ونوع ثالث: حمعوا الأحاديث والآثار، وعظموا مذهب السلف، وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة (٦) والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض، وهذه حال أو بكر بن فورك (٧)، والقاضي أبي يعلى (٨)، وابن عقيل وغيرهم، (٩)
_________________
(١) الامام المشهور علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبى اليزيدي، ولد سنة ٣٨٤ هـ، وتوفي سنة ٤٥٦ هـ، انظر: الذخيرة (ق ام اص: ٦٧ ١)، والاحاطة (١/٤ ١ ١)، وسير أعلام النبلاء (١٨/١٨٤)، وانظر رأي الذهبى في ابن حزم فهو مهم (ص: ١ ٠ ٢-٢٠٢)، ولسان الميزان (٤/١٩٨) .
(٢) هو: سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب التجيبى الأندلسى القرطبى الباجي، ولد سنة ٤٠٣ هـ، وتوفي سنة ٤٧٤ هـ، انظر: ترتيب المدارك (٨/١١٧)، ووفيات الأعيان (٢/٤٠٨)، والدبياج المذهب (١/٣٧٧)، وسير أعلام النبلاء (١٨/٥٣٥) .
(٣) محمد بن عبد الله بن عبد الله ابن العربي الأندلسى الأشبيلى المالكى، ولد سنة ٤٦٨ هـ، وتتلمذ على الغزالي، وأبو بكر الشاشى، وهو صاحب عارضة الأحوذى وأحكام القرآن، والعواصم من القواصم، توفي سنة ٥٤٣ هـ، انظر: بغية الملتمس (ص: ٩٢)، ونفح الطيب (٢/٢٥)، والمغرب في حلى المغرب (١/٢٥٤)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/١٩٧) .
(٤) بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسى، توفي سنة ٢١٨ هـ وقيل ٢١٩ هـ، انظر تاريخ بغداد (٧/٥٦)، ووفيات الأعيان (١/٢٧٧)، وميزان الاعتدال (١/٣٢٢)، ولسان الميزان (٢/٢٩) .
(٥) هو: محمد بن شجاع، أبو عبد الله البغدادى الحنفي المعروف بابن الثلجي، قال عنه ابن عدى: كان يضع الأحاديث في التشبيه، ومنها حديث: عرق الخيل، توفي سنة ٢٦٦ هـ، انظر الكامل لابن عدي (٦/٢٢٩٢)، وتاريخ بغداد (٥/٣٥٠)، وسير أعلام النبلاء (١٢/٣٧٩)، وميزان الاعتدال (٣/٥٧٧)، وتهذيب التهذيب (٩/٢٢٠) .
(٦) كذا ولعل فيها سقط كلمة " بالسنة " أو نحوها.
(٧) ستأتي ترجمته إن شاء الله في الفصل الخامس.
(٨) محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادى، الحنبلى، الفراء ولد سنة ٣٨٠ هـ وتوفي سنة ٤٥٨ هـ، انظر تاريخ بغداد (٢/٢٥٦)، وطبقات الحنابلة (١٢/٩٣)، والوافي (٣/٧)، وسير أعلام النبلاء (١٨/٨٩) .
(٩) على بن عقيل بن محمد بن عقيل الحنبلي، العالم المشهور، ولد سنة ٤٣١ هـ،=
[ ٢٣٨ ]
ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل؟ فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار (١)، وتارة يفوضون معانيها ويقولون تجرى على ظاهرها كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك، وتارة يختلف اجتهادهم فيرجحون هذا تارة وهذا تارة كحال ابن عقيل وأمثاله.
وهؤلاء قد يدخلون في الأحاديث المشكلة ما هو كذب موضوع ولا يعرفون أنه موضوع، وما له لفظ يدفع الاشكال مثل أن يكون رؤيا منام فيظنونه كان في اليقظة ليلة المعراج.
ومن الناس من له خبرة بالعقليات المأخوذة من الجهمية وغيرهم وقد شاركهم في بعض أصولها، ورأى ما في قولهم من مخالفة الأمور المشهورة عند أهل السنة، كمسألة القرآن والرؤية فإنه قد اشتهر عند العامة والخاصة أن مذهب السلف وأهل السنة والحديث أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة، فأراد هؤلاء أن يجمعوا بين نصر ما اشتهر عند أهل السنة والحديث، وبين موافقة الجهمية في تلك الأصول العقلية التي ظنها صحيحة، ولم يكن لهم من الخبرة المفصلة بالقرآن ومعانيه والحديث وأقوال الصحابة ما لأئمة السنة والحديث، فذهب مذهبا مركبا من هذا وهذا وكلا الطائفتين ينسبه إلى التناقض، وهذه طريقة الأشعري وأئمة أتباعه كالقاضي أبى بكر (٢)، وأبي إسحاق الاسفراييني (٣) وأمثالهما، ولهذا تجد أفضل هؤلاء كالأشعري يذكر مذهب
_________________
(١) = وتوفي سنة ٥١٣ هـ، انظر: ذيل طبقات الحنابلة (١/١٤٢)، والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد (ص: ١٩٢)، وسير أعلام النبلاء (١٩/٤٤٣)، وانظر كلام الذهبي عنه مع تعليقات المحققين.
(٢) له كتاب! مشكل الحديث وبيانها وفيه ردود على ابن خزيمة في كتابه " التوحيد".
(٣) الباقلاني، وستأتي ترجمته إن شاء الله.
(٤) هو: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ابن مهران، الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني روى عنه البيهقي والقشيرى كان من معاصري الباقلاني وابن فورك، توفي سنة ٤١٨ هـ، انظر: طبقات السبكي (٤/٢٥٦)، وتبيين كذب المفترى (ص: ٢٤٣)، وسير أعلام النبلاء (١٧/٣٥٣) .
[ ٢٣٩ ]
أهل السنة والحديث على وجه الإجمال ويحكيه بحسب ما يظنه لازما، ويقول: إنه يقول بكل ما قالوه، وإذا ذكر مقالات أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم حكاها حكاية خبير بها عالم بتفاصيلها، وهؤلاء كلامهم نافع في معرفة تناقض المعتزلة وغرهم، ومعرفة فساد أقوالهم، وأما في معرفة ما جاء به الرسول، وما كان عليه الصحابة والتابعون فمعرفتهم بذلك قاصرة.
وإلا فمن (١) كان عالما بالآثار، وما جاء عن الرسول وعن الصحابة والتابعين من غير حسن ظن بما يناقض ذلك لم يدخل مع هؤلاء. إما لأنه علم من حيث الجملة أن أهل البدع الخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعا، وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال، كأكثر أهل الحديث. أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك وتناقضها كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم كمالك [عدد جمهرة من أئمة أهل السنة ثم قال،: ومن لا يحصى عدده إلا الله من أئمة الإسلام وورثة الأنبياء وخلفاء الرسل، فهؤلاء كلهم متفقون على نقيض قول النفاة، كا تواترت الآثار عنهم وعن غيرهم من أئمة السلف بذلك، من غير خلاف بينهم في ذلك" (٢) .
إن هذا التقسيم المبني على الاستقراء الجيد لأقوال وكتب هؤلاء يجيب عن كثير من الأسئلة التي ترد في نفس المسلم- المتمسك بمذهب السلف- وفي قوله، ومن أهمها: كيف وقع هؤلاء العلماء في حبائل علم الكلام ومسائله وقالوا بها؟ وكيف يجمع بين اهتمامهم بالسنة وروايتها، وبين اعتقادهم لأقوال أهل البدع وكثير منها حرب على السنة وما جاء فيها؟. ثم لماذا يتردد بعض هؤلاء في هذه المسائل فتارة يرجحون مذهب السلف، وتارة يميلون إلى أقوال أخرى مخالفة له؟. هذه الأسئلة وغيرها يتضح الجواب عنها من خلال حكم ابن تيمية على هؤلاء العلماء والمعرفة بأحوالهم والاعتراف لهم بما عندهم من العلم والنية الصادقة، " ومن المعلوم- بعد كمال النظر واستيفائهـ أن كل من كان
_________________
(١) هذا قسم أهل السنة.
(٢) درء التعارض (٢/٣٢-٣٧) .
[ ٢٤٠ ]
إلى السنة وإلى طريقة الأنبياء أقرب- كان كلامه في الإلهيات بالطرق العقلية أصح كما أن كلامه بالطرق النقلية أصح، لأن دلائل الحق وبراهينه تتعاون وتتعاضد، لا تتناقض وتتعارض " (١) .
وإذا كان هذا تقسيما للعلماء فإن ابن تيمية أحيانا ينظر نظرة فاحصة إلى الكتب بفنونها- من غير نظر إلى مؤلفيها فيقول: " والمقصود هنا أن يعلم أنه لم يزل في أمة محمد - ﷺ - من يأمر بالمعروف وينس عن المنكر، وأن أمته لا تبقى على ضلالة، بل إذا وقع منكر من لبس حق بباطل أو غير ذلك فلابد أن يقيم الله تعالى من يميز ذلك فلابد من بيان ذلك ولابد من إعطاء الناس حقوقهم، كا قالت عائشة﵂- أمرنا رسول الله - ﷺ - أن ننزل الناس منازلهم، رواه أبو داود وغيره (٢) .
وهذا الموضع لا يحتمل من السعة
_________________
(١) درء التعارض (٦/٢٤٨) .
(٢) هذا الحديث ذكره مسلم في مقدمة صحيحهـ بلا إسناد- فقال: " وذكر عن عائشة (ص: ٦)، ورواه غيره مسندا: فرواه أبو داود، كتاب الأدب، باب تنزيل الناس منازلهم ورقمه (٤٨٤٢)، سنن أبي داود (٥/١٧٣) ط الدعاس، كمارواه البخاري في كتاب " الآداب (ص: ١٩٣-١٩٤)، وأبو نعيم في الحلية (٤/٣٧٩)، وأبو يعلى الموصلى في مسنده رقم (٤٨٢٦، ٨/٢٤٦)، كما رواه ابن خزيمة، والبزار والعسكرى في الأمثال وغيرهم كما أشار إلى ذلك السخاوى في المقاصد الحسنة، رقم (١٧٩) "أمرنا" والزييدي في إتحاف السادة (١/٣٤٢)، كما رواه الخرائطي بلفظ آخر عن معاذ في مكارم الأخلاق (ص: ٨) ط السلفية، وقد اختلف العلماء في حكمهم عليه. أ- فضعفه أبو داود حيث قال في هذا الحديث " ميمون لم يدرك عائشة"، كما ضعفه المنذري في مختصر سنن أبي داود (٧/١٩٠) رقم (٤٦٧٥)، حيث قال بعد نقل كلام أبي داود " وقيل لأبي حاتم الرازى ميمون بن أبي شبيب عن عائشة متصل قالا: لا،؟ ضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم (١٣٤٢)، ورقم (١٣٤٤) . ومحقق مسند أبي يعلى، والمناوى في فيض القدير (٣/٥٧-٥٨) حيث تعقب السيوطي في تصحيحه له. ب- أما الذين صححوه أو حسنوه: فالحاكم في معرفة علوم الحديث (ص: ٦٢)، قال " فقد صحت الرواية عن عائشة !، كما صححه ابن الصلاح في صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط (ص: ٨٣-٨٤) فقال: " وأما قول مسلم في خطبة كتابه " وقد ذكر عن عائشة فهذا بالنظر إلى أن لفظه ليس لفظا جازما بذلك عن عائشة غير مقتض كونه مما حكم بصحته،=
[ ٢٤١ ]
وكلام الناس في مثل هذه الأمور التي وقعت ممن وقعت منه، بل المقصود التنبيه على حمل ذلك لأن هذا محتاج إليه في هذه الأوقات: فكتب الزهد والتصوف فيها من جنس ما في كتب الفقه والرأي وفي كليهما منقولات صحيحة وضعيفة بل وموضوعة ومقالات صحيحة وضعيفة بل وباطلة، وأما كتب الكلام ففيها من الباطل أعظم من ذلك بكثير، بل فيها أنواع من الزندقة والنفاق، وأما كتب الفلسفة فالباطل غالب عليها، بل الكفر الصرج كثير فيها " (١) .
تلك مقدمات يحرص ابن تيمية على ذكرها في مجال ردوده ورسائله وهي قضايا من منهجهـ ﵀.