لما كانت هذه المسألة من أعظم المسائل التي خاض فيها الناس واضطربت فيها أقوالهم، خاصة وأنها تتعلق بالله تعالى وما ينبغي له من صفات الكمال
_________________
(١) الجواب الصحيح (١/٨٠٦)، وانظر: أيضًا (١/٢٣٠-٢٣٥)، وأيضًا (١/٢٩٢-٢٩٣)، وأيضًا (٢/٥٢-٥٣) .
(٢) انظر: منهاج السنة (٣/٤٤)، وانظر في بيان وسطية أهل السنة: الواسطية- مجموع الفتاوى (٣/١٤١)، والوصية الكبرى-مجموع الفتاوى (٣/٣٧٣-٣٧٥) .
(٣) الإيمان (ص:١) .
[ ٢٧٢ ]
وما ينبغي أن ينزه عنه من صفات النقص، فقد حرص شيخ الإسلام ابن تيمية من خلال مناقشاته أن يؤصل أصولًا ينطلق منها المسلم في بحث هذا الموضوع الخطير، لأن الخطأ والزلل فيه ليس كغيره من المسائل، وكان يركز في دروسه على مثل هذه الأصول حتى أن بعض تلاميذه طلبوا منه أن يكتب لهم هذه القواعد لشعورهم بأهميتها وحاجاتهم إليها، فكتب الرسالة التدمرية، التي تعتبر خلاصة متينة وقوية لما قرره ابن تيمية في كتبه المطولة الأخرى: ويمكن أن نلخص منهجه في هذا الباب بما يلي:
١- إن الأصل في باب الأسماء والصفات أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله - ﷺ -، ومعناه أن يقتصر على ما جاء به الكتاب والسنة فهما المصدران الأساسان في هذا الأمر المتعلق بذات الله تعالى وما له من صفات الجلال والكمال، يقول شيخ الإسلام:" وأصل دين المسلمين أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه في كتبه وبما وصفه به رسله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكيف ولا تمثيل، بل يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، ويتبعون في ذلك أقوال رسله، ويجتنبون ما خالف أقوال الرسل كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات:١٨٠] أي عما يصفه الكفار المخالفون للرسل ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٨١] لسلامة ما قالوه من النقص والعيب ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٢]، فالرسل وصفوا الله بصفات الكمال، ونزهوه عن النقائص المناقضة للكمال، ونزهوه عن أن يكون له مثل في شيء من صفات الكمال، وأثبتوا له صفات الكمال على وجه التفصيل، ونفوا عنه التمثيل" (١) .
والسلف - رحمهم الله تعالى - ساروا على هذا الأصل، فجاء مذهبهم في الأسماء والصفات مبنيًا على إثبات ما أثبته الله ورسوله، ونفي ما نفاه الله ورسوله، ويركز شيخ الإسلام كثيرًا على منهجهم هذا، ولذلك ذكر منهجه
_________________
(١) الجواب الصحيح (٣/١٣٩-١٤٠) .
[ ٢٧٣ ]
في نقل كلامهم وطبقه في كتبه، يقول:" فإنا لما أردنا أن نبين مذهب السلف ذكرنا طريقين:
أحدهما: أنا ذكرنا ما تيسر من ذكر ألفاظهم، ومن روي ذلك من أهل العلم بالأسانيد المعتبرة.
والثاني: أنا ذكرنا من نقل مذهب السلف من جميع طوائف المسلمين من طوائف المسلمين من طوائف الفقهاء الأربعة، ومن أهل الحديث، والتصوف وأهل الكلام كالأشعري وغيره.
فصار مذهب السلف منقولًا بإجماع الطوائف وبالتواتر، لم نثبته بمجرد دعوى الإصابة لنا والخطأ لمخالفنا كما يفعل أهل البدع (١)، ويقول عن السلف: " فقولهم في الصفات مبني على أصلين:
أحدهما: أن الله تعالى منزه عن صفات النقص مطلقًا كالسنة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.
والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات" (٢)، بل إن شيخ الإسلام استقصى أقوال السلف فلم يجد ما يخالف ما ذكره عنهم يقول" والله تعالى يعلم أني قد بالغت في البحث عن مذاهب السلف فما علمت أحدًا منهم خالف ذلك" (٣)، ومواضع نقله لمذهب السلف إجمالًا أو تفصيلًا منتشر في كتبه ورسائله ﵀ (٤) .
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/١٥٢)، والمتتبع لكتب ابن تيمية كالحموية، ودرء تعارض العقل والنقل، وغيرهما يرى تطبيقه امنهجه هذا واضحًا.
(٢) منهاج السنة: تحقيق - رشاد سالم - (٢/٤٢٧) .
(٣) التسعيني (ص:١٢٦) .
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٥١٥، ٤/٢-٨، ٣/٣-٤)،" التدمرية" أيضًا (١١/٤٧٩-٤٨٠)، الحموية مجموع الفتاوى (٥/٢٦-٢٧،٤٥)، الواسطية، مجموع الفتاوى (٣/١٢٩-١٣٠)، ومجموع الفتاوى (٥/١٩٥،٢٦٣، ١٢/٥٧٤-٥٧٥)، ومنهاج السنة: المحققة (٢/٨٠)، ونقض المنطق (ص:٢-٧)، وشرح الأصفهانية (ص:٩) وغيرها.
[ ٢٧٤ ]
٢- إن الرسل جاءوا بإثبات مفصل ونفي مجمل، فأثبتوا لله صفات الكمال على وجه التفصيل، ونفوا عنه صفات النقص على وجه الإجمال، على الضد من أهل البدع، وقد أوضح ابن تيمية هذه المسألة - في مناسبات عديدة - يقول -﵀- "والرسل عليهم صلوات الله جاءوا بإثبات مفصل ونفي مجمل، وهؤلاء ناقضوهم جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، بأن الرسل أخبرت كما أخبر الله في كتابه الذي بعث به رسوله أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه حكيم عزيز، غفور ودود، وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأنه كلم موسى تكليمًا، وتجلى للجبل فجعله دكا، وأنه أنزل على عبده الكتاب، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته، وقال في النفي والتنزيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]،
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وهؤلاء الملاحدة جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، فقالوا في النفي: ليس بكذا ولا كذا ولا كذا فلا يقرب من شيء، ولا يقرب منه شيء، ولا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به، ولا له حياة، ولا علم ولا قدرة، ولا غير ذلك، ولا يشار إليه ولا يتعين ولا هو مباين للعالم ولا حال فيه، ولا داخله ولا خارجه، إلى أمثال العبارات السلبية التي لا تنطبق إلا على المعدوم، ثم قالوا في الإثبات: هو وجود مطلق، أو وجود مقيد بالأمور السلبية، وقالوا: لا تقول موجود ولا معدوم " (١) . ويقول:" مما يبين أن طريقة أتباع الأنبياء من أهل السنة هي الموصلة إلى الحق دون طريقة من خالفهم من الفلاسفة والمتكلمين: إن المقصود هو العلم، وطريقه هو الدليل، والأنبياء جاءوا بالإثبات المفصل والنفي المجمل، كإثبات الصفات لله مفصلة ونفي الكفؤ عنه، والفلاسفة يجيئون بالنفي المفصل: ليس بكذا ولا كذا، فإذا جاء الإثبات أثبتوا وجودًا مجملًا واضطربوا في أول مقامات ثبوته " (٢) . وهذه هي القاعدة العامة الغالبة، وإلا فقد يرد في النصوص الإثبات المجمل والنفي المفصل، كنفي الصاحبة والولد - كما سيأتي في الفقرة التالية.
_________________
(١) الصفدية (١/١١٦-١١٧) .
(٢) مجموع الفتاوى (٦/٦٦)، وانظر (ص٣٦-٣٧، ٦٦-٦٧،١١٥)، وانظر: التدمرية =
[ ٢٧٥ ]
٣- إن النفي الذي وصف الله تعالى به، هو ما تضمن إثبات كمال الله تعالى، وهو النفي غير المحض، أما النفي المحض - الذي لا يتضمن إثباتًا - فلم يوصف الله تعالى به، يقول شيخ الإسلام في معرض رده على نفاة الرؤية في احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]:" ومما يبين ذلك أن الله تعالى ذكر هذه الآية يمدح بها نفسه ﷾، ومعلوم أن كون الشيء لا يرى ليس صفة مدح، لأن النفي المحض لا يكون مدحًا إن لم يتضمن أمرًا ثبوتيًا، لأن المعدوم أيضًا لا يرى، والمعدوم لا يمدح، فعلم أن مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه، وهذا أصل مستمر، وهو أن العدم المحض الذي لا يتضمن ثبوتًا لا مدح فيه ولا كمال، فلا يمدح الرب نفسه به، ولا يصف نفسه به، وإنما يصفها بالنفي المتضمن معنى ثبوت كقوله ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ وقوله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ وقوله ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ وقوله ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقوله ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْض﴾ [سبأ:٣] وقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [قّ:٣٨] ونحو ذلك من القضايا السلبية التي يصف الرب تعالى بها نفسه، وأنها تتضمن اتصافه بصفات الكمال الثبوتية، مثل كمال حياته وقيوميته، وملكه وقدرته وعلمه وهدايته، وانفراده بالربوبية والإلهية ونحو ذلك، وكل ما يوصف به العدم المحض فلا يكون إلا عدمًا محضًا، ومعلوم أن العدم المحض يقال فيه: إنه لا يرى، فعلم أن نفي الرؤية عدم محض، ولا يقال في العدم المحض: لا يدرك، وإنما يقال هذا فيما لا يدرك لعظمته لا لعدمه" (١)،
ويقول في الرد على النفاة القائلين برفع النقيضين، الذين يقولون لا داخل العالم ولا خارجه ونحو ذلك: " ومما يبين هذا أن الصفات السلبية ليس فيها بنفسها مدح، ولا توجب كمالًا
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/٣٥)، وأيضًا (٢٠/١١١-١١٢)، والنبوات (ص٢٢٥)، ودرء التعارض (٥/١٦٣-١٦٤، ٦/٣٤٨)، والتسعينية (ص١٣)، واقتضاء الصراط المستقيم (٢/٨٥٣)، ونقض أساس التقديس المخطوط (١/١٢١-١٢٢) .
(٢) منهاج السنة: المحققة (٢/٢٤٤-٢٤٥) .
[ ٢٧٦ ]
للموصوف، إلا أن تضمن أمرًا وجوديًا كوصفه سبحانه بإنه لا تأخذه سنة ولا نوم، فإنه يتضمن كمال حياته وقيوميته، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [قّ:٣٨] متضمن كمال قدرته، وقوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْض﴾ [سبأ:٣] يقتضي كمال علمه، وكذلك قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] يقتضي عظمته بحيث لا تحيط به الأبصار، وكذلك نفي المثل والكفؤ عنه يقتضي أن كل ما سواه فإنه عبد مملوك لهن وذلك يقتضي من كماله مالا يحصل إذا كان له نظير مستغن عنه مشارك له في الصنع، فإن ذلك نقص في الصانع، فأما العدم المحض، والنفي الصرف، مثل كونه لا يمكن رؤيته بحال، وكونه لا مباينًا للعالم ولا مداخلًا له، فإن هذا أمر يوصف به المعدوم، والمعدوم المحض لا يتصف بصفة كمال ولا مدح ولهذا كان تنزيه الله تعالى بقوله" سبحان الله" يتضمن مع نفي صفات النقص عنه إثبات ما يلزم ذلك من عظمته، فكان التسبيح تعظيم له مع تبرئته من السوء" (١) ويوضح هذا في التدمرية في القاعدة الأولى فيقول:" وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال، إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا ككمال، لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال [ثم ذكر أمثلة، ثم قال:]
فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودا، بل ولا موجودا، وكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا: إنه لا يتكلم، أو لا يرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايث له؛ إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليست مستلزمة صفة الثبوت" (٢) .
_________________
(١) درء التعارض (٦/١٧٦-١٧٧) .
(٢) التدمرية: تحقيق السعوي (ص٥٧-٦٠)
[ ٢٧٧ ]
وهكذا يتضح الفرق بين منهج أهل البدع في النفي الذي يصفون الله به، وبين منهج القرآن في النفي، فنفي أهل البدع يتضمن نقصًا لأنهم يسلبون عنه صفات المدح والوجود، والنفي الوارد إنما يتضمن إثبات كمال ضد المنفي وهو صفات الكمال لله تعالى (١) .
٤- إن ما لم يرد في النصوص إثباته ولا نفيه فيجب التوقف فيه، والاستفصال عنه، وعن معناه، فإن كان المراد به حقًا موافقًا للنصوص ولا يعارضها قبل، وإلا رد، يقول شيخ الإسلام:" كل لفظ أحدثه الناس فأثبته قوم ونفاه آخرون فليس علينا أن نطلق إثباته ولا نفيه حتى نفهم مراد المتكلم، فإن كان مراده حقًا موافقًا لما جاءت به الرسل والكتاب والسنة من نفي أو إثبات قلنا به، وإن كان باطلًا مخالفًا لما جاء به الكتاب والسنة من نفي أو إثبات منعنا القول به" (٢)، ويقسم الألفاظ - إلى نوعين فيقول:" ومن الأصول الكلية أن يعلم أن الألفاظ نوعان: نوع جاء به الكتاب والسنة، فيجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك، فيثبت ما أثبته الله ورسوله، وينفي ما نفاه الله ورسوله، فاللفظ الذي أثبته الله أو نفاه حق، فإن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والألفاظ الشرعية لها حرمة، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد رسوله بها ليثبت ما أثبته، وينفي ما نفاه من المعاني، فإنه يجب علينا أن نصدقه في كل ما أخبر، ونطيعه في كل ما أوجب وأمر، ثم إذا عرفنا تفصيل ذلك كان ذلك من زيادة العلم والإيمان وقد قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة، ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به،
_________________
(١) انظر: في هذه المسألة أيضًا: درء التعارض (١٠/٢٩١)، والجواب الصحيح (٢/١٠٥)، ونقض التأسيس المطبوع (٢/٩٧)، ومجموع الفتاوى (١٦/٩٩)، وجواب أهل العلم والإيمان، ومجموع الفتاوى (١٧/١٤٤) .
(٢) مجموع الفتاوى (٦/٣٦-٣٧) .
[ ٢٧٨ ]
وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره، ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه أو إجمال عبر بغيرها، أو بين مراده بها، بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرعي، فإن كثيرًا من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة" (١)، ويوضح في موضع آخر فيقول:" وبالجملة بمعلوم أن الألفاظ نوعان: نوع ورد في الكتاب والسنة أو الإجماع، فهذا اللفظ يجب القول بموجبه سواء فهمنا معناه أو لم نفهمه؛ لأن الرسول - ﷺ - لا يقول إلا حقًا والأمة لا تجتمع على ضلالة، والثاني: لفظ لم يرد به دليل شرعي، كهذه الألفاظ التي تنازع فيها أهل الكلام والفلسفة، هذا يقول: هو متحيز، وهذا يقول: ليس بمتحيز، وهذا يقول: هو في جهة، هذا يقول: ليس هو في جهة، وهذا يقول: هو جسم أو جوهر، وهذا يقول: ليس بجسم ولا جوهر، فهذه الألفاظ ليس على أحد أن يقول فيها بنفي ولا إثبات حتى يستفسر المتكلم بذلك، فإن بين أنه أثبت حقًا أثبته، وإن أثبت باطلًا رده، وإن نفى باطلا نفاه، وإن نفى حقا لم ينفع، وكثير من هؤلاء يجمعون في هذه الأسماء بين الحق والباطل في النفي والإثبات" (٢)،
والألفاظ المجملة كثيرة جدًا، منها لفظ" الحلول" (٣)، والتركيب (٤)، والافتقار (٥)،
_________________
(١) مسألة الأحرف، مجموع الفتاوى (١٢/١١٣-١١٤) .
(٢) في النصوص السابقة مثل ابن تيمية للألفاظ المجملة ب-" الجهة، والتحيز، والتجسيم"، وانظر: التدمرية (ص٦٥-٦٨) المحققة، ومجموع الفتاوى (٦/٣٨-٤٠، ٧/٦٦٣)، والجواب الصحيح (٣/٨٤) ..
(٣) أي ما يتوهم أن فيه حلولا مثل قول أبي بن كعب في قوله (مثل نوره) "النور٣٥" قال: مثل نوره في قلب المؤمن " تفسير الطبري" (١٨/١٣٦) حلبية، وحديث" اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " رواه الترمذي - في التفسير - سورة الحجر ورقمه (٣١٢٧)، وقال غريب، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، كما ضعفه محقق جامع الأصول (١/٢٠٦)، فالنصارى غلوا في " الحلول "، وقابلهم آخرون فأنكروا هذا الاسم بجميع ما فيه وكلا الأمرين باطل، انظر: الجواب الصحيح (١/٨٧،١١٧-١١٨)
(٤) لأن من شبه نفاة الصفات قولهم يلزم من إثباتها لله التركيب، انظر: الرد على المنطقيين (ص٢٢٢-٢٢٩) ونصوص ابن تيمية في ذلك كثيرة جدًا.
(٥) مثل قول النفاة: إن المركب مفتقر إلى أجزائه، وينفون الصفات لذلك، انظر: منهاج السنة - المحققة - (٢/٤٣٤-٤٣٥)، ونقض أساس التقديس المطبوع (٢/١٣٢) .
[ ٢٧٩ ]
و" المناسبة " (١)، و" الغير " (٢)، ولفظ" ذات" (٣)، و"الجزء" (٤)، وغيرها.
٥- عدم العلم بالكيفية والبعد عن التشبيه، فالصفات تثبت لله تعالى لورود النصوص بها، والله تعالى أراد أن يعرفنا بنفسه وبما له من صفات الجلال والكمال، فنحن نثبت ما ورد ونفهم المعاني، ولكن كيفية هذه الصفات لا يعلمها إلا الله تعالى، فلا يجوز أن نكيفها، كما أنه لا يجوز أن نشبهها بصفات أحد من الخلق، ولذلك يذكر شيخ الإسلام - وغيره من السلف - مع الإثبات ما يقيده أنه إثبات بلا تكييف ولا تمثيل، فكما أنه يجب الإثبات مع عدم التعطيل أو التأويل أو التحريف، فكذلك أيضًا لا يجوز أن يؤدي نفي هذه الأمور إلى الطرف المقابل من التكييف أو التمثيل، وهذا مبني على قاعدة وهي أنه كما أن لله ذاتًا لا تشبه ذوات المخلوقين فكذلك له صفات لا تشبه صفات المخلوقين، يقول شيخ الإسلام:" وحدث مع الجهمية قوم شبهوا الله تعالى بخلقه فجعلوا صفاته من جنس صفات المخلوقين، فأنكر السلف والأئمة على الجهمية المعطلة، وعلى المشبهة الممثلة" (٥)، وقد حرص السلف على البعد عن التشبيه كحرصهم على البعد عن التعطيل، والشيطان يأتي الإنسان من جهة التشبيه والتمثيل فإذا عجز عنه أتاه من جهة التعطيل، نقل شيخ الإسلام عن عمرو بن عثمان المكي (٦) أنه قال:
_________________
(١) قال نفاة صفة "المحبة" إنها مناسبة بين المحب والمحبوب، ومناسبة الرب للخلق نقص، انظر الرسالة الأكملية، مجموع الفتاوى (٦/٦٩،١١٤-١١٥) .
(٢) مثل مسألة: هل الاسم هو المسمى أو غيره؟، أو هل الكلام هو المتكلم أو غيره؟ أو هل الصفة هي الموصوف أو غيره؟ انظر: الجواب الصحيح (٢/١٥٤)، ومجموع الفتاوى (١٢/٥٦٠)، ونقض أساس التقديس المطبوع (٢/١٢٩-١٣٢) .
(٣) هل يطلق لفظ "ذات" على النفس، أم لم ترد إلا مضافة فيقال ذات علم وقدرة، ثم هل الذات تكون من غير أن تقوم بها صفات؟ انظر: الرسالة الأكملية، مجموع الفتاوى (٦/٩٨-٩٩)، وأيضًا (٦/٣٤١-٣٤٢)، ودرء التعارض (٤/١٤٠، ١٠/١٥٧) .
(٤) ومثله البعض، لأن نفاة الصفات يقولون: إن مثبتة الصفات التزموا القول بالأجزاء والأبعاض إذا أثبتوا اليدين والوجه والقدم وغيرها، انظر: نقض أساس التقديس المطبوع (١/٤٧، ٤٩-٥٢) .
(٥) مجموع الفتاوى (٦/٣٥) .
(٦) هو: عمرو بن عثمان بن كرب بن غصص أبو عبد الله المكي، أحد المشايخ الصوفية توفي سنة ٢٩٧هـ، وقيل غير ذلك، انظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٢٠٠)، وحلية الأولياء (١٠/٢٩١)، وتاريخ بغداد (١٢/٢٢٣)، والعقد الثمين (٦/٤١٠-٤١١) ترجم له مرتين.
[ ٢٨٠ ]
"اعلم رحمك الله أن كل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في معارضات قلبك من حسن أو بهاء أو ضياء أو إشراق أو جمال، أو شبح ماثل (١) أو شخص متمثل، فالله تعالى بغير ذلك، بل هو تعالى أعظم وأجل وأكبر، ألا تسمع لقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] أي لا شبيه ولا نظير ولا مساوي ولا مثل، أو لم تعلم أنه لما تجلى للجبل تدكدك لعظم هيبته، وشامخ سلطانه؟ كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك، فرد بما بين الله في كتابه من نفسه عن نفسه التشبيه والمثل والنظير والكفؤ، فإن اعتصمت بها وامتنعت منه [أي الشيطان] أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب تعالى وتقدس؛ في كتابه وسنة رسوله محمد - ﷺ - فقال لك: إذا كان موصوفًا بكذا أو وصفته أوجب له التشبيه فأكذبه لأنه اللعين غنما يريد أن يستزلك ويغويك ويدخلك في صفات الملحدين الزائفين الجاحدين لصفة الرب تعالى " (٢)، وعندما يذكر شيخ الإسلام جمل أقوال الطوائف في الصفات يذكر المشبهة مع المنحرفين يقول:" أما باب الصفات والتوحيد، فالنفي فيه في الجملة قول الفلاسفة والمعتزلة وغيرهم من الجهمية والإثبات في الجملة مذهب الصفاتية من الكلابية والأشعرية والكرامية وأهل الحديث وجمهور الصوفية والحنبلية والمالكية والشافعية إلا الشاذ منهم وكثير من الحنفية أو أكثرهم وهو قول السلفية (٣)،
لكن الزيادة في الإثبات إلى حد التشبيه هو قول الغالية من الرافضة، ومن جهال أهل الحديث وبعض المنحرفين، وبين نفي الجهمية وإثبات المشبهة مراتب" (٤) .
_________________
(١) في الأصل: أو سنح مسائل والتصويب من حلية الأولياء (١٠/٢٩١) .
(٢) مجموع الفتاوى (٥/٦٢-٦٣) وهذا النص نقله ابن تيمية من كتابه " التعرف بأحوال العباد والمتعبدين " وأورد مترجموه كلاما قريبا من هذا أجاب به سائلا، انظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٢٠٢) وتاريخ بغداد (١٢/٢٢٤) وحلية الأولياء (١٠/٢٩١) والعقد الثمين (٦/٤١٢) .
(٣) كذا ولعل الصواب " السالمية "..
(٤) مجموع الفتاوى (٦/٥١) .
[ ٢٨١ ]
٦- قاعدة "الكمال" أو ما يسميه أحيانا "قياس الأولى"، وقد شرح ذلك في مناسبات مختلفة، لكنه أفرد لذلك رسالة عظيمة نافعة، أجاب فيها على سؤال ورد عليه، وصيغة السؤال الطويل - الذي ورد في ثلاث صفحات - تدل على أن صاحبه من العلماء أو من طلبة العلم ممن ليس مبتدئا في هذا الشأن. وقد جاء جواب شيخ الإسلام واضحا ومقعدا، يقول -﵀-: الجواب عن هذا السؤال مبني على مقدمتين:
إحداهما: أن يعلم أن الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى، يستحقه بنفسه المقدسة، وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه، فثبوت الحياة يستلزم نفي الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز، وغن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية، مع دلالة السمع على ذلك، ودلالة القرآن على الأمور نوعان: أحدهما: خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به، والثاني: دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب، فهذه دلالة شرعية عقلية، فهي شرعية لأن الشرع دل عليها، وأرشدنا إليها، وعقلية: لأنها تعلم صحتها بالعقل، ولا يقال: إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر، وإذا أخبر الله بالشيء ودل عليه بالدلالات العقلية صار مدلولا عليه بخبره، ومدلولا عليه بدليله العقلي الذي يعلم به، فيصير ثابتا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى "الدلالة الشرعية"، وثبوت "معنى الكمال" قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة، دالة على معاني متضمنة لهذا المعنى، فما في القرآن من إثبات الحمد له، وتفصيل محامده، وإن له المثل الأعلى، وإثبات معاني أسمائه ونحو ذلك دال على هذا المعنى" (١)، ثم شرح ذلك وذكر الأدلة العقلية والشرعية عليه، فذكر لفظ "الكامل" وهل ورد - والخلاف حوله - وأدلة إثبات العقل للكمال لله من وجوه، والمثل الأعلى، وأدلة الشرع على ذلك، ودلالة إثبات أن الحمد لله "الحمد" وأنه "حميد مجيد" على ذلك (٢)، ثم قال:
_________________
(١) الرسالة الأكملية، مجموع الفتاوى (٦/٧١-٧٢) .
(٢) انظر نفس الرسالة (٦/٧٢-٨٤) .
[ ٢٨٢ ]
"أما المقدمة الثانية " فنقول: لابد من اعتبار أمرين:
أحدهما: أن يكون الكمال ممكن الوجود. الثاني: أن يكون سليما من النقص، فإن النقص ممتنع على الله (١) .ثم يجيب عن السؤال الذي يرد حول هذه القاعدة وهو: أن النقص والكمال من الأمور النسبية، فالأكل والشرب والنكاح كمال للمخلوق نقص للخالق والكبر والتعاظم والثناء على النفس نقص للمخلوق كمال للخالق، فيقول:" وأما الشرط الآخر وهو قولنا: الكمال الذي لا يتضمن نقصا - على التعبير بالعبارة السديدة - أو الكمال الذي لا يتضمن نقصا يمكن انتقاؤه - على عبارة من يجعل ما ليس بنقص نقصا -، فاحترز عما هو لبعض المخلوقات كمال دون بعض، وهو نقض بالإضافة إلى الخالق لاستلزامه نقصا، كالأكل والشرب مثلا، فإن الصحيح الذي يشتهي الأكل والشرب من الحيوان أكمل من المريض الذي لا يشتهي الأكل والشرب، لأن قوامه بالأكل والشرب، فإذا قدر غير قابل له كان ناقصا عن القابل لهذا الكمال، لكن هذا يستلزم حاجة الآكل والشارب إلى غيره، وهو ما يدخل فيه الطعام والشراب، وهو مستلزم الخروج شيء منه كالفضلات، وما لا يحتاج إلى دخول شيء فيه أكمل مما يحتاج إلى دخول شيء فيه، وما يتوقف كماله على غيره أنقص مما لا يحتاج في كماله إلى غيره، فإن الغني عن الشيء أعلى من الغني به، والغني بنفسه أكمل من الغني بغيره، ولهذا كان من الكمالات ما هو كمال للمخلوق وهو نقص بالنسبة إلى الخالق، وهو: كل ما كان مستلزما لامكان العدم عليه المنافي لوجوبه وقيوميته، أو مستلزما للحدوث المنافي لقدمه، أو مستلزما لفقره المنافي لغناه" (٢) .
٧- وهناك قواعد أخرى - في منهجه - نشير إليها هنا سترد إن شاء الله مفصلة في موقفه من الأشاعرة في الصفات. ومنها:
_________________
(١) الرسالة الأكملية، مجموع الفتاوى (٦/٨٥) .
(٢) انظر نفس الرسالة (٦/٨٧)
[ ٢٨٣ ]
أ - القول في الصفات كالقول في الذات.
ب- القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر.
ج- الاشتراك في الاسم والصفة بين الله وخلق لا يقتضي التماثل.
د- حجية خبر للآحاد.
هـ- إثبات السلف للصفات ليس تفويضا للمعنى. وغيرها.