من الصعب الإحاطة بتلاميذ ابن تيمية والمتأثرين به، لأن كتبه ومنهجه تحول إلى مدرسة كبرى لها تلاميذها الذين تحولوا إلى شيوخ كبار وهذه المدرسة قائمة إلى اليوم ومنتشرة في العالم الإسلامي والحمد لله، وستبقى إن شاء الله تعالى، لأنها تسير على وفق منهج السلف أهل السنة والجماعة، ومن ثم فهى لا تنتنسب إلى شخص أو طائفة، بل تحصر انتسابها في متابعة الكتاب والسنة والسير على طريق الرسول - ﷺ - والسلف الصالح، فليس لابن تيمية ولا لمن بعده إلا فضيلة تجديد ما اندرس أو نسى منها، وبذل الجهد في الدفاع عنها والدعوة إليها.
وشيخ الإسلام ابن تيمية كثرت في عصره الطوائف والفرق وصار لكل طائفة شيوخ وأتباع، ومنهج وكتب يتداولونها، فعظمت مصيبة الأمة الإسلامية بهذه الفرقة، خاصة وأن كل طائفة تدعي أنها على الحق، وكان من أعظم ما دخل على المسلمين- وخفي على كثير منهم- اختلاط الحق بالباطل، وامتزاج العقيدة السلفية بعلم الكلام والفلسفة، حتى وصل الأمر إلى أن قعدت قواعد وأصلت أصول كلامية ونسبت إلى مذهب أهل السنة والجماعة، فكان دور شيخ الإسلام دور المميز لمذهب ومنهج السلف، والمصفى له عن تلك الشوائب، مضيفا إلى ذلك نقد تلك الأصول الكلامية ونقض أسسها التي قامت عليها، فظهر- منهج السلف- واضحا بينا لمن أراده، وتبين أن غيره ما هى إلا أصول كلامية وقواعد فلسفية جاء بها أصحابها واستقوها بعيدا عن المنابع الصافية من الكتاب والسنة.
_________________
(١) المصدر السابق (ص: ٣٦٤) .
[ ١٩٧ ]
ولذلك نرى بعض العلماء يعيش في حيرة دهرا يقلب في كتب أهل الكلام، فلا يهتدي إلى الصواب فيها، فلما اطلع على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية تبين له الحق الذي كان يبحث عنه يقول أحدهم: " وكنت قبل وقوفي على مباحث إمام الدنيا﵀- قد طالعت مصنفات المتقدمين، ووقفت على مقالات المتأخرين من أهل الفلسفة ونظار أهل الإسلام، فرأيت نها الزخارف والأباطيل والشكوكات التي يأنف المسلم الضعيف في الإسلام أن يخطرها بباله فضلا عن القوى في الدين مكان يتعب قلبي ويحزننى ما يصير إليه الأعاظم من المقالات السخيفة والآراء الضعيفة التي لا يعتقد جوازها آحاد العامة، وكنت أفتش على السنة المحضة في مصنفات المتكلمين من أصحاب الإمام أحمد﵀- على الخصوص، لاشتهارهم بالتمسك بمنصوصات إمامهم في أصول العقائد، فلا أجد عندهم ما يكفى، وكنت أراهم يتناقضون إذ يؤصلون أصولا يلزم فيها ضد ما يعتقدونه، ويعتقدون خلاف مقتضى أدلتهم، وكنت ألتجي " إلى الله ﷾ وأتضرع إليه، وأهرب إلى ظواهر النصوص وألقى المعقولات المتباينة والتأويلات المصنوعة لنبو الفطرة عن قبولها، ثم قد تشبثت فطرتي بالحق الصريح في أمهات المسائل، غير متجاسرة على التصريح بالمجاهرة قولا وتصميما للعقد عليه، حيث لا أراه مأثورا عن الأئمة وقدماء السلف، إلى أن قدر الله تعالى وقوع مصنفى الشيخ إمام الدنيا﵀- في يدي قبيل واقعته الأخيرة بقليل، فوجدت ما بهرني، من موافقة فطرتي لما فيه، وعزو الحق إلى أئمة السنة وسلف الأمة، مع مطابقة المعقول والمنقول، فبهت لذلك، سرورا بالحق وفرحا بوجود الضالة التي ليس لفقدها عوض، فصارت محبة هذا الرجل﵀- محبة ضرورية، يقصر عن شرح أقلها العبارة ولو أطنبت، ولما عزمت على المهاجرة إلى لقيه، وصلني خبر اعتقاله، وأصابني لذلك المقيم المقعد " (١) وصمم على السفر إليه سنة ٧٢٨ هـ ولكن جاءه بخبر وفاته فحزن عليه حزنا عميقا (٢) .
_________________
(١) العقود الدرية (ص: ٥٠٣- ٥٠٥) ..وهذا الرجل اسمه عبد الله بن حامد من بغداد، وانظر: الأعلام العلية (ص: ٣٢)، والرد الوافر (ص: ١٩٦،٢١٦)، ففيهما شيء مشابه. وقد رجع بعض الصوفية، انظر: السبعينية (ص: ١٣٥)، والاستغاثة (٢/٢٧٦) .
(٢) انظر: العقود (ص: ٥٠٥) .
[ ١٩٨ ]
هذا نموذج لكيفية ونوعية التأثير في مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية، ونشير بإجمال إلى بعض تلاميذه والمتأثرين به، فمنهم:
١- ابن القيم، محمد بن أبي بكر، ت ٧٥١ هـ.
٢- الذهبي، محمد بن أحمد، ت ٧٤٨ هـ.
٣- المزممط، يوسف بن عبد الرحمن، ت ٧٤٢ هـ.
٤- ابن كثير، إسماعيل بن عمر، ت ٧٧٤ هـ.
٥- ابن عبد الهادى، محمد بن أحمد بن عبد الهادى بن قدامة. ولد سنة ٧٠٤ هـ وتوفي سنة ٧٤٤ هـ (١) .
٦- البزار، عمر بن علي، ٦٨٨- ٧٤٩ هـ (٢) .
٧- ابن قاضي الجبل، أحمد بن حسن بن عبد الله بن عمر بن قدامة، قاضي القضاة، ٦٩٣- ٧٧١هـ (٣) .
٨- ابن فضل الله العمرى، أحمد بن يحى بن فضل الله بن المحلى بن دعجان ٦٩٧- ٧٤٩ هـ (٤) .
٩- محمد بن المنجا بن عثمان التنوخي، ٦٧٥- ٧٢٤ هـ (٥) .
١٠- يوسف بن عبد المحمود بن عبد السلام البتي، توفي سنة ٧٢٦ هـ (٦) .
_________________
(١) انظر: تاريخ الصالحية (ص: ٤٣٢)، وذيل طبقات الحنابلة (٢/٤٣٦)، وذيل تذكرة الحفاظ للحسينى (ص: ٤٩)، والرد الوافر (ص: ٦٢) .
(٢) انظر: الدرر الكامنة (٣/٢٥٦)، وذ! ل ابن رجب (٢/٤٤٤) .
(٣) انظر: المنهل الصافي (١/ ٢٨٤)، والدرر الكامنة (١١/٢٩)، وشذرات الذب (٦/ ٩ ٢١) .
(٤) انظر: المنهل الصافي (٢/ ٢٦١) .
(٥) انظر: البداية والنهاية (١٤/٦ ١ ١)، وذيل ابن رجب (٢/٣٧٧) .
(٦) انظر: ذيل طبقات الحنابلة (٢/٣٧٩)، وهو من الذين انتصروا لابن تيمية من علماء بغداد في مسألة ضد الرحال، وناله بسبب ذلك سجن ومحنة، وانظر: العقود (ص: ٣٥٣)، والكواكب (ص:١٥٩) .
[ ١٩٩ ]
١١- ابن شيخ الحزاميين، أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي، ٦٥٧-٧١١ هـ (١) .
١٢- أبو العباس الزرعي، أحمد بن موسى، توفي سنة ٧٦١ هـ (٢) .
١٣- شمس الدين الأصبهاني محمود بن عبد الرحمن بن أحمد، توفي سنة ٧٤٩ هـ (٣) .
١٤- محمد بن أحمد أو نصر الدباهي، الزاهد، شمس الدين، ٦٣٦- ٧١١ هـ (٤) .
١٥ - محمد بن عمر بن عبد المحمود الحراني، ٦٧٧- ٧١٨ هـ (٥)
١٦ - ابن أبى النجيح: شرف الدين محمد بن سعد اللهـ ت ٧٢٣ هـ (٦)
١٧ - وأخوه: زين الدين عمر بن سعد اللهـ ت ٧٤٩ هـ (٧) .
١٨ - محمد بن عمر بن قوام البالس- ٦٥٠- ٧١٨ هـ (٨) .
_________________
(١) كان أبوه شيخ الطائفة الأحمدية، ولما جاء إلى دمشق صحب ابن تيمية وتأثر به، وصنف في الرد على الاتحادية، وكان على عقيدة السلف الصالح. ذيل طبقات الحنابلة (٢/٣٥٨-. ٣٦) .
(٢) قدم القاهرة لما سجن ابن تيمية وكلم الأمير الجاشنكير في أمره وأمعن، المنهل الصافي (٢/٢٣١-٢٣٢) .
(٣) وهو غير الأصبهاني- صاحب العقيدة التي شرحها وناقشها ابن تيمية، أما هذا فقد قدم دمشق سنة ٧٢٥ هـ وصار يتردد على ابن تيمية ولازمه، انظر: الدرر الكامنة (٥/٩٥)، وبغية الوعاة (٢/٢٧٨)، وطبقات السبكى (١٠/٣٨٣)، وطبقات الأسنوى (١/١٧٢)، وطبقات المفسرين للد او دي (٢/٣١٣) .
(٤) ذهب إلى مصر ليصلح بين ابن تيمية والمنبجى، انظر ترجمة ابن تيمية بقلم خادمه (ص: ٢٤) . وانظر في ترجمة الدباهى: ذيل ابن رجب (٢/٣٦١) .
(٥) سافر سنة ٧١١ هـ لزيارة شيخ الاسلام في مصر فأسر في الطريق، انظر: ذيل طبقات الحنابلة (٢/٣٧٣) .
(٦) كان مع ابن تيمية في المواطن الصعبة التى لا يستطيع الأقدام عليها إلا الأبطال الخلص الخواص. البداية والنهاية (١٤/ ٢١٠) .
(٧) انظر: البداية والنهاية (١٤/٢٢٧) .
(٨) انظر: المصدر السابق (١٤/٨٩- ٩٠) .
[ ٢٠٠ ]
١٩- السرمري: يوسف بن محمد بن مسعود العقيلي، ٦٩٦- ٧٧٦ هـ (١) .
٢٠- يعقوب بن فارس الجعبري، توفي سنة ٧٢٦ هـ (٢) .
٢١- علي بن أحمد بن هوس الهلالمط، ت ٧٢٧ هـ (٣) .
٢٢- محمد بن علي البابا الحلبي العوام، توفي سنة ٧٢٥ هـ (٤) .
٢٣- إبراهيم بن الموله البعلبكي، توفي سنة ٧٢٥ هـ (٥) .
٢٤- عبد الله بن مومى الجزرى، توفي سنة ٧٢٥ هـ (٦) .
٢٥- أم زينب فاطمة بنت عباس، توفيت سنة ٧١٤ هـ (٧) .
وغيرهم كثير، ذكرهم في الرد الوافر، والشهادة الزكية.