تعتبر الحركات الباطنية من أخطر الحركات في تاريخ العالم الإسلامى، وكذلك الرافضة، والطائفتان متداخلتان في المنهج والاعتقاد والموقف من أهل السنة، ولا عجب، إذ كلها قائمة على مبدأ التشيع ومنطلقة منه، وإن كان التطور في بعضها قد يصل إلى الغلو أو الإباحة كما حدث للإسماعيلية والقرامطة، إلا أن القاسم المشترك بينها هو دعوى موالاة أهل البيت والقيام بالواجب نحوهم، واستخلاص حقوقهم المغتصبة- من الإمامة وغيرها- من أعدائهم.
وهذه الحركات لا تزال- حتى الآن- تقوم بدور خطير في عالمنا الاسلامى وتحظى- كما يحظى من يتبناها من دول وغيرها- بدعم كبير من اليهود والنصارى والملاحدة- من شيوعيين ولا دينيين-؛ إذ أدرك أعداء الإسلام أن حرب المسلمين- ويقصد أهل السنة- لا تتم إلا بإحياء الطائفية بينهم ودعم تلك الفرق والحركات المناهضة للإسلام الحق.
_________________
(١) انظر: السلوك (١/ ٤٥٠)، وقيام دولة المماليك (ص: ١٧٨) .
(٢) حسن المحاضرة (٢/٩٤) .
(٣) يحسن أن نشير هنا إلى أنه في عام ٨١٥ هـ تولى الخليفة العباسى أبو الفضل الملقب بالمستعين بالله السلطنة في مصر، فصار هو الخليفة وهو السلطان. انظر: أنباء العمر لابن حجر (٧/٥٣) - هندية وحسن المحاضرة (٢/٨٥) .
[ ١١٥ ]
وقد كتبت دراسات عن الحركات الباطنية، ولكن هذه الدراسات - حسب علمي- قامت على إحدى وجهتين:
١- إما وجهة تاريخية، تنظر إلى تاريخ هذه الطوائف، ودورها في الأحداث وما لها وما عليها، ولا تعطى الجانب العقائدي الذي قامت به إلا دورا صغيرا لا يتعدى التعريف والنشأة.
٢- وإما وجهة عقائدية بحتة، تنظر إلى عقائد هذه الطوائف وفكرها، وأهم مبادئها، وأما دورها في الأحداث وما قامت في المجال السياسى والاجتماعي فلا تتعرض له بشيء.
وفي رأيي- القاصر- أن مثل هذه الحركات الخطيرة لا تتم معرفة أبعادها والاستفادة من تاريخها السابق- وأبعاده العقائدية والسياسية- إلا بالجمع بين هاتين الوجهتين أثناء الدراسة والتحليل.
والحركات الباطنية- في العصر الحاضر-كما أن لها نشاطا سياسيا ملحوظا فلها أيضا نشاط فكري تنشر من خلاله مذاهبها وعقائدها وكتبها ووثائقها (١) .
والعصر- الذى نحن بصدد الحديث عنهـ كان للباطنية والرافضة فيه دور كبير، وهو وإن كان قد انحسر- بالنسبة للعصر الذي قبلهـ إلا أن بقاياهم قامت بأدوار تكميلية سواء بنشر مذاهبهم أو التعاون مع الصليبيين، ولذا رأينا كيف أن الظاهر بيبرس يهاجم حصونهم ويقضي عليها، والسلطان قلاوون وغيره يقومون بغزو الرافضة في جبل كسروان وما جاوره، ورأينا عالما مثل شيخ الاسلام ابن تيمية يتصدى لجهادهم وغزوهم، كما يتصدى لفضح المذهب الباطني ويبين حكم الشرع فيهم، ويرد على علمائهم في منهاج السنة وغيره.
_________________
(١) تأسست في الهند سنة ١٩٤٦ م " الجمعية الإسماعيلية" ونشرت في الهند ومصر كثيرا من مؤلفاتها ومخطوطاتها. انظر: كتاب الحاكم بأمر اللهـ عنان- (ص: ١٣-١٤)، كا أن كثيرا من الباحثين تفرغوا لنشر التراث الاسماعيلي والباطني وكتابة الدراسات حولهـ حتى أن واحدا منهم نشر قرابة أربعين كتابا حول هذه الحركات، وبعض الباحثين من هؤلاء لا يكتفون بالتحقيق أو الكتابة العلمية فقط، وإنما يبثون الدعاية لها ويدعون إلى الاستفادة من تجاربها، كما يزعمون أنها حركات مظلومة ولذا ينبغى إعادة كتابة تاريخها من خلال حرية الفكر والأديان التى ينادون بها.
[ ١١٦ ]
ونوجز الكلام حول هذه الحركات بمايلي:
أولا: برز التشيع كظاهرة في وقت مبكر، في عهد علي بن أبي طالب - ﵁ بل قبله بقليل حين ظهرت السبئية- أتباع عبد اللة بن سبأ - وكان التشيع في عمومه قد بدا معتدلا إلا أنه في هذه الظواهر بدا غاليا أشد ما يكون الغلو، وليسى تأليه علي بن أبى طالب الذي قال به أناس في عهده إلا نواة لتلك الحركات الباطنية التي أخذت أشكالا مختلفة في الظاهر، وهي متفقة في الحقيقة والباطن.
أما ما قد يتبادر إلى الذهن من تفاوت بينها اعتدالا وغلوا فليس هذا إلا أمر عارض ينشأ في بعض الأحوال حسب ما يقتضيه مبدأ التقية، أو التدرج في المدعوين أو حين التطيق العملى لمبادئهم، إضافة إلى مبدأ السرية والعلنية في عقائدهم التى يجعلون جزءا مهما منها يبقى تحت دائرة الكتمان إلا عن القلة القليلة من أكابرهم وعلمائهم، ولذلك صدقت فيهم مقولة أبي حامد الغزالي: " إنه مذهب ظاهره الرفض، وباطنه الكفر المحض، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم " (١) .
ثانيا: حدثت انقسامات داخل هذه المذاهب الرافضية الباطنية:
ومنها: الانقسام الذي وقع حول من يكون الإمام بعد جعفر الصادق -﵀-.
فطائفة: قالت: الإمام بعده ابنه موسى واستمرت الإمامة بعده إلى الإمام الثاني عشر- المهدي المنتظر عندهم- وهؤلاء هم الرافضة الموسوية، الجعفرية، الاثنى عشرية، ومن يطلع على عقائدهم ومذاهبهم يرى أنه لا يمكن أن يكونوا طائفة معتدلة بحال من الأحوال، إلا حال التقية (٢) .
_________________
(١) فضائح الباطنية (ص: ٣٧) .
(٢) قدم الأخ العزيز- ناصر القفاري- رسالته للدكتوراه عن أصول الشيعة الاثنى عشرية وعقائدهم بعد دراستهـ الجادة والموفقة- إن شاء الله؛ حول مسألة التقريب بين السنة والشيعة في رسالته للماجستير.
[ ١١٧ ]
وطائفة: قالت: الإمام بعده أى- بعد جعفر الصادق- ابنه إسماعيل- الذي مات في عهد أبيهـ وهؤلاء هم طائفة الإسماعيلية التي انبثقت منها حركة القرامطة، والدولة الفاطمية في المغرب ومصر، والإسماعيلية في بلاد فارس وغيرها.
ومنها:- أى من الانقسامات التي حدثت- ما حدث سنة ٤٨٧ هـ- لما مات الخليفة المستنصر باللهـ الفاطمى العبيدى- فقد افترقت الإسماعيلة إلى فرقتين:
إحداهما: قالت بأن الإمام بعده ولده نزار، وأن المستنصر نص على ذلك قبل وفاته، و" الإسماعيلية"، وملاحدة العجم وملاحدة الشام تعتقد إمامته، وتزعم أن المستنصر كان قد عهد اليه وكتب اسمه على الدينار والطرز، وأن المستنصر قال للحسن بن صباح: إنه الخليفة من بعده" (١) وهؤلاء ينكرون إمامة المستعلى الذكط تولى الخلافة- بعد أبيهـ ويرون أن خلافته ومن بعده باطلة.
والأخرى: المستعلية، يرون صحة إمامة المستعلي ومن قام بعده من الخلفاء بمصر، وبسبب ذلك حدثت فتن بين الطائفتين (٢) .
ثالثا: لم تكن هذه الحركات الباطنية بعيدة عن الأحداث- خلال تاريخنا الإسلامي- وإنما أخذت تعمل سرا لنشر أفكارها، وتكوين أتباع لها- وذلك خوفا من الخلافة العباسية السنية- وكان بداية ذلك لما ظهرت حماعة من الملاحدة يتزعمهم رجل فارسي مجوسى اسمه: ميمون بن ديصان المعروف بالقداح، وكان قد تظاهر بالإسلام والتشيع، ثم قبض عليه مع جماعة من أصحابه وسجنوا في الكوفة أواخر عهد المنصور العباسى سنة ١٤٥ هـ. وفي السجن بدأوا وضع مذهبهم وأسس دعوتهم ثم ظهرت على أثر ذلك حركتان كان لهما دور في التاريخ الإسلامى، إحداهما: ظهور القرامطة، والأخرى: قيام الدولة الفاطمية.
_________________
(١) اتعاظ الحنفاء (٣/١٥) .
(٢) انظر: تاريخ الفارقي (ص: ٢٦٧)، واتعاظ الحنفاء (٣ / ٢٧)، والبداية والنهاية (١٢/١٤٨)، وتاريخ عطا ملك الجوين- جزء منه ضمن دولة الاسماعيلية في إيران (ص: ٧٩ ١)، وانظر الاسماعيلية - لاحسان الهى ظهير (ص: ٥٨ ا - ٥٩ ١، ٧٣٥)، وانظر: مذاهب الاسلاميين - بدوي (٢ / ٣٥٢) وما بعدها.
[ ١١٨ ]
رابعا: ولما جاء عهد المماليك واصلوا حربهم للصليبيين والباطنيين وخاصة بعد القضاء على حصونهم في بلاد فارس الذي تم على يد هولاكو. فالظاهر بيبرس قضى عليهم- حصنا بعد الآخر- سنة ٦٧٠ هـ، وكانوا قبل ذلك يدفعون له الجزية وكان مسيطرا عليهم يعزل وينصب من يريد من زعمائهم، يقول المقريزي في حوادث سنة ٦٧١ هـ " وفي ثاني عشر ذي الحجة استولى السلطان على بقية حصون الدعوة الاسماعيلية وهي المينقة والقدموس والكهف، وأقيمت هناك الجمعة وترضى عن الصحابة بها، وعفيت المنكرات منها، وأظهرت شرائع الإسلام وشعائره " (١) .
لكن هل انتهى دور الباطنين في بلاد الشام (٢) بالقضاء على الاسماعيلية (٣)؟
لقد بقى من طوائفهم طائفتان كان لهم نفوذ في ذلك الوقت، واستمر نفوذهم في بلاد الشام إلى العصر الحاضر. وهما:
أ- النصيرية:
وهؤلاء سموا بذلك نسبة إلى محمد بن نصير النميرى (٤) الذي عاش في القرن الثالث زمن الأئمة الثلاثة الأخيرين من أئمة الشيعة الاثنى عشرية، وزعم أنه الباب للإمام الحادي عشر " الحسن العسكري " وأنكر إمامة المهدي الثاني عشر، وبذلك انفصل عن الاثنى عشرية، وللنصيرية عقائد غالية مشهورة أهمها تأليه علي ابن أبي طالب﵁ وفي عهد المما ليك كانوا يسكنون السواحل الشامية، وبعض الجبال في الكسروان وغيره، وكانوا موالين أتم الموالاة للنصارى وللتتار، وقد حرص الظاهر بيبرس على القضاء عليهم عن طريق إلزامهم ببناء المساجد
_________________
(١) السلوك (١/٦٠٨)، وانظر الروض الزاهر (ص: ٤١٣)، والمختصر لأبي الفداء (٧/٤١) .
(٢) أما في غير بلاد الشام فلا تزال الاسماعيلية باقية إلى اليوم كطائفة مستقلة.
(٣) المطلع على رحلة ابن بطوطة (١/٩٣)، حين زار الشام سنة ٧٢٧ هـ يرى أنه يشير إلى قلاع الإسماعيلية والفداوية ويقول أنهم سهام الناصر قلاوون يصيب بهم أعداءه وعلى هذا الأساس يكرن الظاهر إنما قضى عليهم سياسيا، بحيث لم يصبع لهم دور مستقل.
(٤) وبعضهم ينسبهم إلى نصير غلامرضي الله عنهـ.
[ ١١٩ ]
في كل قرية، ولكنهم " بنوا بكل قرية مسجدا بعيدا عن العمارة، ولا يدخلونه ولا يعمرونه، وربما أوت إليه مواشيهم ودوابهم وربما وصل الغريب إليهم فينزل بالمسجد، ويؤذن إلى الصلاة فيقولون: لا تنهق علفك يأتيك (١) " استهزاء وسخرية، وفي سنة ٧١٧ هـ خرجت النصيرية عن الطاعة، وكان من بينهم رجل سموه محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله كان تارة يدعى الألوهية لعلى وتارة يدعي أنه محمد بن عبد الله " وخرج يكفر المسلمين وأن النصيرية على الحق، واحتوى هذا الرجل على عقول كثير من كبار النصيرية الضلال، وعين لكل إنسان منهم تقدمة ألف وبلادا كثيرة ونيابات، وحملوا على مدينة جبلة فدخلوها وقتلوا خلقا من أهلها وخرجوا منها يقولون: لا إله إلا علي ولا حجاب إلا محمد ولا باب إلا سلمان، وسبوا الشيخين، وصاح أهل البلد: وا إسلاماه وا سلطاناه وا أميراه، فلم يكن لهم يومئذ نصر ولا منجد فجردت لهم العساكر فهزموهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا وجما غفيرا وقتل المهدي " (٢) .
وقد حفظ لنا صاحب صبح الأعشى وثيقة تشتمل على مرسوم أصدره الناصر محمد بن قلاوون سنة ٧١٧ هـ يلغى فيه بعض المكوس في المملكة الطرابلسية، ويأمر بإبطال بعض المنكرات، ويذكر منكرات النصيرية، ومما ورد فيه عنهم " ومنها: أن بالأطراف القاصية من هذه المملكة قرى سكانها يعرفون بالنصيرية لم يلج الإسلام لهم قلبا، ولا خالط لهم لبا، ولا أظهروا له بينهم شعارا [ثم يقول]: وأما النصيرية فليعمروا في بلادهم بكل قرية مسجدا وكذلك رسمنا أيضا بمنع النصيرية من الخطاب (٣) وأن لا يمكنوا بعد ورود هذا من الخطاب
_________________
(١) رحلة ابن بطوطة المسماة: تحفة النظار في غرائب الأمصار (١/٩٦)، وانظر: خطط الشام محمد كرد علي (٦/٢٦٣)، وذكر أن ذلك في القرن التاسع- وهو خطأ، وتبعه على خطئه صاحب الحركات الباطنية في العالم الاسلامى- محمد أحمد الخطيب (ص: ٣٣٢) .
(٢) البداية والنهاية (١٤/٨٣-٨٤) .
(٣) المقصود بالخطاب عندهم أن يحلفوا من يدخل في دينهم- بعد تعليمه وإطلاعه على أسرارهم- أن يكتم دينه، وشيوخه. انظر: مجموع الفتاوى (٣٥/١٥) - ضمن السؤال الوارد لابن تيمية، وانظر: صبح الأعشى (١٣/٢٥٠) .
[ ١٢٠ ]
جملة كافية، وتؤخذ الشهادة على أكابرهم ومشايخ قراهم لئلا يعود أحد منهم إلى التظاهر بالخطاب، ومن تظاهر به قوبل أشد مقابلة " (١) .
ولابن تيمية﵀- فتوى مشهورة في النصيرية وحقيقة مذهبهم وخطرهم وتعاونهم مع النصارى والتتار، والحكم عليهم وواجب ولاة المسلمين نحوهم (٢) . وستأتي الإشارة إلى دور ابن تيمية في قتالهم وإخضاعهم- مع غيرهم من دروز وملاحدة ورافضة جبل كسروان- إن شاء الله تعالى.
ب- الدروز:
وهم طائفة يقولون بتأليه الحاكم بأمر الله الفاطمي والتناسخ والحلول. وكان أول من دعا إلى ذلك سنة ٤٠٨ هـ حمزة بن علي بن أحمد الزوزني، وفي نفس الوقت ظهر عدة دعاة على شاكلته منهم: حسن بن حيدرة الفرغاني المعروف بالأخرم، ومحمد بن إسماعيل الروزي، وفي سنة ٤١١ هـ قتل الحاكم بأمر الله - ويزعم الدروز أنه اختفى- فانتقلت هذه الطائفة إلى مناطق أخرى في بلاد الشام، أما في مصر فلم يبق لهم بعد هلاك الحاكم وجود حقيقى (٣) . وقد استجاب لهذه الدعوة من القبائل العربية في الشام: بنو تنوخ وآل بحتر، وآل أرسلان، وبعد اعتناقهم لهذا المذهب الباطني تحركوا في سنة ٤٢٣ هـ إلى جبل السماق، وجاهروا بمذهبهم وأخربوا المساجد، واعتدوا على المسلمين المجاورين، وكثر شرهم، ولكن أهل أنطاكية خافوا من تفاقم أمرهم، فجاءوهم وتلطفوا لهم حتى قبضوا على دعاتهم وأكابرهم وقتلوهم جميعا (٤) .
_________________
(١) صبح الأعشى (١٣/ ٣٣-٣٥)، وانظر: الوثائق السياسية: العهد المملوكى (ص: ٥ ٠ ٣) وما بعدها.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٣٥/١٤٥- ١٦٠) .
(٣) انظر في عقائدهم ونشأتهم: أخبار ملوك بني عبيد (ص: ٩٤) وما بعدها، واتعاظ الحنفاء (٢/١٣ ١)، وانظر: الحاكم بأمر الله (ص: ٩٧ ١) وما بعدها، و(ص: ٤ ٣١) وما بعدها، وتاريخ الدولة الفاطمية (ص:٣٥٤) وما بعدها.
(٤) انظر: خطط الشام (١/٢٢٤)، والتنوخيون: نديم نايف حمزة (ص: ٧١) .
[ ١٢١ ]
وبعد مجيء الصليبيين ثم التتار كانوا يتعاونون معهم بما يخدم مصالحهم الخاصة (١) .
وكان الدروز متوزعين في أماكن متفرقة من لبنان، ولذلك فقد انضم جزء منهم- من التنوخيين- إلى موالاة المماليك، وصاروا ينخرطون في جنود الحلقة (٢) - الذين كانوا فرسانا يأتمرون بأمر السلطان دون أن يكونوا ملكا لهـ وعلى الرغم من سجن ثلاثة من زعمائهم في القاهرة فقد ردت إليهم إقطاعاتهم وصاروا مسؤولين عن الحفاظ على منطقة غرب بيروت (٣) .
والعجيب أنه حين هاجم جيش السلطان الناصر قلاوون سنة ٧٠٥ هـ جبل الكسروان- وكان يسكنه النصيرية والرافضة والدروز- كان من ضمن الجيش الذي هاجمهم: التنوخيون الدروز مما أثار جدلا بين بعض الباحثين (٤) .
ج-- إن الرافضة الاثنى عشرية كانت لهم بعض الأدوار الإفسادية ولذلك تحدث عنهم ابن تيمية حينما ذكر غزوه لجبل الكسروان وهذا الجبل كانت تسكنه طوائف مختلفة من النصيرية والدروز والشيعة وأصحاب العقائد الفاسدة- ففي سنة ٧٠٤ هـ ذهب إليهم شيخ الإسلام ابن تيمية ومعه نقيب الأشراف زين الدين ابن عدنان وألزموهم شرائع الإسلام، واستتابوا خلقا منهم، كما ذهب إليهم ومعه الأمير قراقوش المنصور وألزموهم بالطاعة وأن يصلحوا ما بينهم وبين التنوخين،
_________________
(١) انظر: تاريخ بيروت (ص: ٦٠، ٦٣، ٦٤)، وانظر: التنوخيرن (ص: ٠٣ ١- ٠ ١١) .
(٢) انظر: نظم دولة سلاطين المماليك ورسومهم في مصر- النظم السياسية- (ص: ١٤٩) .
(٣) تاريخ بيروت (ص: ٥٣-٥٤، ٧٠-٨٥)، وانظر: التنوخيون (ص: ١٢٥)،وما بعدها.
(٤) ذكر المقريزى في السلوك (١/٩٠٢ - ٩٠٣)، وابن تيمية كما في رسالته إلى السلطان الناصر - العقود الدرية (ص: ١٩٣) أن الحملة على أهل كسروان كانت حملة على الدروز- حساهم ابن تيمية الحاكمية- فإذا علم أن الجيش الذي قاتلهم فيه مئات من التنوخية الدروز فكيف يتم هذا؟ كمال الصليبي- وهو ماروني- أنكر ذلك- كا أنه دافع عن الذين كانوا في الجبل. وقد رد عليه زكي النقاش في كتابه: أضواء توضيحية على تاريخ المارونية (ص: ٤٦- ٥٠)، و(ص: ٦٣) وما بعدها. كما رد عليه صاحب كتاب التنوخيون (ص: ١٣٠) - ومؤلفه درزي.
[ ١٢٢ ]
ولكنهم رفضوا الطاعة (١) فأخذ ابن تيمية ونائب دمشق في الاستعداد لحربهم، يقول ابن كثير في حوادث سنة ٧٠٥ هـ: " وفي ثانيه [أي المحرم] خرج نائب السلطة بمن بقى من الجيوش الشامية، وقد كان تقدم بين يديه طائفة من الجيش مع ابن تيمية في ثاني المحرم (٢)، فساروا إلى بلاد الجرد والرفض والتيامنة، فخرج نائب السلطنة بنفسه بعد خروج الشيخ لغزوهم، فنصرهم الله عليهم وأبادوا خلقا كثيرا منهم، ومن فرقتهم الضالة ووطئوا أراضى كثيرة من صنع بلادهم، وعاد نائب السلطنة إلى دمشق في صحبته الشيخ ابن تيمية والجيش، وقد حصل بسبب شهود الشيخ هذه الغزوة خير كثير، وأبان الشيخ علما وشجاعة في هذه الغزوة، وقد امتلأت قلوب أعدائه حسدا له وغما (٣) .
ويقول ابن تيمية بعد هذا النصر المبين عليهم- في كتابه إلى السلطان الناصر قلاوون في مصر- وقد ذكر بعد المقدمات شيئا من عقائدهم: " فأعان الله ويسر بحسن نية السلطان وهمته في إقامة شرائع الاسلام، وعنايته بجهاد المارقين أن غزوا غزوة شرعية كما أمر الله ورسوله، بعد أن كشفت أحوالهم، وأزيحت عللهم، وأزيلت شبههم، وبذل لهم من العدل والإنصاف ما لم يكونوا يطمعون به، وبين لهم أن غزوهم اقتداء بأمير المؤمنين علي بن أبي طالبرضي الله عنهـ في قتال الحرورية المارقين الذين تواتر عن النبي - ﷺ - الأمر بقتالهم " (٤) . ثم ذكر السبب في أخذ أموالهم وأنه كونهم خارجين عن شريعة محمد - ﷺ - وسنته، ثم ذكر أنهم شر من التتار من وجوه متعددة، لكن التتر أظهر وأقوى
_________________
(١) البداية والنهاية (١٤/ ٣٥)، والسلوك (٢/ ١٢)، وتاريخ بيروت (ص: ٢٧) .
(٢) هكذا، ولعل الصواب في ذي الحجة كما أفاده كلام ابن عبد الهادي في العقود، فإن قال (ص: ٨١ ا-١٨٢) " وتوجه نائب السلطنه الأمير جمال الدين الأفرم بمن تأخر من عسكر دمشق إليهم لغزوهم واستئصالهم في ثاني شهر المحرم من سنة خمس وسبعمائة، وكان قد توجه قبله العسكر طائفة بعد طائفة في ذي الحجة ".
(٣) البداية والنهاية (١٤/٣٥)، وانظر: مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك (ص: ٤ ٣١- ٩ ٣١) وا نظر: التنو خيون (ص: ٢٨ ١- ٠ ٣ ١) .
(٤) العقود الدرية (ص: ٨٧ ا-٨٨ ١) .
[ ١٢٣ ]
فلذلك يظهر كثرة شرهم، ثم ذكر السبب في قطع أشجارهم وتخريب بلادهم، ثم قال: " وأيضا فإنه بهذا قد انكسر من أهل البدع والنفاق بالشام ومصر والحجاز واليمن والعراق ما يرفع الله به درجات السلطان ويعز به أهل الإيمان " (١)، ثم قال ابن تيمية: " فصل: تمام هذا الفتح وبركته تقدم مراسم السلطان بحسم مادة أهل الفساد وإقامة الشريعة في البلاد، فإن هؤلاء القوم لهم من المشايخ والإخوان في قرى كثيرة من يقتدون بهم وينتصرون لهم، وفي قلوبهم غل عظيم، وإبطان معاداة شديدة، لا يؤمنون معها على ما يمكنهم ولو أنه مباطنة العدو، فإذا أمسك رؤوسهم الذين يضلونهم- مثل بنى العود (٢) - زال بذلك من الشر ما لا يعلمه إلا الله، ويتقدم إلى قراهم وهي قرى متعددة بأعمال دمشق، وصفد، وطرابلمس، وحماة، وحمص، وحلب، بأن تقام فيهم شرائع الاسلام، والجمعة، والجماعة، وقراءة القرآن، ويكون لهم خطباء ومؤذنون كسائر قرى المسلمين، وتقرأ فيهم الأحاديث النبوية وتنشر فيهم المعا لم الإسلامية ويعاقب من عرف منهم بالبدعة والنفاق بما توجبه شريعة الإسلام، فإن هؤلاء الحماربين وأمثالهم قالوا: نحن قوم جبال، وهؤلاء كانوا يعلموننا ويقولون لنا: أننا إذا قاتلنا هؤلاء تكونون مجاهدين، ومن قتل منكم فهو شهيد، وفي هؤلاء خلق كثير لا يقرون بصلاة، ولا صيام، ولا حج ولا عمرة، ولا يحرمون الميتة والدم، ولحم الخنزير، ولا يؤمنون بالجنة والنار، من جنس الاسماعيلية والنصيرية، والحاكمية، والباطنية، وهم كفار أكفر من اليهود والنصارى بإجماع المسلمين " (٣) .
وسئل ابن تيمية عن حكم قتالهم فأفتى بجواز ذلك إذا كانوا ممتنعين، وشرح حالهم والحكم عليهم وهى فتوى عظيمة (٤) .
_________________
(١) المصدر السابق (ص: ١٩١) .
(٢) على رأسهم: أبو القاسم الحسين بن العود، نجيب الدين الأسدى الحلبى، شيخ الشيعة وإمامهم وعالمهم في أنفسهم، ولد سنة ٥٨١ هـ، وتوفي سنة ٦٧٧ هـ. البداية والنهاية (١٣/٢٨٧)، وهؤلاء الموجودون الذين يشير إليهم ابن تيمية من أولاده وأتباعه.
(٣) العقود الدرية (ص: ٩٢ ا-١٩٣) .
(٤) انظر: نصها في مجموع الفتاوى (٢٨/٤٦٨- ا ٥٠)، بل قال لما بين إنهم شر من اليهود=
[ ١٢٤ ]
وفي عام ٧٠٦ هـ صدر أمر برفع أيدي الرافضة عن كسروان وإقطاعها للأمراء التركمان (١) .