لقد تميزت حياة ابن تيمية بهذه الميزة العظيمة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، فلم يكن العالم القابع في بيته، المتفرغ للإفتاء
_________________
(١) رسالة في الصفات الاختيارية- جامع الرسائل- تحقيق رشاد سا لم (٢/٥٦)، وهو في مجموع الفتاوى (٦/٢٥٨) .
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٨٠٢) .
[ ١٥٨ ]
والتدريس والتأليف - وغنما كان ﵀ - رابطا العلم بالعمل، فعلمه يدفعه إلى تحمل مسؤوليته فيبادر إلى القيام بالحق والجهاد في سبيل الله وردع أهل الباطل.
وحياة ابن تيمية كلها كانت جهادا، والكلام حول هذا الجانب يطول ولكن نشير إلى بعض الأمثلة:
أ - أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر:
وكانت له في ذلك مواقف عظيمة، منها:
١ - كسره للأصنام والأماكن التي تعظم من دون الله - وقد مضى نماذج من ذلك عند الحديث عن انتشار بعض الشركيات في عصره - كما كان في ديار مصر - ينهى عن إتيان المشاهد وتعظيمها، وكان ينهى الذين يحلفون إذا أرادوا تغليظ أيمانهم حلفوا عند مشهد الحسين (١) .
٢ - موقفه من النصارى: لما تضاءل الوجود النصراني في بلاد الشام صارت قبرص موطنا لهم يأوون إليها وهي تحت حكم النصارى وكانوا أحيانا يأخذون معهم أسارى المسلمين، وقد أرسل شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة إلى ملك قبرص - سرجوان - يدعوه فيها إلى الإسلام، ويفضح ما يفعله القسس والرهبان من الكذب على الناس مع معرفتهم أنهم على الباطل، ثم بعد أن ذكر ما عند الملك من الديانة ومحبة العلم وطلب المذاكرة، وحسن المعاملة، دعاه إلى الإسلام والاعتقاد الصحيح - بأسلوب يفيض رقة وأدبا مع مخاطبة العقل - ثم يقول: " وإن رأيت من الملك رغبة في العلم والخير كاتبته وجاوبته عن مسائل يسألها، وقد كان خطر لي أن أجيء إلى قبرص لمصالح في الدين والدنيا " (٢)، ثم عقب بعد ذلك بذكر مواقفه من التتار وكيف أنه لما خاطبهم بإطلاق الأسارى وكيف أبى إلا أن يطلق جميع الأسارى من اليهود والنصارى ولا يقتصر على المسلمين، ثم يقول بلهجة قوية:: فيا أيها الملك، كيف تستحل سفك الدماء
_________________
(١) انظر ناحية من حياة شيخ الإسلام بقام خادمه (ص١٥ - ١٧) .
(٢) الرسالة القبرصية (ص٥٤) .
[ ١٥٩ ]
وسبى الحريم وأخذ الأموال بغير حجة من الله ورسوله " (١) .
ثم أوصى في آخر الرسالة بالإحسان إلى من عنده من المسلمين، وأن لايسعى إلى تغيير دين أحد منهم (٢) .
كا كان لابن تيمية مناقشات لبعض النصارى، ففي الجواب الصحيح أشار إلى بعض مناقشاته لهم (٣)، وأيضا فقد ناقش ثلاثة من رهبان النصارى جاءوه من الصعيد لما كان في مصر (٤) .
وفي سنة ٦٩٣ هـ كانت وقعة عساف (٥) النصراني، حين سب النبي - ﷺ - فقام عليه ابن تيمية والشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث ودخلا على الأمير، وكانت قصة أوذي فيه الشيخان، ثم جاء الخبر بقتل النصراني (٦) .
٣- أما الصوفية فله معهم مواقف عدة، من أشهرها موقفه من الدجاجلة البطائحية (٧)، وهذه الطائفة كان له معها وقائع متعددة، بين لهم فيها ما عندهم من حق وباطل، كما فضح أحوالهم الشيطانية التي يزعمونها، وعزم على أن يدخل معهم النار التى يزعمون أنها من أحوالهم وخوارقهم، وقد استتابهم وأظهروا له الموافقة والطاعة، ولكنهم في تاسع جمادي الأولى سنة ٧٠٥ هـ ذهبوا إلى الأمير
_________________
(١) المصدر السابق (ص: ٦١) .
(٢) انظر: رسالته إلى ملك قبرص (ص: ٧١-٧٢)، وقارن هذه الرسالة برسالة ألمط الوليد الباجي المتوفي سنة ٤٧٤ هـ إلى راهب فرنسا النصرالمط جوابا لرمالته إلى المقتدر بالثة حام س قسطة ٤٣٨ - ٤٧٤ هـ يدعوه فيها إلى الدخول في النصرانية. فانتدب الباحي لإجابته، وكان أسلوبه جيدا. انظر الرسالتين بتحقيق: محمد عبد اللة الشرقاوي.
(٣) انظر: الجواب الصحيح (٢/١٧٢) .
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٣٧٠- ٣٧١)، وترجمة ابن تيمية بقلم خادمه (ص: ٢٣-٢٤) .
(٥) هو عساف ابن أحمد بن حجى، البداية والنهاية (١٣/ ٣٤٠)، والنجوم الزاهرة (٧٤/٨) .
(٦) انظر: البداية والنهاية (١٣/ ٣٣٥-٣٣٦) .
(٧) يقال لهم الأحمدية والرفاعية نسبة إلى أحمد الرفاعى؛ مؤسسها في أم عبيدة من قرى البطائح بين البصرة وواسط وخلف الرفاعي خاله منصور البطائحي، انظر عن أحمد الرفاعي وأم عبيدة والبطائح: وفيات الأعيان (١/١٧١-١٧٢)، والطرق الصوفية في مصر (ص: ٨٩) .
[ ١٦٠ ]
يشكون ابن تيمية ويطلبون منه أن يسلم لهم حالهم، وأن يكف إمارته عنهم، وأن لا يعارضهم ولا ينكر عليهم، وأرادوا أمام الناس إظهار أحوالهم الشيطانية، فلما جاء شيخ الإسلام تكلم عن اتباع الشريعة وأنه لا يسع أحدا الخروج عليها، ورد على دعواهم أنهم يستطعون دخول النار وأن أهل الشرع لا يستطعون ذلك، وعزم على أن يدخل معهم بشرط أن يغسلوا أجسامهم بالخل والماء الحار وقال في أثناء المناقشة: ومع هذا فلو دخلتم النار أو طرتم في الهواء وفعلتم ما فعلتم لم يكن دليلا على صحة ما تدعونه من نحالفة الشرع، وبعد ما غلبوا وبهتوا أقروا بأن يلتزموا التزاما تاما بالكتاب والسنة ومن خرج عنهما ضربت عنقه.
وهكذا قضى على هذه الفتنة العطمة، وأحبطت مزاعم هذه الطائفة المنحرفة الذين " كانوا لفرط انتشارهم في البلاد، واستحواذهم على الملوك والأمراء والأجناد، لخفاء نور الإسلام، واستبدال اكثر الناس بالنور الظلام، وطموس آثار الرسول في أكثر الأمصار، ودروس حقيقة الإسلام في دولة التتار، لهم في القلوب موقع هائل، ولهم فيهم من الاعتقاد ما لا يزول بقول قائل " (١) .
٤- في سنة ٧٠٤ هـ قام باستتابة شيخ يسمى إبراهيم القطان، وحلق رأسه وقلم أظافره وكانوا طوالا جدا، واستتابه من كلام الفحشى وأكل ما يغير العقل، وما لا يجوز من المحرمات، وبعد ذلك استحضر الشيخ محمد الخباز البلاسي فاستتابه أيضا عن أكل المحرمات ومخالطة أهل الذمة (٢) . وفي الاسكندرية توب رئيسا من رؤساء الصوفية (٣)، كما أنكر على طائفة القلندرية (٤)،
_________________
(١) مناظرة ابن تيمية لدجاجلة البطائحية. مجموع الفتاوى (١١/٤٥٦-٤٥٧)، وانظر: تفاصيل أخرى مهمة من (ص: ٤٤٥-٤٧٥) وهي ضمن مجموعة الرسائل والمسائل، ط المنار (١/ ١٢١-١٤٦)، وانظر في قصتهم: العقود (ص: ١٩٤)، والبداية والنهاية (١٤/٣٣) .
(٢) انظر: البداية والنهاية (١٤/٣٣) .
(٣) انظر العقود (ص: ٢٧٤) .
(٤) ويسمون الملامية أو الملامتية، واليونسية والحيدرية، وهى من طوائف الصوفية المنحرفة نشأت بعد الستمائة بقليل في دمشق، انظر: أخبارهم في خطط المقريزي (٢/٤٣٢-٤٣٣)، والرد الوافر مع الحاشية (ص: ٩٤-٩٥)، وانظر: فتوى شيخ الاسلام فيهم في مجموع الفتاوى (٣٥/١٦٣) .
[ ١٦١ ]
وفي سنة ٧٢٦ هـ ضربت عنق ناصر بن الشرف الهيثي لكفره واستهتاره بآيات الله، شهد قتله ابن كثير وجاءه ابن تيمية وقرعه على ما كان يصدر منه (١) . وفي إحدى المرات عزر أحد المشايخ ممن يدعي أنه المهدي (٢) .
٥- في سنة ٦٩٩ هـ قام مع أصحابه على الخمارات والحانات فكسروا آنية الخمور وأراقوها وعزروا جماعة من أهل الحانات ففرح الناس بذلك (٣) . وفي سنة ٧٠١ هـ قام عليه مجموعة من الحسدة بسبب إقامته الحدود والتعزير (٤) .
٦- أما مواقفه من السلاطين فمشهورة وأشهرها موقفه من قازان سلطان التتار- والتتار في ذلك الوقت كانت لهم هيبة وصولة- وكيف أنه كلمه بكلام قوي عن أعمالهم وافسادهم وانتهاكهم لحرمات المسلمين مع ادعائهم الإسلام (٥) . وكذلك موقفه من الناصر- حين عاد إلى سلطنته للمرة الثالثة وأفرج عن ابن تيمية- فعرض وزيره مسألة أهل الذمة وأنهم يريدون أن يدفعوا أموالا على أن لا يلزموا باللباس المخصوص بهم، فاستشار السلطان العلماء الحاضرين فسكنوا، فتكلم ابن تيمية بكلام غليظ حتى رجع السلطان (٦) . وكذلك موقفه من الأمير قطلوبك الكبير الذي كان يأخذ أموال الناس بالباطل فجاءه ونهاه (٧) .
٧- وكان لابن تيمية تأثير على السلاطين ليقوموا بدورهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمثلا حين اشهرت الرشوة وأصبح لها دور في تولية بعض المناصب، بل وفي إسقاط الحدود في سنة ٧١٢ هـ ورد خطاب إلى دمشق
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١٤/ ١٢٢-١٢٣) .
(٢) انظر: الاستغاثة (٢/٢١٨- ٢١٩) .
(٣) انظر: البداية والهاية (١٤/ ١١) .
(٤) المصدر السابق (١٤/١٩) .
(٥) انظر المصدر السابق (١٤/ ٨٩)، والأعلام العلية (ص: ٦٩)، والكواكب (ص: ٩٣)، ودولة بني قلاوون (ص: ١٧٨) .
(٦) انظر: العقود (ص: ٢٨١)، وا لبدا ية وا لنها ية (٤ ١/٥٤)، والكواكب (ص: ١٣٧)، وحسن المحاضرة (٢/ ٣٠٠) .
(٧) انظر: الوا في (٧/١٧) .
[ ١٦٢ ]
من السلطان أن لا يولي أحد بمال ولا رشوة، وأن يقتص من القاتل بحكم الشرع. وكان ذلك بمشورة ابن تيمية (١) . كما حارب ابت تيمية بعض البدع ومنها صلاة الرغائب (٢) فيذكر ابن كثير أنه في سنة ٧٠٦هـ صليت صلاة الرغائب التي أبطلها ابن تيمية بسبب سجنه في مصر (٣)، ثم أبطلت سنة ٧٠٧ هـ (٤) .
هذه نماذج من مواقف ابن تيمية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو لم يكن في حياته إلا هذا الجانب لكان دليلًا على جهاده وصبره -﵀-.
ومما يلحظ في هذا الجانب وفي غيره أن ابن تيمية كانت له جماعة من أصحابه يستعين بهم، وينفذون معه ما يريد، ويصحبونه في حالات جهاده، وأمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر، وهذا ملاحظ في ترجمته، فابن كثير يذكر أنه في سنة ٦٩٩هـ خرج الشيخ ابن تيمية وجماعة من أصحابه إلى ملك التتر (٥) ، وفي سنة ٧٠٤هـ ذهب مع أصحابه لهدم صخرة تزار (٦)، وفي نفس السنة ذهب مع أصحابه إلى جبل الكسروانيين، وفي سنة ٧٠٩ هـ لم يخرج أحد من أصحابه معه إلى الاسكندرية، لكن بعد ذلك لحق به جماعة من أصحابه (٧) .
ب - جهاده للتتار:
اكتنفت جهاد التتار حالة من الغموض في بعض الأمور المتعلقة بهم، كما صاحبها أحوال من الخوف والهلع من هذه الجيوش المدمرة، كما أن أوضاع العصر
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (١٤/٦٦) .
(٢) صلاة مبتدعة نشأت في القدس بعد الثمانين والأربعمائة، ورد فيها حديث موضوع، وهي صلاة في رجب تصلى في الليل على أثر صيام أول خميس فيه، وهذه الصلاة هي موضوع المساجلة العلمية بين العز بن عبد السلام وابن الصلاح، انظرها مع مقدمتها. طبع المكتب الإسلامي.
(٣) انظر البداية والنهاية (١٤/ ٤١) .
(٤) المصدر السابق (١٤/٤٦)
(٥) المصدر نفسه (١٤/٨)
(٦) المصدر نفسه (١٤/ ٣٤) .
(٧) انظر البداية والنهاية (١٤/ ٤٩ - ٥٠) .
[ ١٦٣ ]
وما فيه من فوضى جعلت موضوع " الجهاد في سبيل الله" الذي هو من أشرف الأعمال وأعظمها صورة نظرية تقرأ في نصوص الكتاب والسنة وأقوال العلماء، أو انحصرت في مسألة واضحة- لا يزال المسلمون يعيشون أحداثها- في جهادهم للنصارى. وقد هيأ الله لهذه الأمة في هذا الوضع رجلًا يقوم بدور كبير في هذا المجال وفي هذه الأحوال، وقد ظهرت مواقف ابن تيمية وجهاده العظيم من خلال مايلي:
أ- توضيح حال التتار، وأنه يجب قتالهم- لاتفاق العلماء على وجوب قتال كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام- ثم بيانه لأحوال التتار وأنه ينطبق عليهم هذا الحكم- وقد تقدم بيان ذلك.
ب- بيان أسباب النصر، وأن التتار- على قوتهم وكثرتهم ورهبة الناس منهم- ليس مستحيلا أو صعبا النصر عليهم متى ما أخذ المسلمون بأسباب النصر من تحكيم الشرع ورفع الظلم ونشر العدل، وإخلاص النية في الجهاد في سبيل اللة، ولذلك نجده في معركة " شقحب " (١) يأمر الناس بالفطر اقتداء بالنبي - ﷺ - عام الفتح وأفطر معهم، وكذلك لما حض السلطان على الجهاد سأله السلطان أن يقف معه فقال له الشيخ: السنة أن يقف الرجل تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم (٢)، وقبيل المعركة- وابن تيمية يحض على الجهاد- كان يحلف للأمراء والناس: إنكم في هذه الكرة منصورون فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج:٦٠] . (٣) .
_________________
(١) شقحب كجعفر، موضع قرب دمشق، وهي قرية صغرة قبلي دمشق على تخوم أرض حوران تبعد عن دمشق ٣٧ كيلو مترا. وشقحب تقع تحت جبل غباغب وهي قرية في أول عمل حوران، انظر: تاج العروس (١/٣٢٤) ط بولاق، ومعجم البلدان (٤/١٨٤)، والسلوك (١/٩٣٢)، وأعلام الورى لابن طولون (ص: ١٦٦) حاشية المحقق.
(٢) انظر: البداية والنهاية (١٤/٢٦) .
(٣) المصدر السابق (١٤/٢٣) وفيه وقع تحريف في الآية.
[ ١٦٤ ]
ب- ثم نجدهـ بعد جهاده لهؤلاء والانتصار عليهم- يحلل تلك المعارك ويبين الدروس المستفادة منها، ويقف فيها وقفات يبين وجه الشبه بين ما جرى مع التتار وغزوات النبى - ﷺ -، يقول في بداية كلامه: " إن هذه الفتنة التي ابتلى بها المسلمون من هذا العدو المفسد الخارج عن شريعة الاسلام، قد جرى فيها شبيه ما جرى للمسلمين مع عدوهم على عهد رسول الله - ﷺ - في المغازي التى أنزل الله فيها كتابه، وابتلى بها نبيه والمؤمنين، ما هو أسوة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا إلى يوم القيامة، فإن نصوص الكتاب والسنة اللذين هما دعوة محمد - ﷺ - يتناولان عموم الخلق بالعموم اللفظى والمعنوي، أو بالعموم المعنوي. وعهود الله في كتابه وسنة رسوله تنال آخر هذه الأمة كا نالت أولها وإنما قص الله علينا قصص من قبلنا من الأم لتكون عبرة لنا، فنشبه حالنا بحالهم، ونقيس أواخر الأمم بأوائلها " (١)، ثم يذكر هذه الفتنة التي وقعت فيقول: " ونزلت فتنة تركت الحليم فيها حيران، وأنزلت الرجل الصاحي منزلة السكران، وتركت الرجل اللبيب لكثرة الوسواس ليس بالنائم ولا اليقظان وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان " (٢) .
ثم بين أقسام الناس في هذه الحادثة ووجه الاعتبار منها، ثم أخذ يقارن بين أحداث السيرة وبين ما وقع في هذه الفتنة مع التتار؛ فيعرض لحال الأعداء ولحال المؤمنين، ثم يتكلم عن المنافقين وأفعالهم وصفاتهم، مع مقارنة دقيقة بأحوالهم في عهد رسول الله - ﷺ - فيذكر تحزب الأحزاب من كل جانب على المدينة ثم يقول: " وهكذا هذا العام: جاء العدو من ناحيتي علو الشام، وهو شمال الفرات، وهو قبلي الفرات، فزاغت الأبصار زيغا عظيما، وبلغت القلوب الحناجر، لعظم البلاء، لا سيما لما استفاض الخبر بانصراف العسكر إلى مصر، وتقرب العدو وتوجهه إلى دمشق، وظن الناس بالله الظنونا:
هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام، حتى يصطلموا أهل الشام.
_________________
(١) العقود الدرية (ص: ١٢١) .
(٢) المصدر السابق (ص: ١٢٤) .
[ ١٦٥ ]
وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم كسرة وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر.
وهذا يظن أن أرض الشام ما بقيت تسكن ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام. وهذايظن أنهم يأخذونها ثم يذهبون إلى مصر فيستولون عليها، فلا يقف قدامهم أحد، فيحدث نفسه بالفرار إلى اليمن ونحوها.
وهذا- إذا أحسن ظنهـ قال: إنهم يملكونها العام كما ملكوها عام هولاكو سنة سبع وخمسين، ثم قد يخرج العسكر من مصر فيستنقذها منها كما خرج ذلك العام، وهذا ظن خيارهم.
وهذا يظن أن ما أخبره به أهل الآثار النبوية وأهل التحديث والمبشرات أماني كاذبة وخرافات لاغية.
وهذا قد استولى عليه الرعب والفزع حتى يمر الظن بفؤاده مر السحاب ليس له عقل يتفهم ولا لسان يتكلم.
وهذا قد تعارضت عنده الأمارات وتقابلت عنده الإرادات لاسيما وهو لا يفرق من المبشرات بين الصادق والكاذب
فلذلك استولت الحيرة على من كان متسما بالاهتدار، وتراجمت به الآراء تراجم الصبيان بالحصباء هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (١) .
وجهود ابن تيمية في جهاد التتار يمكن تلخيص أهم أحداثها فيما يلي:
أ- في عام ٦٩٧ هـ في يوم الجمعة ١٧ شوال عمل ميعادا للجهاد، وحرض عليه، وبين أجر المجاهدين، وكان ميعادا حافلا جليلًا (٢) .
٢- وفي عام ٦٩٩ هـ- حين قدم قازان بجيوشه إلى الشام- كانت له مواقف:
أ- ففي الاثنين ثاك ربيع الآخر توجه ابن تيمية وأعيان البلد إلى قازان
_________________
(١) المصدر السابق (ص: ١٤٩- ١٥٠)، وانظر: بقية التحليل الرائع لهذه الأحداث إلى (ص:١٧٥) .
(٢) انظر: البداية والنهاية (١٣/٣٥٢) .
[ ١٦٦ ]
لمقابلته، وأخذ الأمان للبلد، وكلمه ابن تيمة كلاما قويا، شديدا، وكان في موقفه مصلحة عطمة عاد نفعها للمسلمين (١)
ب- ولما كان التتر مستولين على مدينة دمشق فأرادوا الاستيلاء على قلعتها الحصينة، فأرسل ابن تيمية إلى نائب القلعة يقول له: لو لم يبق فيها إلا حجر واحد فلا تسلمهم ذلك إن استطعت، وقد حفظ هذا الحصن ولم يدخله التتار (٢) .
ب- خرج ابن تيمية مرة ثانية لمقابلة ملك التتر في العشرين من ربيع الآخر، فلم يتمكن من ذلك (٣)، ثم خرج لملاقاة بولاي فاجتمع به في فكاك من كان معه من أسارى المسلمين، فاستنقد كثيرا منهم من أيديهم وأقام عنده ثلاثة أيام ثم عاد (٤) .
د- بعد رحيل التتار من دمشق، بقيت البلد في خوف شديد لا يدري الناس متى يهجم التتار مرة أخرى، فاجتمع الناس حول الأسوار لحفظ البلد، وكان ابن تيمية يدور كل ليلة على الأسوار يحرض الناس على الصبر والقتال، ويتلو عليهم آيات الجهاد والرباط (٥) .
٣- في سنة ٧٠٠ هـ أشيع أن التتار قادمون لغزو الشام، فأصيب الناس بالرعب، يقول ابن كثير: " وفي مستهل صفر وردت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام وأنهم عازمون على دخول مصر، فانزعج الناس لذلك، وازدادوا ضعفا على ضعفهم وطاشت عقولهم وألبابهم، وشرع الناس في الهرب إلى بلاد مصر والشوبك والحصون المنيعة، فبلغت الحمارة إلى مصر خمسمائة، وبيع الجمل بألف والحمار بخمسمائة وبيعت الأمتعة والثياب والمغلات بأرخص الأثمان، وجلس الشيخ تقي الدين ابن تيمية في ثافي صفر بمجلسه في الجامع وحرض الناس
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١٤/٧) - وسبقت مصادرها- وكان ممن معه بدر الدين بن جماعة. السلوك (١/ ٨٨٩) .
(٢) انظر: البداية والنهاية (١٤/٧-٨) .
(٣) المصدر السابق (١٤/ ٨)، في السلوك (١/٨٩٢)، إنه لم يمكنه الاجتماع به لسكره.
(٤) المصدر نفسه (٤ ١/ ٠ ١)، والسلوك (١/٨٩٦) .
(٥) المصدر نفسه (١٤/١١) .
[ ١٦٧ ]
على القتال، وساق لهم الآيات والأحاديث الواردة في ذلك، ونهى عن الإسراع في الفرار، ورغب في إنفاق الأموال في الذب عن المسلمين وبلادهم وأموالهم، وأن ما ينفق في أجرة الهرب إذا أنفق في سبيل الله كان خيرا، وأوجب جهاد التتر حتما في هذه الكرة وتابع المجالس في ذلك، ونودي في البلاد: لا يسافر أحد إلا بمرسوم وورقة، فتوقف الناس عن السير، وسكن جأشهم، وتحدث الناس بخروج السلطان من القاهرة بالعسكر ودقت البشائر لخروجه، لكن كان قد خرج جماعة من بيوتات دمشق كبيت ابن صعرى، وبيت ابن فضل الله، وابن منجا، وابن سويد، وابن الزملكاني، وابن جماعة " (١)، ثم أرجف في ربيع الآخر بأمر التتر، وأن السلطان رجع إلى مصر فاشتد ذلك على الناس، وخرج الناس خفافا وثقالا هابين من المدينة وقد اشتدت الحال مع كثرة الأمطار والوحل والبرد، فذهب ابن تيمية إلى نائب الشام في المرج فثبتهم وقوى جأشهم، وبات عندهم فانتدبوه أن يذهب إلى السلطان يستحثه على المجيء، فسار إليه فلم يدركه إلا وقد دخل القاهرة، وتفرق الجند، لكن ابن تيمية قابل السلطان واستحثه على تجهيز العساكر إلى الشام وقال لهم: " إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن، ولم يزل بهم حتى جردت العساكر إلى الشام" (٢)، وأقام ابن تيمية بقلعة مصر ثمانية أيام يحثهم على الجهاد فأجابوه ثم رجع إلى الشام، ثم جاءت الأخبار إلى الشام أن التتار رجعوا فأمن الناس وسكن جأشهم.
٤- في سنة ٧٥٢ هـ كانت وقعة شقحب التي هزم فيها التتار وكان لابن تيمية دور عظيم فيها (٣) .
_________________
(١) البداية والنهاية (١٤/١٤) .
(٢) المصدر السابق (١٤/١٥)، وانظر: العقود (ص: ١١٩)، والكواكب (ص: ٩٥)، والرد الرافر (ص: ١٠٦)، والدرر الكامنة (١/١٦٢) .
(٣) انظر: العقود (ص: ١٧٥)، والبداية والنهاية (١٤/٢٥)، والكواكب (ص: ٩٦)، وبدائع الزهور (١/١/٤١٣)، والسلوك (١/٩٢٣)، والوثائق السياسية لعهد المماليك (ص: ٨٦) .
[ ١٦٨ ]
٥- وفي سنة ٧١٢ هـ وابن تيمية في مصر بعد محنته وسجنه ثم الإفراج عنه خرج مع السلطان قلاوون للجهاد في سبيل الله (١) .
هذه خلاصة مواقفه من التتار، وأسلوبه في معالجة هذه الفتن العظيمة التي حلت بالمسلمين. وفيها يتبين كيف أن هذا الإمام ذا المواقف المشهودة في مجال العلم والرد على الخصوم وتوضيح الحق للناس، كان إماما في الجهاد، وكان مثالا للشجاعة النادرة وقوة القلب وصدق اليقين بوعد الله في وقت ذهلت فيه قلوب الرجال.
ج-- جهاد النصارى والرافضة:
لم تشر أكثر المصادر إلى دور ابن تيمية في جهاد النصارى، قبل إجلائهم عن الشام نهائيا، إلا أن البزار (٢) يذكر في معرض ذكره لقوة قلبه وشجاعته فيقول: " وحدثوا أنهم رأوا منه في فتح عكة أمورا من الشجاعة يعجز الواصف عن وصفها، قالوا: ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله ومشورته وحسن نظره (٣) . وفتح عكا (٤) كان سنة ٦٩٠ هـ فيكون عمر ابن تيمية وقتها قرابة الثلاثين عاما فلا يستبعد أن يشارك في فتحها خاصة وأن ابن كثير قال في أحداث هذه السنة: " وفيها جاء البريد إلى دمشق في مستهل ربيع الأول لتجهيز آلات الحصار لعكا، ونودي في دمشق الغزاة في سبيل الله إلى عكا وخرجت العامة والمتطوعة يجرون في العجل، حتى الفقهاء والمدرسين والصلحاء " (٥) . فمن البعيد أن يتخلف ابن تيمية- والحالة هذهـ مع شغفه بالجهاد في سبيل الله.
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١٤/٦٧) .
(٢) هو: عمر بن على البزار، كان من أصحاب ابن تيمية، ولد سنة ٦٨٨ هـ- وتوفي سنة ٧٤٩ هـ. انظر: ذيل ابن رجب (٢/٤٤٤)، والرد الوافر (ص: ١٩٥)،، والدرر الكامنة (٣/٢٥٦) .
(٣) الأعلام العلية. (ص: ٦٨)، ونقلها عنه في الكراكب (ص: ٩٢) .
(٤) ويقال عكة، وهي مدينة حصينة على ماحل بكر الثام من عمل الأردن، معجم البلدان (٤/١٤٣)، وآثار العباد (ص: ٢٢٣)، والروض المعطار (ص: ٤١٠) .
(٥) البداية والنهاية (١٣/ ٠ ٣٢)، وانظر في فتح عكا السلوك (١/٧٦٣)، والملحق (ص: ٣- ٠ ١)، ومختصر أبي الفداء (٤/٢٤)، والأنس الجليل (٢/٨٩)، وتذكرة النبيه (١/١٣٧)
[ ١٦٩ ]
أما الرافضة: فقد كانوا يتحصنون في جبال الجرد والكسروانيين، وقد ذهب إليهم ابن تيمية سنة ٧٠٤ هـ ومعه جماعة من أصحابه فاستتابوا خلقا منهم وألزموهم شرائع الإسلام (١)، وفي سنة ٧٠٥ هـ- في أولها- خرج ابن تيمية ومعه طائفة من الجيش ونائب السلطنة فنصرهم الله عليهم وأبادوا خلقا منهم ومن فرقتهم الضالة، وقد حصل بسبب شهود ابن تيمية هذه الغزوة خير كثير، ولما رجع مع نائب الشام منتصرا امتلأت قلوب أعدائه حسدا له (٢) .
* * *
هذه نماذج من جهود ابن تيمية وربطه العلم بالعمل، وإذا كان موضوع هذا البحث يدور حول قضايا علمية في مواقفه من الأشاعرة، إلا أن هذه الجوانب العظيمة العملية في حياته أضفت على مواقفه وكلامه ورسائله وكتبه طابعا معينا، فلم تكن المحن التي مر بها، والمناظرات التي عقدت له وما لقي في سبيل الدفاع عن الحق وبيانه للناس من أذى وسجن قر دون أن تظهر للناس، وتأخذ حيزًا كبيرا من اهتمامهم، وتشغلهم أوقاتا طويلة يتابعون أحداثها ويتفاعلون معها.