كل عالم يبدأ حياته العلمية غالبا ما يبدؤها بتقليد شيوخه الذين أخذ عنهم ووثق في علومهم، والمتتبع لحياة شيخ الإسلام ابن تيمية يلمس منها أن ما أعطاه الله من ذكاء وقوة حافظة وسرعة إدراك وجو علمي مليء بالعلماء وبالكتب التى ألفها من كان قبلهم، ساعده على أن يكون ذا قدرة علمية مستقلة بعيدة عن التقليد الأعمى، ولذلك استمر طول حياته على منهج واحد لم يتغير، بخلاف بعض العلماء- خاصة من غاصوا في علم الكلام والفلسفة- تجد الواحد منهم يمر في حياته بأكثر من مرحلة، كل مرحلة لها منهج وطريقة تخالف المرحلة الأخرى.
_________________
(١) انظر: ذيل طبقات الحنابلة (٢/٣٥٢) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٢/٣٣٢) .
(٣) انظر: العبر (٣/٣٥٩)، وذيل ابن رجب (٢/٣١٥) .
(٤) انظر: أعلام النساء (٢/١٥٤) .
(٥) انظر: العقود (ص: ٣)، والكواكب (ص: ٥٢)، وانظر في شيوخ ابن تيمية: ديل ابن رجب (٢/٣٨٧)، والبداية والنهاية (١٤/١٣٦- ١٣٧)، والوافي (٧/١٦)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٤/١٤٩٦)، والدرر الكامنة (١/ ١٥٤) وغيرها.
[ ١٥٦ ]
ومع ذلك فنلمس- من خلال تتبع حياة ابن تيمية- رجوعه عن بعض المسائل التي قد يكون أخذها تقليدا، أو لم تتكامل معرفته بالشخص أو المسألة المعينة: فمثلا: يذكر أنه كان يحسن الظن بابن عربي الصوفي صاحب الفتوحات ثم عرف حقيقة حاله، يقول: " وأنا كنت قديما ممن يحسن الظن بابن عربى ويعظمه، لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من الفتوحات، والكنه، والمحكم المربوط، والدرة الفاخرة، ومطالع النجوم، ونحو ذلك، ولم نكن بعد اطلعنا على حقيقة مقصوده، ولم نطالع الفصوص ونحوه، وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه، ونكشف حقيقة الطريق، فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا، فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون، وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية والدين الإسلامي وحقيقة هؤلاء وجب البيان " (١) . ومرة حضر مع الصوفية وأقاموا سماعا لكنه لم يشاركهم يقول: " وكنت في أوائل عمري حضرت مع جماعة من أهل الزهد والعبادة والارادة، فكانوا من خيار أهل هذه الطبقة، فبتنا بمكان، وأرادوا أن يقيموا سماعا وأن أحضر معهم، فامتنعت من ذلك، فجعلوا لي مكانا منفردا قعدت فيه، فلما سمععوا وحصل الوجد والحال، صار الشيخ الكبير يهتف بى في حال وجده ويقول: يا فلان قد جاءك نصيب عظيم، تعال خذ نصيبك، فقلت في نفسي- ثم أظهرته لهم لما اجتمعنا-: أنتم في حل من هذا النصيب، فكل نصيب لا يأتي عن طريق محمد بن عبد الله فإني لا آكل منه شيئا، وتبين لبعض من كان فيهم ممن له معرفة وعلم أنه كان معهم الشياطين، وكان فيهم من هو سكران بالخمر" (٢) .
وهذه القصة كانت في أوائل عمره، وهنا يلحظ حرص هؤلاء الصوفية عليه لادخاله في زمرتهم، لكن موقفه القوي ووضوح العقيدة عنده ومعرفته بأحوالهم يدل على وعي مبكر بحال هذه الطائفة المنحرفة، ولذلك استمر في موقفه منها ورد عليها وفضح دعاتها. كما حدث له في مسألة"حلول الحوادث- الصفات الاختيارية لله تعالى- ومسألة الزيارة البدعية والشرعية ما يذكره بقوله: " ولكن هذه المسألة
_________________
(١) رسالة ابن تيمية إلى نصر المنبجى، مجموع الفتاوى (٢/٤٦٤- ٤٦٥)
(٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤١٨٠-٤١٩) .
[ ١٥٧ ]
[أي حلول الحوادث] ومسألة الزيارة وغيرهما حدث من المتأخرين فيها شبه، وأنا وغيري كنا على مذهب الآباء في ذلك، نقول في الأصلين بقول أهل البدع، فلما تبين لنا ما جاء به الرسول دار الأمر بين أن نتبع ما أنزل الله، أو نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فكان الواجب هو اتباع الرسول وأن لا نكون ممن قيل فيه ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان:٢١] وقد قال تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف:٢٤] " (١)، بل يذكر أنه صنف منسكا ذكر فيه استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها ثم تبين له أن ذلك بدعة، يقول: " وقد ذكر طائفة من المصنفين في المناسك استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها، وكنت قد كتبتها في منسك كتبته قبل أن أحج في أول عمري، لبعض الشيوخ جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لنا أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة، وأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يفعلوا شيئا من ذلك، وأن أئمة العلم والهدى ينهون عن ذلك، وأن المسجد الحرام هو المسجد الذي شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف وغير ذلك من العبادات " (٢) .
فهذه المواقف له تدل على المنهل الأصيل الذي انطلق منه، متبعا للكتاب والسنة ولو كان ذلك فيه مخالفة لما كان عليه الآباء والأجداد، أو ما يترسمه الشيوخ والعلماء والقضاة، فالحق أحق أن يتبع، والأمور لا توزن بكلام الناس وما اعتادوهـ ولو كانوا علماء فضلاء- وإنما توزن بميزان الحق والعدل المبني على الشرع المنزل.