لقد تبوأ شيخ الإسلام ابن تيمية مكانة ومنزلة عظيمة بين علماء عصره، وكان لذلك أسبابه، كما أن هذه المنزلة تمثلت في مظاهر مختلفة فمن أسباب ذلك:
ا- بعده عن المناصب أو أخذ رواتب من الدولة، وكان ذلك عن عزم منه وتصميم، فلم يتول القضاء أو الإمارة، كما لم يأخذ أجرا على الدروس التى كان يلقيها في دور الحديث أو الجامع؟ فقد عرض عليه قازان لما قابله أن يعمر حران
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١٤/٣٥)، والكواكب (ص: ٩٢)، وانظر: منهاج السنة (١/٥٨- ٦٦)، المحققة، وأيضا (٣/ ٢٤٤) .
(٢) انظر: العقود (ص: ١٧٩- ١٩٤)، تاريخ بيروت (ص: ٢٧)، والبداية والنهاية (١٤/ ٣٥)، والسلوك (٢/١٢)، وانظر موقفا من مواقفه في جهاده في مجموع الفتاوى (١١/ ٤٧٤) .
[ ١٧٠ ]
وأن يكتب برسمه أميرا عليها، فرفض ذلك (١)، كما أنه " لما سافر على البريد إلى القاهرة سنة سبعمائة وحض على الجهاد، رتب له مرتب في كل يوم، وهو دينار وتحفه وجاءته بقجة قماش، فلم يقبل من ذلك شيئا " (٢) . بل إن بعض حساده قد وشوا به إلى السلطان الناصر وأنه يطلب الملك وأنه دائما يلهج بذكر ابن تومرت (٣)، فأحضره بين يديه وقال له من جملة كلامه: " إنني أخبرت أنك قد أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ الملك "، فلم يكترث به، بل قال له بنفس مطمئنة وقلب ثابت، وصوت عال سمعه كثير ممن حضر: أنا أفعل ذلك؟ والله إن ملكك وملك المغل لا يساوي عندى فلسين، فتبسم السلطان لذلك وأجابه في مقابلته بما أوقع الله له في قلبه من الهيبة العظيمة: إنك والله لصادق، وإن الذي وشى بك الي كاذب " (٤) .
لقد أعطى هذا الموقف- من البعد عن المناصب والرواتب- ابن تيمية استقلالية وحرية، كما أبعد عنه وسائل الضغط النفسية والحسية فهو لا يشعر بأن لهم منة عليه، كما أنه لا يخاف قطع رزقه المتمثل براتب أو نحوه. وكان لذلك أثر في مكانته وهيبته في النفوس.
٢- توضيحه لأمور اشتبهت على علماء عصره:
أ- فالتتر اشتبه أمرهم على الناس- بعد ادعائهم الدخول في الإسلام فبين ابن تيمية أمرهم للناس، فنشطوا لقتالهم حتى انتصروا عليهم (٥) .
_________________
(١) انظر: الأعلام العلية (ص: ٧١) .
(٢) تتمة المختصر (٢/٤١٠)، ولما كان في السجن في الجب في مصر لم يقبل شيئا من النفقات ١لسلطانية، البداية والنهاية (١٤/٤٣)
(٣) هو: محمد بن عبد الله بن تومرت، مهدى الموحدين- الذين قامت دولتهم على أثر دولة المرابطين في المغرب، ولد سنة ٤٨٥ هـ، رتوفي سنة ٥٢٤ هـ. انظر: طبقات السبكى (٦/١٠٩) .
(٤) الأعلام العلية (ص: ٧٢-٧٣)، والكراكب (ص: ٩٨-٩٩) .
(٥) حول اشتباه أمرهم على الناس انظر- إضافة إلى نصوص الأسئلة التى وردت إلى ابن تيمية: رسالة السلطان قلاوون منة ٧٠١ هـ. النجوم الزاهرة (٨/١٤٤)، ورسالة أخرى في صبح الأعشى (٧/٢٤٩- ٢٥٠)، وانظر: الوثائق السياسية للعهد الصليبى والمغولي (ص: ٨١،٨٣-٨٧) .
[ ١٧١ ]
ب- كذلك اشتبه الناس في الأموال التي أخذت من الرافضة- النصيرية وغيرهم- فأجاب ابن تيمية المستفتي ووضح أمرهم للناس (١) .
ج- في سنة ٧٠١ هـ جاء اليهود من أهل خيبر، فأظهروا كتابا يزعمون أنه من رسول الله - ﷺ - وأن فيه إسقاط الجزية عنهم، فبين ابن تيمية كذبهم، ونقد الكتاب المزعوم نقدا حديثيا معتمدا على التاريخ؛ وذلك أن في هذا الكتاب شهادة سعد بن معاذ﵁ وقد توفي قبل خيبر، وشهادة معاوية ابن أبي سفيان﵁ ولم يسلم إلا بعد فتح خيبر بوقت (٢) . وقد سبق ابن تيمية إلى هذا النقد الخطيب البغدادى (٣) .
د- وفي سنة ٧١٧ هـ شرع في عمارة أحد جوامع دمشق الكبرى، فتردد القضاة في تحرير قبلته، فاستقر الحال في أمرها على ما قاله ابن تيمية (٤) .
هـ- وفي سجنهـ في القاهرة- كان- كما يقول ابن كثير- " تأتيه الفتاوى المشكلة التي لا يستطيعها الفقهاء من الأمراء وأعيان الناس، فيكتب عليها ما يحير العقول من الكتاب والسنة " (٥) .
٣- دوره في الجهاد في سبيل الله، ولم يكن فيه الجندي الشجاع فقط، وإنما كان القائد والمعلم، وصاحب المشورات والخطط العسكرية، وإذا خاض معركة مع التتار أو الروافض ورجع الجيش منتصرا كان ابن تيمية مقدم هذا الجيش الذي يحظى بتقدير واحترام الناس وإعجابهم الشديد.
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١٤/٧٨)
(٢) انظر البداية والنهاية (١٤/١٩)، وانظر أيضا (٤/٢١٩- ٢٢٠، ٥/٣٥١-٣٥٢) وقد وقف ابن كثير على هذا الخطاب.
(٣) هو: أحمد بن علي بن ثابت، حياته [٣٩٢ هـ- ٤٦٣ هـ] ترجمته في المصاد التالية: وانظر في قصة كشفه لتزويرهم هذا الكتاب: طبقات السبكي (٤/٣٥)، ومعجم الأدباء لياقوت (٤/١٨)، والبداية والنهاية (١٢/١٠١-١٠٢)، والاعلان بالتوبيخ (ص: ٢٦)، طبع مفردا- مؤسسة الرسالة- والمنار المنيف لابن القيم (ص: ١٠٥)، وانظر: حاشية المحقق- ومقاييس نقد متون السنة (ص: ١٨٨)، وانظر في بطلان ونقض الكتاب المزور أحكام أهل الذمة (١/٧-٩، ٢٣٥) .
(٤) انظر: البداية والنهاية (٤/٨١) .
(٥) انظر: المصدر السابق (١٤/٤٦) .
[ ١٧٢ ]
٤- أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وفضحه لأصحاب الحيل الشيطانية، وبيانه لأحوال أهل الفلسفة والكلام والطوائف الضالة، فكثيرا ما أقام الحدود على المرتدين، وكثيرا ما قام بكسر الخمارات، وعزر أصحابها. كا أنه بين أحوال أهل الضلالة- في عصرهـ أو من قبله ممن قد تكون له مكانة في نفوس بعض الناس.
٥- ومن أهم أسباب تبوئه لهذه المكانة والمنزلة العلم الغزير، فهو إن درس أو خطب، أو أفتى، أو كتب رسالة أو كتابا في أي فن من الفنون أتى في ذلك بما يفوق علماء عصره، وما يبهر عقولهم، ولذلك صار ابن تيمية موضع ثقة الناس يسألونه عن كل ما عن لهم. وإذا اختلف اثنان- وقد يكونان من العلماء أو طلبة العلم، كا يدل على ذلك أسلوب بعض الأسئلة- كان مرجعهما والفيصل بينهما ما يقوله ابن تيمية، ولذلك صارت الأسئلة تأتيه من الأطراف ومن البلاد البعيدة، والأصل في ذلك كله الثقة في علومه ونهجه في النظر والاستدلال.
هذه أهم أسباب تبوئه لهذه المنزلة، وقد تجلت هذه المنزلة في مظاهر عديدة ا) ما سبقت الإشارة إليه في عرض الأسباب من استفتائه في الأمور المشكلة وغيرها. وانتدابه للحض على الجهاد، كما حدث في انتدابه إلى مصر ليحض السلطان على المجيء إلى الشام.
٢) تولية المناصب المهمة- أصبح غالبا- بإشارة ابن تيمية، فمثلا تولية النائب الأفرم- نائب دمشق- ونقله إلى نيابة طرابلس كان بإشارة ابن تيمية (١)، ولما آذى النائب الجديد لدمشق الناس، تم عزله بإشارة ابن تيمية (٢) .
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١٤/ ٦٠- ٦١) .
(٢) المصدر السابق (١٤/ ٦١-٦٢) .
[ ١٧٣ ]
٣) وفي سنة ٧٠٩ هـ كان موقفه المشهور من أهل الذمة، فألزموا باللباس المميز لهم، وكذلك ورد سنة ٧١٢ هـ خطاب إلى دمشق أن لا يولى أحد بمال ولا رشوة (١) .
٤) بل المناصب الشرعية من الخطابة، وإدارة دور الحديث كان يعين أصحابها بإشارة من ابن تيمية، كما حدث سنة ٧٠٣ هـ (٢) .