لقد تحدث مترجموه عما اشتهر عنهـ رحمه الله تعالى- من العبادة والزهد والورع والإيثار والتواضع والكرم الجم (١) .
وأبرز ما في عبادته صدق توكله على ربه وإيمانه بقضائه وقدره ولذلك فهو في أشد حالات الايذاء والمضايقة تجده يكون في أشد حالات التوكل والثقة بالله تعالى، ولما جاءه الخبر بنفيه إلى الاسكندرية وقيل له: هم عاملون على قتلك أو نفيك أو حبسك فقال لهم: " أنا إن قتلت كانت لي شهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إلى قبرص لدعوت أهلها إلى الله وأجابوني، وإن حبسوني كان لي معبدا، وأنا مثل الغنمة كيفما تقلبت تقلبت على صوف " (٢) . ومن أقواله: " إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة " (٣) يقول ابن القيم وقال لي مرة: " ما يصنع أعدئي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري،
_________________
(١) انظر: الأعلام العلية (ص: ٣٦- ١ ٤، ٢ ٤، ٤٨، ٦٣)، والكواكب (٨٣-٨٨) .
(٢) ناحية من حياة شيخ الاسلام بقلم خادمه (ص: ٣٠) .
(٣) الوابل الصيب (ص: ٦٠) - ط دار البيان.
[ ٢١١ ]
إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة " (١) ويقول ابن القيم: " وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندى شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا، وكان يقول في سجوده وهو محبوس:" اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" ما شاء الله، وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه " (٢) ويقول ابن القيم أيضا: "وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والارهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا، وأشرحهم صدرا وأقواهم قلبا وأسرهم نفسا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة " (٣) . ويقول ابن القيم عن ذكره لربه: " وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله تعالى روحه يقول: " الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء.. وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إلي وقال: " هذه غدوتي ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي " (٤) .