لما كانت موازين علماء أهل السنة ثابتة، ومنطلقاتهم مرتكزة على أساس متين لم تتغير مواقفهم من أهل الأهواء الذين يستحدثون بدعهم في كل زمن. ولذلك حذر السلف من أهل الكلام عموما وردوا بدعهم بل حذروا من علم الكلام الذى دخل منه الجهمية والمعتزلية والقدرية والرافضة وغيرهم.
والكلابية- وان كانوا موافقين لأهل السنة في الرد على الجهمية والمعتزلة والرافضة وغيرهم- إلا أنهم تلبسوا بأشياء من أقوال أهل الكلام وبدعهم، ومن ثم ذمهم السلف وحذروا من أقوالهم التي خالفوا فها أهل السنة، وهذه نماذج لمواقف السلف منهم:
أ- موقف الامام أحمد من الكلابية، فقد كان﵀- معاصرا لزعمائهم ولذلك حذر منهم، ومواقفه من الحارث المحاسبي مشهورة، والإمام أحمد وإن كان لا يعجبه تصوف الحارث الا أن سبب هجره والتحذير منه إنما كان لقوله بأقوال أهل الكلام ويجمع على هذا جميع مترجمي المحاسبي تقريبا (٢)،
والعجب من السبكي حين يجعل موقف الامام أحمد من المحاسبي من كلام الأقران
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/٢٧٠) .
(٢) انظر: تاريخ بغداد (٤/٢١٤)، والكامل في التاريخ (٧/٨٤)، وميزان الاعتدال (١/٤٣٠)، وتلببس إبليس (ص: ١٦٢) - منيرية-، وشرح الكوكب المنير (ص: ٤٧) من التصويب، وطبقات الحنابلة (١/٦٢-٦٣) .
[ ٤٦٩ ]
الذين لا يقبل قول بعضهم في بعض (١)، ولا شك أن القاعدة التي ذكرها السبكي لها قيمة كبرى في الجرح والتعديل ولكن تطبيقه لها هنا لم يصادف محلا، لأن الإمام أحمد انتقد عقيدة المحاسبي والبراهين واضحة جلية في دخوله علم الكلام وقوله ببعض أقوالهم، ولو سلمت هذه القاعدة بإطلاق لما قبل قول السلف في معاصريهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والقدرية وغيرهم، وهذا مالا يقول به السبكي ولا غيره.
ب- موقف الامام ابن خزيمة:
كان في زمن ابن خزيمة علمان من أعلام الكلابية:
أحدهما: أبو علي الثقفي، وهو شيخ خراسان أبو على محمد بن عبد الوهاب ابن عبد الرحمن بن عبد الوهاب، الثقفي، النيسابوري، الشافعي، الواعظ الزاهد ولد سنة ٢٤٤ هـ، قال عنه الصبغي:"ما عرفنا الجدل والنظر حتى ورد أبو علي الثقفي من العراق" (٢)، وقال أبو عبد الرحمن السلمي:"كان إماما في أكثر علوم الشرع، مقدما في كل فن منه، عطل أكثر علومه واشتغل بعلم الصوفية وتكلم فيه أحسن كلام" (٣)، وقال عنه البغدادي:"شيخ العلوم على الخصوص والعموم" وقال:"وتصانيف الثقفي ونقوضه على أهل الأهواء زائدة على مئة كتاب" (٤) وقال عنه الذهبي:"ومع علمه وكماله خالف الإمام ابن خزيمة في مسائل التوفيق والخذلان، ومسألة الايمان، ومسألة اللفظ، فألزم البيت، ولم يخرج منه الى أن مات وأصابه في ذلك محن" (٥) توفى الثقفي سنة ٣٢٨ هـ (٦) .
_________________
(١) انظر: الطبقات للسبكي (٢/٢٧٨)، وقاعدة في الجرح والتعديل (ص: ٤٧)، والرفع والتكميل (ص: ٢٦٣) .
(٢) سير أعلام النبلاء (١٥/٢٨٢) .
(٣) طبقات الصوفية (ص: ٣٦١) .
(٤) أصول الدين (ص:٣٠٠) .
(٥) السير (١٥/٢٨٢) .
(٦) انظر: في ترجمته اضافة الى المصادر السابقة الرسالة القشيرية (١/١٦٤)، وقال: به ظهر التصوف بخراسان، والأنساب (٣/١٣٥) وغيرها.
[ ٤٧٠ ]
والثاني: أبو بكر الصبغي، وهو الإمام أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب بن يزيد، النيسابورى الشافعي المعروف بالصبغي، ولد سنة ٢٥٨ هـ كان يخلف إمام الأئمة ابن خزيمة في الفتوى بضع عشرة سنة، ومن تصانيفه كتاب الأسماء والصفات، وكتاب الايمان، وكتاب القدر، وكتاب الخلفاء الأربعة، وكتاب الرؤية، وكتاب الأحكام، وكتاب الإمامة، توفى سنة ٣٤٢ هـ (١)، والعجيب أن ابن فورك الذي رد على كتاب التوحيد لابن خزيمة، رد أيضا على أحد كتب الصبغي وهو كتاب " الأسماء والصفات" (٢) . هذان الامامان: الثقفي والصبغي كانا من أخص تلامذة ابن خزيمة، وولكنهما مع إثباتهما للصفات كما يثبتها إلا أنهما يقولان بقول ابن كلاب أن الله لا يتكلم إذا شاء متى شاء وإنما كلامه أزلى، فلما علم بذلك ابن خزيمة ثارت ثائرته وغضب عليهم وعلى من معهم ممن يقول بقولهم، وجرت بينه وبينهم وقائع استتيبوا من قولهم، وهي قصة طويلة ذكرها الحاكم في تاريخ نيسابور، ونقل بعض أحداثها شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي (٣) .
ج- أما غير الامام أحمد وابن خزيمة، فأبو عبد الرحمن السلمي كان يلعن الكلابية (٤)، وكذلك أبو نصر السجزى (٥)،وغيرهما (٦) .
_________________
(١) انظر: في ترجمته: الأنساب (٨/٣٣) - ط لبنان-، وسير أعلام النبلاء (١٥/٤٨٣)، وطبقات السبكي (٣/٩) .
(٢) انظر: مشكل الحديث وبيانه لابن فورك (ص:٢٠١) وما بعدها- ط المكتبة المصرية-.
(٣) انظر: درء التعارض (٢/٧٧) وما بعدها، والسير (١٤/٣٧٧) وما بعدها.
(٤) عن درء التعارض لابن تيمية (٢/٨٢) .
(٥) انظر: رسالة الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: ٨٧-٨٨) - ط على الآلة الكاتبة-.
(٦) انظر: درء التعارض (٢/٨٣) .
[ ٤٧١ ]
الجزء الثاني
[ ٢ / ٤٧٣ ]