وهذا الكتاب من أعظم كتب ابن تيمية، وقد ألفه في الرد على الأشاعرة الذين يقولون بوجوب تقديم العقل على النقل إذا تعارضا، وجعلوا ذلك قانونا كليا لهم، ومن الذين قالوا بهذا القانون الرازي (٢) وأتباعه، والغزالي (٣)، والجويني (٤)، والقاضي أبو بكر بن العربى (٥)، وغيرهم.
وقد ألف ابن تيمية هذا الكتاب بعد تأليفه لنقض أساس التقديس، وقد رجح المحقق﵀- أنه ألفه بعد وصوله إلى الشام من مصر أي بين عامي ٧١٢- ٧١٨ هـ (٦)، ويقول ابن تيمية مشيرا إلى ذلك " وهذه الطريقة هي ثابتة في الأدلة الشرعية والعقلية، فإنا قد بينا في الرد على أصول الجهمية النفاة للصفات في الكلام على تأسيس التقديس وغيره " (٧)، فهذا النص أخر تأليف هذا الكتاب عن كتابه الآخر الذي ألفه في مصر نقض أساس التقديس، ونلمح هنا التدرج التأليفي في نقض أصول الأشاعرة، فهو في البداية رد على أدلتهم مباشرة وأجاب عن الاعتراضات الواردة عليها، ثم رأى أن هؤلاء إنما يعتمدون في شبههم واعتراضاتهم على ما كتبه شيخهم ومقدمهم الرازي فرأى أن من تمام الكلام في نقض كلامهم نقض كلام شيوخهم- كالرازي- فألف نقض أساس التقديس،
_________________
(١) كتاب الرازي يقع في ١٩٦ وعدد الصفحات التي شملها الرد- المخطوط والمطبوع- ما يقارب ٦٠ صفحة فقط.
(٢) في كتبه ومنها: أساس التقديس (ص: ١٧٢) .
(٣) في كتابه قانون التأويل. طبع مع معارج القدس للغزالمط. مكتبة الجندى.
(٤) انظر مثلا: الإرشاد (ص: ٣٥٨) .
(٥) انظر: قانون التأويل له (ص: ٦٤٦-٦٤٧) .
(٦) انظر: درء تعارض العقل والنقل (ج-١ االمقدمة ص: ٧-. ١) .
(٧) درء تعارض العقل والنقل (١٤/٢١٨) .
[ ٢٠٦ ]
ثم بعد ذلك رأى أن الرازى وأمثاله ليسوا مستقلين بذلك استقلالا كاملا وإنما مادة كلامهم من كلام الفلاسفة فأراد أن يكمل الرد بنقض أصولهم الفلسفية فجاء هذا الكتاب! درء تعارض العقل والنقل " الذي لم يكن مقتصرا على جواب هذه المسألة فقط: تقديم العقل على النقل، وإنما حوى مباحث طويلة مع الفلاسفة - شيوخ الرازي- وغيرهم، ونقل أقوالهم وبين من وجوه عديدة أنواعا من تناقضاتهم ورد بعضهم على بعض.
والكتاب- والحمد للهـ وصل إلينا كاملا ونشر نشرا علميا ممتازا، فجزى الله محققه خيرا وغفر له ورحمه.