دلَّ الكتاب والسنة والإجماع والعقل على دخول العمل في مسمى الإيمان وأنه ركن فيه لا ينفع الإيمان إلا به.
أدلة الكتاب: تنوعت دلالة الكتاب على ركنية العمل ودخوله في مسمى الإيمان، فمن ذلك:
أولًا: نفي الإيمان وإطلاق الكفر على من تولى عن الطاعة: كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٤٧].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].
_________________
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٣١٨) رقم (٦٤١)، والآجري في الشريعة (٢/ ٦٨٢)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٨٥) رقم (١٢٢٣).
[ ١٠٣ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢].
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٤ - ١٦].
وقوله تعالى على لسان موسى وهارون ﵉: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨].
قال شيخ الإسلام: «قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٤٧]، والتولي: هو التولي عن الطاعة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٦]، وقال تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢]، وقد قال تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٥، ١٦]» (١).
قال شيخ الإسلام: «فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل، وإن كان قد أتى بالقول ففي القرآن والسنة من نفي الإيمان عمن لم يأت بالعمل مواضع كثيرة، كما نفى فيها الإيمان عن المنافق» (٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ١٤٢).
(٢) المرجع السابق (٧/ ١٤٢).
[ ١٠٤ ]
ثانيًا: أن الله تعالى قرن الإيمان بالعمل الصالح في مواضع كثيرة من كتابه:
فتارة يعلق عليهما دخول الجنة، كقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥].
وكقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧].
وكقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخرُف: ٧٢].
وقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١].
قال ابن بطة - ﵀ -: «فتفهموا رحمكم الله هذا الخطاب، وتدبروا كلام ربكم ﷿، وانظروا هل ميز الإيمان من العمل، أو هل أخبر في شيء من هذه الآيات أنه ورث الجنة لأحد بقوله دون فعله؟ ألا ترون إلى قوله ﷿: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخرُف: ٧٢]، ولم يقل: بما كنتم تقولون.
وقال ﷿: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، ولم يقل: بما قالوا» (١).
_________________
(١) الإبانة الكبرى (٢/ ٧٨٧، ٧٨٨).
[ ١٠٥ ]
وتارة يعلق عليهما المغفرة: كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج: ٤٩، ٥٠].
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ: ٤].
وتارة يعلق عليهما تكفير السيئات: كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧].
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التغابن: ٩].
وتارة يعلق عليهما توفية الأجر: كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٧].
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧].
[ ١٠٦ ]
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩، ٣٠].
وهذا كله يدل على أن الإيمان والعمل الصالح سيَّان وقرينان لا ينفك أحدهما عن الآخر، ولا يصح أحدهما إلا بالآخر.
قال الآجري - ﵀ -: «اعلموا رحمنا الله وإياكم يا أهل القرآن إن تدبرتم القرآن، كما أمركم الله تعالى، علمتم أن الله تعالى أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله: العمل، وأنه تعالى لم يثن على المؤمنين بأنه قد رضي عنهم وأنهم قد رضوا عنه وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة والنجاة من النار، إلا بالإيمان والعمل الصالح وقرن مع الإيمان العمل الصالح، لم يدخلهم الجنة بالإيمان وحده، حتى ضم إليه العمل الصالح، الذي قد وفقهم له
واعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم أني قد تصفحت القرآن فوجدت فيه ما ذكرته في ستة وخمسين موضعًا من كتاب الله ﷿ أن الله ﵎ لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده، بل أدخلهم الجنة برحمته إياهم، وبما وفقهم له من الإيمان به، والعمل الصالح، وهذا رد على من قال: الإيمان: المعرفة، ورد على من قال: المعرفة والقول، وإن لم يعمل نعوذ بالله من قائل هذا» (١).
_________________
(١) الشريعة (٢/ ٦١٨، ٦١٩).
[ ١٠٧ ]
ثالثًا: وعيد الله الشديد في القرآن لمن أضاع العمل: قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].
استدل بهذه الآية ابن القيم على كفر تارك الصلاة وقال - ﵀ -: «وجه الدلالة من الآية أن الله سبحانه جعل هذا المكان من النار لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات، ولو كان مع عصاة المسلمين لكانوا في الطبقة العليا من طبقات النار ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو أسفلها، فإن هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام بل من أمكنة الكفار، ومن الآية دليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: ٦٠]، فلو كان مضيع الصلاة مؤمنًا لم يشترط في توبته الإيمان وأنه يكون تحصيلًا للحاصل» (١).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣].
والمراد بالإيمان في هذه الآية: الصلاة، قال الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان: باب الصلاة من الإيمان، وقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣].
ثانيًا: الأدلة من السنة على أن العمل من الإيمان:
- حديث جابر بن عبد الله - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (٢).
- وحديث عبد الله بن بريدة - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (٣).
_________________
(١) الصلاة وأحكام تاركها ص (٤٧).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٨٨) رقم (٨٢).
(٣) أخرجه أحمد (٣٨/ ٢٠) رقم (٢٢٩٣٧)، والترمذي (٥/ ١٣) رقم (٢٦٢١)، والنسائي (١/ ٢٣١) رقم (٤٦٣)، وابن ماجه (١/ ٣٤٢) رقم (١٠٧٩).
[ ١٠٨ ]
- وحديث أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ الله وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا الله فِي ذِمَّتِهِ» (١).
وروي «أن عمر - ﵁ - لما طعن أخذته غَشْية، فقال بعض الصحابة: إنكم لن تفزعوه إلا بالصلاة، فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين، ففتح عينيه، وقال: أصلى الناس؟ قلنا: نعم، قال: أما إنه لا حظ في الإسلام لأحد أضاع الصلاة ثم صلى وجرحه يثعب دمًا» (٢).
وكذلك روي عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء - ﵃ - أنهم قالوا: «من ترك الصلاة فقد كفر» وهذا حجة لمن قال العمل من الإيمان (٣).
ولذا كان كثير من العلماء يذكرون باب ما جاء في ترك الصلاة أو كفر تارك الصلاة، ضمن كتاب الإيمان؛ فمن هؤلاء:
- الإمام أبو عيسى الترمذي فقد قال في جامعه في أبواب الإيمان: باب ما جاء في ترك الصلاة، وضمنه الأدلة الدالة على كفر تارك الصلاة (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٨٧) رقم (٣٩١).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٣٩) رقم (٥١)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٤٣٨) رقم (٣٧٠٦٧)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٨٩٢) رقم (٩٢٣)، والطبراني في المعجم الأوسط (٨/ ١٣٠) رقم (٨١٨١)، والدارقطني في سننه (١/ ٤١٧) رقم (٨٧٠).
(٣) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٣/ ٧٥٣).
(٤) جامع الترمذي (٤/ ٣٠٩).
[ ١٠٩ ]
- ومنهم الإمام أبو بكر الآجري فقد عقد بابًا في كتابه الشريعة بعنوان: باب ذكر كفر من ترك الصلاة (١)، تحت تفريع معرفة الإيمان والإسلام وشرائع الدين.
- ومنهم تلميذه الإمام أبو عبد الله بن بطة في كتابه الإبانة الكبرى، عقد في أبواب كتاب الإيمان بابًا في كفر تارك الصلاة ومانع الزكاة وإباحة قتالهم وقتلهم إذا فعلوا ذلك (٢).
- ومنهم الإمام اللالكائي في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة.
وأما الإمام أبو داود السجستاني فقد عقد في كتاب السنة من سننه بابًا في رد الإرجاء (٣)، وذكر فيه حديث جابر - ﵁ - مرفوعًا: «بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ» (٤).
ثالثًا: الإجماع:
نقل إجماعَ أهل السنة على كفر تارك العمل بالكلية غيرُ واحد من سلف الأمة وأئمتها، فمنهم:
- محمد بن إدريس الشافعي، حيث قال: «كان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر» (٥).
_________________
(١) الشريعة (٢/ ٦٤٤).
(٢) الإبانة الكبرى (٢/ ٦٦٩).
(٣) سنن أبي داود (٤/ ٢١٩).
(٤) سنن أبي داود (٤/ ٢١٩) رقم (٤٦٧٨).
(٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٥/ ٩٥٧).
[ ١١٠ ]
- ومنهم الإمام العلامة أبو إبراهيم المزني المصري، حيث قال: «الإيمان قول وعمل مع اعتقاده بالجنان، قول باللسان وعمل بالجوارح والأركان، وهما سيان ونظامان وقرينان لا نفرق بينهما، لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان» ثم ذكر سائر الاعتقاد، ثم قال: «هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى» (١).
- والإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري، حيث قال: «باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح لا يكون مؤمنًا إلا أن تجتمع فيه هذه الخصال الثلاث» (٢).
- والشيخ الإمام أبو عبد الله ابن بطة العُكْبَري، حيث قال: «باب بيان الإيمان وفرضه، وأنه تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والحركات، لا يكون العبد مؤمنًا إلا بهذه الثلاث» (٣).
- وشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، حيث يرى أن إجماع الصحابة والتابعين ومن اتبعهم واقع على أن الإيمان نية وقول وعمل لا يجزئ واحد منها إلا بالآخر، وأن من آمن بجميع ما ذكره من عقود القلب في حديث جبريل من وصف الإيمان ولم يعمل بما ذكره من وصف الإسلام لا يكون مؤمنًا (٤).
_________________
(١) شرح السنة ص (٧٧ - ٨٩).
(٢) الشريعة (٢/ ٦١١).
(٣) الإبانة الكبرى (٢/ ٧٦٠).
(٤) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٣٠٨).
[ ١١١ ]
- ومنهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - يقول: «لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلمًا» (١)، فحكى - ﵀ - عدم الخلاف وهي من عبارات نقل الإجماع.
- والشيخ سليمان بن سحمان، حيث قال: «اعلم أن من ترك الصلاة والزكاة والصيام والحج فهو كافر بإجماع المسلمين» (٢).
وقد توافرت النصوص عن الصحابة في إكفار تارك الصلاة ولم ينقل عن أحدهم خلاف ذلك:
فعن أبي المليح الهذلي، قال: سمعت عمر - ﵁ - على المنبر يقول: «لا إسلام لمن لم يصلِّ» (٣).
وقال أيضًا - ﵁ -: «لا حظ في الإسلام لامرئ ترك الصلاة» (٤).
وقال ابن مسعود - ﵁ -: «من ترك الصلاة فلا دين له» (٥).
وقال أبو الدرداء - ﵁ -: «لا إيمان لمن لا صلاة له» (٦).
_________________
(١) كشف الشبهات ص (٥٤).
(٢) كشف الشبهات التي أوردها عبد الكريم البغدادي ص (١٢).
(٣) تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٨٩٧) رقم (٩٣٠).
(٤) تقدم تخريجه ص (١٠٢).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ١٦٧) رقم (٣٠٣٩٧)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٣٥٩) رقم (٧٧٢)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٨٩٨)، وأبو بكر الخلال في السنة (٤/ ١٤٧) رقم (١٣٨٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٩١) رقم (٨٩٤١).
(٦) أخرجه ابن نصر المروزي (٢/ ٩٠٣) رقم (٩٤٥)، وأبو بكر الخلال في السنة (٤/ ١٤٦) رقم (١٣٨٤)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٦٧٩) رقم (٧٨٨)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٩٠٩) رقم (١٥٣٦).
[ ١١٢ ]
وقد نقل جماعة من أهل العلم إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة:
- قال مجاهد بن جبر: قلت لجابر بن عبد الله - ﵁ -: ما كان يَفْرق بين الكفر والإيمان عندكم من الأعمال في عهد رسول الله - ﷺ -؟ قال: «الصلاة» (١).
وقوله: «عندكم» أي: عند الصحابة - ﵃ -.
- وقال عبد الله بن شقيق: «لم يكن أصحاب النبيِّ - ﷺ - يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة» (٢).
- وقال الحسن البصري: بلغني أن أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يقولون: «بين العبد وبين أن يشرك فيكفر أن يدع الصلاة من غير عذر» (٣).
- وقال أيوب السختياني: «ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه» (٤).
وسبب تكفير الصحابة لتارك الصلاة ظهور النصوص الدالة على ذلك ولأنه لا يمكن أن يوجد في القلب إيمان بلا عمل، قال شيخ الإسلام: «ثم القلب هو الأصل فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح:
_________________
(١) أخرجه ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٨٧٧) رقم (٨٩٣).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه (٥/ ١٤) رقم (٢٦٢٢)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٩٠٤) رقم (٩٤٨)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ١٧٢) رقم (٣٠٤٤٦)، وأبو بكر الخلال في السنة (٤/ ١٤٤) رقم (١٣٧٨).
(٣) أخرجه أبو بكر الخلال في السنة (٤/ ١٤٢) رقم (١٣٧٢)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٦٧٣) رقم (٨٧٧)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٩١٠) رقم (١٥٣٩).
(٤) أخرجه ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٩٢٥) رقم (٩٧٨).
[ ١١٣ ]
«أَلَا وَإِنَّ فِي الجسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الجسَدِ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الجسَدِ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (١).
وقال أبو هريرة: القلب ملك والأعضاء جنوده؛ فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده
فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علمًا وعملًا قلبيًّا لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد» (٢).
فالظاهر والباطن متلازمان، لا يكون الظاهر مستقيمًا إلا مع استقامة الباطن، وإذا استقام الباطن فلا بد أن يستقيم الظاهر.
وقد تتابعت أقوال أئمة أهل السنة من بعد الصحابة في أن الإيمان لا يقوم إلا بالعمل، فمنهم:
- عبيد بن عمير المكي، قال: «ليس الإيمان بالتمني، ولكن الإيمان قول يعقل وعمل يعمل» (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٢٠) رقم (٥٢)، ومسلم (٣/ ١٢١٩) رقم (١٥٩٩) من حديث النعمان ابن بشير - ﵁ -.
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ١٨٧).
(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٣١٧) رقم (٦٣٩)، وأبو بكر الخلال في السنة (٤/ ٨١) رقم (١٢١٢)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٨٠٤) رقم (١٠٩٢)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٧٣).
[ ١١٤ ]
- سعيد بن جبير قال في جوابه عن أسئلة عبد الملك بن مروان: «سألتَ عن الإيمان، قال: فالإيمان هو التصديق، أن يصدق العبد بالله وملائكته وما أنزل من كتاب، وما أرسل من رسول، وباليوم الآخر، وتسأل عن التصديق: والتصديق أن يعمل العبد بما صدق به من القرآن، وما ضعف عن شيء منه وفرط فيه عرف أنه ذنب، واستغفر الله، وتاب منه ولم يصر عليه، فذلك هو التصديق، وتسأل عن الدين: والدين العبادة، فإنك لن تجد رجلًا من أهل دين يترك عبادة أهل دينه، ثم لا يدخل في دين آخر إلا صار لا دين له» (١).
- الحسن بن أبي الحسن البصري، قال: «إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، إنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل» (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية شارحًا قول الحسن: «وقوله: ليس الإيمان بالتمني، يعني الكلام، وقوله: بالتحلي، يعني أن يصير حلية ظاهرة له فيظهره من غير حقيقة من قلبه، ومعناه ليس هو ما يظهر من القول ولا من الحلية الظاهرة ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، فالعمل يصدق أن في القلب إيمانًا وإذا لم يكن عمل كذب أن في قلبه إيمانًا؛ لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم» (٣).
_________________
(١) أخرجه ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٤٦) رقم (٣٤٥).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ١٦٣) رقم (٣٠٣٥١)، وفي الإيمان ص (٣٨) رقم (٩٣)، وأحمد ابن حنبل في الزهد ص (٢١٣) رقم (١٤٨٣)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٨٠٥) رقم (١٠٩٣).
(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٩٤).
[ ١١٥ ]