النوع الأول: الشفاعة العظمى:
وهي الشفاعة الأولى الخاصة بالنبي محمد - ﷺ - حينما يطول الموقف على الناس في الحشر ويشتد بهم الكرب وتدنو منهم الشمس وهم حفاة عراة ويأخذ منهم العرق كل مأخذ في هذا الموقف العظيم الذي قال الله عنه: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، فيشفع النبي - ﷺ - من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وذلك حين يتوسل الناس يوم القيامة إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى عليهم الصلاة والسلام من أجل الشفاعة عند الله ليقضي بين خلقه؛ فيتدافع الشفاعةَ بعد آدم أولو العزم عليهم الصلاة والسلام حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد - ﷺ - فيشفع عند ربه ﷿ لأهل الموقف.
[ ٨١ ]
وهذه الشفاعة أعظم الشفاعات كلها؛ ولهذا تسمى الشفاعة العظمى، فهي شفاعة عامة لجميع أهل الموقف، على اختلاف أديانهم.
وهذه الشفاعة هي المقام المحمود - على قول أكثر العلماء - الذي وعد الله ﷿ نبيه محمدًا - ﷺ - في قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
ومما يدل على الشفاعة العظمى ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر - ﵂ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لحم»، وقال: «إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ (١)، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ، فَيَمْشي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ البَابِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ الله مَقَامًا مَحْمُودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعِ كُلُّهُمْ» (٢).
وأخرج البخاري أيضًا عن عبد الله بن عمر - ﵂ - أنه قال: «إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ جُثًا (٣)، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يَقُولُونَ: يَا فُلاَنُ اشْفَعْ، يَا فُلاَنُ اشْفَعْ، حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ الله المَقَامَ المَحْمُودَ» (٤).
_________________
(١) أي: طلبوه.
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ١٢٣) رقم (١٤٧٤) ومسلم (٢/ ٧٢٠) رقم (١٠٤٠).
(٣) أي: جماعات.
(٤) صحيح البخاري (٦/ ٨٦) رقم (٤٧١٨).
[ ٨٢ ]
وفي الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - قال: أُتي رسول الله - ﷺ - يومًا بلحم، فرُفع إليه الذراع، وكانت تعجبه فنهش منها نهشة فقال: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يَجْمَعُ الله النَّاسَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ، أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ الله بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ الله عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي ﷿ قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ (١)
_________________
(١) المراد التوريات وكانت لحاجة.
[ ٨٣ ]
- فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الحَدِيثِ - نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ الله، فَضَّلَكَ الله بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ الله، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ الله وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ﷿، ثُمَّ يَفْتَحُ الله عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا
رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ، كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى» (١).
_________________
(١) صحيح البخاري (٦/ ٨٤) رقم (٤٧١٢)، وصحيح مسلم (١/ ١٨٤) رقم (١٩٤).
[ ٨٤ ]
ولقد استدل ابن خزيمة بهذا الحديث على ثبوت الشفاعة العظمى لأهل الموقف لأجل الحساب.
النوع الثاني: الشفاعة في استفتاح باب الجنة لأهلها:
جاء في صحيح مسلم عن أنس بن مالك - ﵁ - أنه قال: قال النبي - ﷺ -: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الجنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ» (١).
وفي مسلم أيضًا عن أنس بن مالك - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «آتِي بَابَ الجنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتفْتِحُ، فَيَقُولُ الخازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» (٢).
وهذان الحديثان ونحوهما تدل على أن النبي - ﷺ - أول الشفعاء لأهل الجنة في دخولها.
ومن هذا الوجه فإن هذا النوع من الشفاعة خاص بالنبي - ﷺ -.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - عن هذه الشفاعة والتي قبلها: «وهاتان الشفاعتان خاصتان له - ﷺ -» (٣).
وكما أن نبينا - ﷺ - أول من يستفتح باب الجنة فيفتح له، كما تقدم، فإن أول من يدخل الجنة من الأمم أمته - ﷺ -، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجنَّة » (٤).
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ١٨٨) رقم (١٩٦).
(٢) صحيح مسلم (١/ ١٨٨) رقم (١٩٧).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٧).
(٤) صحيح مسلم (٢/ ٥٨٥) رقم (٨٥٥).
[ ٨٥ ]
النوع الثالث: الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه:
وهذه الشفاعة تكون من النبي - ﷺ - لعمه أبي طالب:
ودليلها ما جاء في الصحيحين عن العباس بن عبد المطلب - ﵁ - أنه قال: «يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ (١) مِنْ نَارٍ، لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» (٢).
وفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -: ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ» (٣).
ويدل حديث العباس السابق أن سبب شفاعة الرسول - ﷺ - لعمه في تخفيف العذاب هو دفاعه عن الرسول - ﷺ - ونصرته له؛ ولذا كان أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة، كما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» (٤).
وينبغي أن نعلم هنا أن هذه الشفاعة التي نفعت أبا طالب، مع كونه كافرًا؛ شفاعة تخفيف فقط، لا شفاعة إخراج من النار.
_________________
(١) الضَّحْضاحُ في الأصل: ما رَقَّ من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين واستعاره للنار. ينظر: غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٦)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٧٥).
(٢) صحيح البخاري (٨/ ٤٦) رقم (٦٢٠٨)، وصحيح مسلم (١/ ١٩٤) رقم (٢٠٩).
(٣) صحيح البخاري (٥/ ٥٢) رقم (٣٨٨٥)، وصحيح مسلم (١/ ١٩٥) رقم (٢١٠).
(٤) صحيح مسلم (١/ ١٩٦) رقم (٢١٢).
[ ٨٦ ]
النوع الرابع: في رفع درجات من يدخل الجنة:
والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -، وفيه أن رسول الله - ﷺ - بعث عمه أبا عامر - ﵁ - على جيش إلى أوطاس، فرمي أبو عامر بسهم في ركبته فقال لأبي موسى: يا ابن أخي انطلق إلى رسول الله - ﷺ - فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك أبو عامر: استغفر لي، ثم مات - ﵁ - ثم رجع أبو موسى إلى النبي - ﷺ - وأخبره خبر أبي عامر، وقال له: إن أبا عامر يقول لك: استغفر لي، فدعا رسول الله - ﷺ - بماء، فتوضأ منه، ثم رفع يديه، ثم قال: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ - وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ - ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ مِنَ النَّاسِ، فَقُلْتُ: وَلِي، يَا رَسُولَ اللهِ فَاسْتَغْفِرْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: اللهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا» (١).
وقد استدل بهذا الحديث عدد من الأئمة كابن كثير (٢) وغيره، على هذا النوع من الشفاعة، والمقصود أن النبي - ﷺ - هنا دعا لأبي عامر في رفع درجته في الجنة.
النوع الخامس: الشفاعة في دخول الجنة بلا حساب:
يدل عليه ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ العَشَرَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الخَمْسَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، هَؤُلاَءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ، قَالَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَهَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ
_________________
(١) صحيح البخاري (٥/ ١٥٥) رقم (٤٣٢٣)، وصحيح مسلم (٤/ ١٩٤٣) رقم (٢٤٩٨).
(٢) النهاية في الفتن والملاحم (٢/ ٢٠٦).
[ ٨٧ ]
لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كَانُوا لَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ: ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ: ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» (١).
وفيهما عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» فقام عكاشة الحديث (٢).
النوع السادس: الشفاعة في أهل الكبائر:
المراد بأهل الكبائر: العصاة من أهل التوحيد، الذين دخلوا النار بذنوبهم، فيشفع فيهم الرسول - ﷺ - وغيره لإخراجهم من النار بعد دخولها.
يدل عليه حديث أنس في الصحيحين أن النبي - ﷺ - قال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ الله، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ الله، وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَيَأْتُونِي، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ،
_________________
(١) صحيح البخاري (٨/ ١١٢) رقم (٦٥٤١)، وصحيح مسلم (١/ ١٩٩) رقم (٢٢٠).
(٢) صحيح البخاري (٨/ ١١٣) رقم (٦٥٤٢)، وصحيح مسلم (١/ ١٩٧) رقم (٢١٦).
[ ٨٨ ]