الجواب: المنافقون لأنهم بين ظهراني المسلمين ويغتر بهم الناس؛ ولهذا كانوا أخطر من اليهود، وجعل الله مصيرهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، وهكذا الواقفة يغتر بمذهبهم الناس، كما يغترون بالمنافقين.
•قوله: «كَمَا قَالَ أَتْباعٌ لِجَهْمٍ» هنا إشكال وهو أن الناظم قال عن الواقفة كما قال أتباع لجهم، وقد مر بنا أن الجهمية الذين ينسبون إلى الجهم، يقولون: إن القرآن مخلوق، أما الواقفة فيتوقفون في ذلك، فكيف يقول الناظم إنهم أتباع لجهم؟
الجواب: لأن الواقفة قالوا بالتوقف تأثرًا بمذهب الجهم بن صفوان، فما قالوه عن القرآن سببه مذهب الجهم، فهم أرادوا الفرار من هذا المذهب.
ويمكن أن يجاب بجواب آخر: وهو أنهم انحرفوا في مسألة القرآن وضلوا كما ضل أتباع الجهم، فوجه المشابهة بينهما في الضلال.
•قوله: «وَأَسْجَحُوا» الإسجاح في اللغة: هو اللين والتساهل، وفي الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع، أن النبي - ﷺ - قال: «يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ» (١) أي: ملكك الله أمر الناس فلِنْ معهم وكن هينا في التعامل معهم، وهنا الواقفة لانوا مع الجهمية وجاملوهم، والواجب التصريح بأن القرآن منزل غير مخلوق.
وجاء في بعض نسخ الحائية: «وَأَسْمَحُوا» أي: تَسَمحوا بالقول في خلق القرآن وتساهلوا فيه، وكلا اللفظين معناهما واحد.
_________________
(١) صحيح البخاري (٤/ ٦٦) رقم (٣٠٤١)، وصحيح مسلم (٣/ ١٤٣٢) رقم (١٨٠٦).
[ ٣٦ ]
وَلَا تَقُلِ الْقُرْآنُ خَلْقٌ قَرَأْتُهُ فَإِنَّ كَلَامَ الله بِاللَّفْظِ يُوضَحُ
•---------------------------------•
•قوله: «وَلَا تَقُلِ الْقُرْآنُ خَلْقٌ قَرَأْتُهُ» المذاهب التي خالفت أهل السنة في القرآن ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: مذهب الجهمية والمعتزلة وهو أن كلام الله تعالى شيء منفصل عن الله مخلوق، خلقه الله تعالى (١).
المذهب الثاني: مذهب الواقفة.
المذهب الثالث: مذهب من قال لفظي بالقرآن مخلوق (٢).
والمؤلف هنا يشير إلى المذهب الثالث، فهل هو حق أو باطل؟
الجواب: أن هذه الجملة محتملة فتحتمل حقًّا وتحتمل باطلًا، فعليه لا بد من التفصيل، فيقال لهذا القائل: إن كان المقصود بقولك لفظي بالقرآن مخلوق كلام الله فهذا باطل، وإن كان القصد ذات التلفظ الذي تتلفظ به بلسانك مخلوق، من حيث أن اللسان مخلوق وصوت المتلفظ مخلوق، فهذا صحيح، فلذلك كان أهل العلم من أهل السنة يقولون: «الصوت صوت القارئ والكلام كلام الباري».
فعلى هذا يجب التفصيل في هذه الجملة؛ لأنه قد يراد بها حق، وقد يراد بها باطل، وأهل السنة يتحاشون هذه الجملة مخافة الإيهام.
وهنا فائدة لطالب العلم، وهي: أن يحرص على أن يكون كلامه واضحًا ويجتنب الإيهام مخافة إيقاع الناس في ما هو محذور.
_________________
(١) انظر: التوضيحات الجلية على شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٣٧٥).
(٢) أول من قال بها حسين الكرابيسي فبدعه الإمام أحمد - ﵀ -.
[ ٣٧ ]