وَلَا تَكُ مِنْ قَوْمٍ تَلَهَّوْا بِدِينِهِمْ فَتَطْعَنَ فِي أَهْلِ الحدِيثِ وَتَقْدَحُ
إِذَا مَا اعْتَقَدْتَ الدَّهْرَ يَا صَاحِ هَذِهِ فأَنْتَ عَلَى خَيْرٍ تَبِيتُ وتُصْبِحُ
•---------------------------------•
•قوله: «وَلَا تَكُ مِنْ قَوْمٍ تَلَهَّوْا بِدِينِهِمْ» يوصي الناظم - ﵀ - بأخذ الدين والكتاب والسنة بقوة، كما قال تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] ويحذر من اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا.
•قوله: «فَتَطْعَنَ فِي أَهْلِ الحدِيثِ وَتَقْدَحُ» يحذر أيضًا من الطعن في أهل الحديث المتبعين له، العاملين بهديه.
ولفظ (أهل الحديث) يطلق على اصطلاحين:
الأول: كل من اشتغل بعلم الحديث، وهذا يدخل فيه أهل السنة والجماعة وأهل البدع، فعلى هذا الاصطلاح ليس أهل الحديث طائفة معينة.
الثاني: من يعتقد عقيدة أئمة الحديث والسنة فعلى هذا لا يدخل فيهم أهل البدع، فكلام أئمة السنة في الثناء على (أهل الحديث) المقصود به من حمل عقيدة أهل السنة والجماعة، فيدخل في ذلك كل من كان على عقيدة أئمة السنة ولو لم يكن من علماء أهل الحديث (١).
ومراد المصنف بأهل الحديث هنا المعنى الثاني لا الأول، بل كل من كان على عقيدة أهل السنة والجماعة، وهو متبع للحديث فهو من أهل الحديث سواء كان لغويًّا، أو فقيهًا، أو مهندسًا إلخ.
فإن طائفة من أهل البدع المعاصرين قد اشتغلوا بالحديث أمثال عبد الله الحبشي، والكوثري، والغماري، وحسن السقاف، وغيرهم، فكل هؤلاء ليسوا من أهل الحديث وإن كانوا قد اشتغلوا بالحديث.
_________________
(١) ينظر: اعتقاد أئمة السلف أهل الحديث ص (٢٢٠).
[ ١٢٨ ]
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: «فإن أهل الحديث هم المنتسبون إليه اعتقادًا وفقهًا وعملًا، كما أن أهل القرآن كذلك، سواء رووا الحديث أو لم يرووه» (١).
قال بعض أهل العلم: «علامة أهل البدع الطعن في أهل الحديث».
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم - ﵀ -: «سمعت أبي يقول: علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر» (٢).
وقال السفاريني - ﵀ -: «ولسنا بصدد ذكر مناقب أهل الحديث فإنَّ مناقبهم شهيرة، ومآثرهم كثيرة، وفضائلهم غزيرة، فمن انتقصهم فهو خسيس ناقص» (٣).
وقال ابن القيم:
الشاتمي أهل الحديث عداوة للسنة العليا مع القرآن
جعلوا مسبتهم طعام حلوقهم فالله يقطعها من الأذقان
كبرًا وإعجابًا وتيهًا زائدًا وتجاوزًا لمراتب الإنسان (٤)
وأهل الحديث قد خصهم النبي بدعوة في قوله: «نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ» (٥).
_________________
(١) جامع المسائل (٥/ ٧٥).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ٢٠٠).
(٣) لوائح الأنوار (٢/ ٣٥٥).
(٤) الكافية الشافية ص (١٣٨).
(٥) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٤) رقم (٢٦٥٧).
[ ١٢٩ ]
قال السيوطي - ﵀ -:
من كان من أهل الحديث فإنه ذو نضرة في وجهه نور سَطَعْ
إن النبي دعا بنضرة وجهِ مَنْ أدى الحديث كما تحمل واتبعْ
وقال الإمام أحمد فيما روي عنه:
دين النبي محمد آثار نعم المطية للفتى الأخبار
لا تَعْدُ عن علم الحديث وأهله فالرأي ليل والحديث نهار
ولربما جهل الفتى طرق الهدى والشمس ساطعة لها أنوار
وأخيرًا نختم بكلام شيخ الإسلام عن أهل الحديث، حيث قال: «وأهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال فهم أكمل الناس عقلًا، وأعدلهم قياسًا، وأصوبهم رأيًا، وأسدهم كلامًا، وأصحهم نظرًا، وأهداهم استدلالًا، وأقومهم جدلًا، وأتمهم فراسةً، وأصدقهم إلهامًا، وأحدهم بصرًا ومكاشفةً، وأصوبهم سمعًا» (١)، إلى آخر ما قال عن أهل الحديث الذين نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه، وأن يمنحنا تعظيم السنة والعمل بها والدعوة إليها.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٩).
[ ١٣٠ ]