والمقصود أن كلام السلف في ذم الكلام وأهله كثير.
وأخذ آراء الرجال بدون حجة ولا برهان شرعي في العقائد أو الأحكام هو التقليد المذموم الذي ذمه السلف ونهوا عنه.
والتقليد: قَبُول القول والتزامه دون حجة ودليل من كتاب وسنة.
وقد جاء ذم التقليد في كتاب الله وسنة الرسول - ﷺ -، وكلام السلف:
قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزُّخرُف: ٢٢]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٦٩، ٧٠].
قال بعض المفسرين: «لو لم يوجد في القرآن آية غير هذه الآية في ذم التقليد لكفى» (١).
والتقليد نوعان:
النوع الأول: التقليد في العقائد، وفيه تفصيل:
أولًا: مسائل أصول الإيمان وأصول العقيدة كالأركان الست، وما جاء من أمور الآخرة؛ فيجب فيه اتباع الدليل ولا يجوز الأخذ فيها بالتقليد لأحد من الناس.
ثانيًا: أما التقليد في الاستدلال فلا بأس به؛ يعني أن يعلم وجه الدليل من الحجة ويقلد العالم في الاقتناع بهذا الدليل ووجه الاستدلال منه، فلا بأس به؛ لأن المجتهد في فهم الدليل قليل في الأمة اليوم.
_________________
(١) ينظر: التفسير الكبير للرازي (٢٦/ ٣٣٨).
[ ١٢٣ ]
النوع الثاني: التقليد في الفروع:
والناس فيه على ثلاث درجات:
١ - العلماء المجتهدون: وهؤلاء لا يجوز في حقهم التقليد، بل يجتهدون في أمور الدين.
٢ - طلبة العلم: وهؤلاء في درجة الاتباع بين الاجتهاد والتقليد، وهؤلاء لا ينبغي لهم التقليد، ولكن يهتدون بسير العلماء واستدلالاتهم وترجيحاتهم.
٣ - عامة الناس: وهؤلاء يجوز لهم التقليد؛ لأنهم لا يفهمون الأدلة والاستدلال.
وقد شاع على ألسنة كثير من طلبة العلم الحديث عن المذهبية وذمها، والأولى التفصيل فيها على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: التفقه على مذهب: وهو دراسة طالب العلم على أحد المذاهب المشهورة، وهذا ليس بمذموم، بل محمود ومطلوب، ولا سيما في ابتداء الطلب.
المرتبة الثانية: الانتساب للمذهب: وهذا لا شيء فيه، وقد انتسب كثير من الأئمة إلى المذاهب، ومن راجع كتب الطبقات وجد ذلك.
وقد انتسب إلى المذهب الحنبلي عدد من العلماء المحققين منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، وغيرهم كثير.
المرتبة الثالثة: التعصب المذهبي: وهذا يعني اتباع المذهب في كل شيء والأخذ بأقواله ولو خالفت الكتاب والسنة، وهذا هو المذموم.
[ ١٢٤ ]
• وقد ظهرت في العصر الحاضر دعوتان:
الأولى: الدعوة إلى الأخذ من الكتاب والسنة مباشرة:
وهؤلاء يرون أنَّ الأخذ منهما فيه غنية عن الرجوع إلى كتب الأئمة وشروح السنة ومؤلفات الفقهاء، وقد نزع إلى ذلك بعض المتحمسين للتحرر من التقليد، فهجروا كتب المذاهب وحاربوها ورفعوا راية التحرر المطلق من المذاهب، فظهر الشذوذ والتفلت والترقيع الفقهي، ولا شك أن هذه الدعوة دعوةٌ غير صحيحة، ولا تمت إلى العلم بصلةٍ.
وقد شكى أحد العلماء من ذلك فقال: «كنا نشكو من التقليد، فأصبحنا نشكو من التفلت».
والثانية: الدعوة إلى التعصب للأئمة وتقليدهم:
وهؤلاء أوجبوا التقليد على جميع الأمة، وشنعوا على مخالفيهم وضللوهم، وأغلقوا باب الاجتهاد، وحَجَّرُوا على الأمة، ولا شك في بطلان هذه الدعوة.
ومن أمثلة ذلك ما قاله الكرخي الحنفي: «كل آية تخالف مذهبنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث يخالف مذهبنا فهو مؤول أو منسوخ».
وقال ناظم جوهرة التوحيد:
وواجبٌ تقليد حبر منهم كذا أتى القوم بلفظٍ يُفهم
وقال أحد الحنابلة:
أنا حنبليٌّ ما حييت وإن أمت فَوَصيَّتي للنَّاس أنْ يَتَحَنْبَلُوا
[ ١٢٥ ]
وقال غيره:
لئن قلَّد الناس الأئمة إنني لفي مذهب الحبر ابن حنبل راغبُ
أقلد فتواه وأعشق قوله وللناس فيما يعشقون مذاهبُ
ولا شك أنَّ الحق وسطٌ بين هذين الطرفين:
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: «الناس في الاستدلال والتقليد على طرفي نقيض: منهم من يوجب الاستدلال حتى في المسائل الدقيقة: أصولها وفروعها على كل أحد، ومنهم من يحرم الاستدلال في الدقيق على كل أحد، وهذا في الأصول والفروع، وخيار الأمور أوساطها» (١).
وهذه المسألة مبثوثة في كتب الأصول والكتب المتخصصة التي اعتنت بمسألة الاجتهاد والتقليد.
والمقصود أن الناظم يوصي في نهاية هذه الأبيات بما أوصى به في أولها وهو اتباع الرسول - ﷺ - والحذر من تقديم قول أحد على قوله، كما أمر بذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣١ - ٣٢].
وفي النساء قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٨).
[ ١٢٦ ]
فأمر في بداية الآية بالطاعة ثم في آخرها قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فمفهوم الآية: إن لم تردوا إلى الله والرسول فلستم بمؤمنين، ثم قال ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
وقد أوصى علماء السلف باتباع النبي - ﷺ - وتقديم قوله على قول الرجال كما جاء على لسان بعض الأئمة.
قال الإمام مالك - ﵀ -: «ما من أحد إلا يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر» (١)، وقال: «أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد لجدل هؤلاء» (٢).
وقال الشافعي - ﵀ -: «إذا خالف قولي قول الرسول فاضربوا بقولي عرض الحائط وخذوا بقول رسول الله - ﷺ -» (٣).
وقال أحمد - ﵀ -: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]»، ثم قال: «أتدري ما الفتنة، الفتنة الشرك؛ لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك» (٤).
_________________
(١) ينظر: البداية والنهاية (١٤/ ١٦٠).
(٢) أخرجه ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٧٠)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٦٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١١/ ٤٢).
(٣) ينظر: البداية والنهاية (١٠/ ٢٧٦).
(٤) ينظر: الصارم المسلول ص (٥٦).
[ ١٢٧ ]