• أبرز أدلة المرجئة:
أولًا: نصوص الرجاء العامة:
فمثًلا يحتج القوم بحديث: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله دَخَلَ الجنَّةَ» (١).
وحديث: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ الله الجَنَّة عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» (٢).
ونحو ذلك من النصوص.
والجواب عن ذلك:
أن هذه أحاديث عامة يجب ردها إلى بقية النصوص الواردة في الباب، كالأدلة التي سبقت في دخول العمل في مسمى الإيمان، ولا يجوز إعمال بعض النصوص وإهمال بعضها، بل الواجب الأخذ بها جميعًا.
ثانيًا: حديث الجهنميين (حديث الشفاعة):
روى مسلم في صحيحه من طريق حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: «أَنَّ نَاسًا فِي زَمَنِ رَسُولِ الله - ﷺ - قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: نَعَمْ ».
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ١٩٠) رقم (٣١١٦)، وأحمد في مسنده (٣٦/ ٣٦٣) رقم (٢٢٠٣٤)، من حديث معاذ - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (٤/ ١٦٥) رقم (٣٤٣٥)، ومسلم (١/ ٥٧) رقم (٢٨) من حديث عبادة - ﵁ -.
[ ١١٦ ]
وفيه: «حَتَّى إِذَا خَلَصَ المؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لله فِي اسْتِقْصَاءِ الحقِّ مِنَ المؤْمِنِينَ لله يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَد أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ
وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الخدْرِيُّ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الحدِيثِ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، فَيَقُولُ اللهُ ﷿: شَفَعَتِ الملَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ المؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الجنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الحيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَلَا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الحجَرِ، أَوْ إِلَى الشَّجَرِ، مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ، وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ، قَالَ: فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمُ الخوَاتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الجنَّةِ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللهُ الجنَّة بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا الجنَّةَ فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ» (١).
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ١٦٧) رقم (١٨٣).
[ ١١٧ ]
وجه الاستدلال من الحديث عند المرجئة:
أن الله تعالى أخرج أقوامًا من النار ليس معهم إلا اعتقاد القلب لا (عمل عملوه، ولا خير قدموه) مما يدل على أن فاقد العمل عنده إيمان صحيح يخرج به من النار.
والجواب عن ذلك: أن هؤلاء الذين يدخلهم الله الجنة بعد ما يعذبهم لم يكونوا تاركين للعمل مطلقًا، بل لديهم عمل ولكنه عمل قليل به يتحقق أصل الإيمان لا كماله، وهذا هو معنى قوله: «بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ» أي: لم يأتوا بأعمال زائدة على أصل الإيمان بل اقتصروا على الأعمال المحققة لأصل الإيمان، والأحاديث الواردة في مثل سياق حديث أبي سعيد قد دلت على أن القوم لم يكونوا تاركي العمل، فمن ذلك:
ما أخرج البخاري ومسلم من طريق عطاء بن يزيد عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: « حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ الملَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ مِمَّنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ، يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ، تَأْكُلُ النَّارُ مِنِ ابْنِ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ وَقَدِ امْتَحَشُوا (١)، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الحيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الجنَّةِ دُخُولًا الجنَّةَ » الحديث (٢).
_________________
(١) أي: احترقوا. ينظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ٣٦).
(٢) صحيح البخاري (٨/ ١١٧) رقم (٦٥٧٣)، وصحيح مسلم (١/ ١٦٣) رقم (١٨٢).
[ ١١٨ ]
والشاهد في الحديث السابق قوله: «يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ»، والمراد بذلك الصلاة، فهذا دليل واضح على أن أصل العمل قد قاموا به ولكنهم لم يأتوا بكمال العمل.