فعلى هذا لا يصح تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، ويكون الصحيح أن البدع كلها مذمومة.
• أقسام البدعة باعتبار وصف مقترفها:
تنقسم البدعة من حيث وصف مقترفها إلى ثلاثة أقسام:
١) بدعة مُكَفِّرَة: وهي ما ثبت فيها دليل يدل على أن فاعلها كافر، كبدعة القدرية في إنكارهم علم الله سبحانه، وبدعة القائلين بحلول الله تعالى في بعض مخلوقاته واتحاده بها، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
٢) بدعة مُفَسِّقَة: وهي ما لم يثبت فيها دليل يدل على وصولها لدرجة الكفر، كبدعة المولد النبوي، وإحياء ليلة الإسراء، وغيرها من البدع العملية.
٣) بدعة لا تصل لحد الفسق: وهي التي يكون أصلُ العمل فيها مشروعًا، ولكن صفته أو هيئته مبتدعة، وهي ما تُعرف بالبدعة الإضافية، كبدعة الدعاء الجماعي بعد الصلوات، والذكر على هيئة الاجتماع بصوت واحد.
وهذا التقسيم للبدعة يُفيد في طريقة التعامل مع أهل البدع والنكير عليهم، فمن كانت بدعته مُكفِّرة لا يُعامل معاملة من كانت بدعته مُفَسِّقة، ومن كانت بدعته دون الفسق، لا يعامل معاملة من كانت بدعته فوق ذلك.
والأصل في التقسيمات التي يضعها العلماء أنَّها أمور اجتهادية لا مشاحة فيها، والهدف منها تسهيل العلم وتيسير فهمه؛ ولذلك نجد العلماء يقسمون بعض الأشياء باعتبارات مختلفة، وقد يقسمونها تقسيمات متعددة باعتبارٍ واحد.
[ ٢٧ ]
وهذا التقسيم الذي ذكرته للبدعة لا يتعارض مع كون البدع كلها ضلال؛ لأنَّ الضلال درجات: فمنه الكفر، ومنه الفسق، ومنه ما دون ذلك، والبدع في كليات الدِّين ليست كالبدع في جزئياته، وبعض الأعمال توصف بأنها بدعة من جهة الصفة أو الهيئة مع أنَّ أصلها مشروع، وهو ما يعرف بالبدع الإضافية وهي ما ثبت أصله في الشرع غير أن مكانه أو زمانه أو كيفيته محدثة، وبعض هذا النوع من البدع يستند فيها أصحابها على أحاديث ضعيفة، أو تأويلات غير صحيحة، والقول بتفسيق مقترف هذا الصنف من البدع يعدُّ من الشطط.
وقد سبقني إلى هذا التقسيم للبدعة عددٌ من العلماء المتقدمين والمعاصرين، ولعلي أنقل أقوال بعضهم في هذا الصدد.
قال الإمام الشاطبي - ﵀ -: «إن البدع إذا تؤمل معقولها وجدت رتبتها متفاوتة: فمنها ما هو كفر صراح، كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن وكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدِّين ذريعة لحفظ النفس والمال، وما أشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح.
ومنها ما هو من المعاصي التي ليست بكفر أو يختلف؛ هل هي كفر أم لا؟ كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة، ومن أشبههم من الفرق الضالة.
ومنها ما هو معصية، ويتفق عليها، وليست بكفر كبدعة التبتل، والصيام قائمًا في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع» (١).
_________________
(١) الاعتصام (٢/ ٥١٦).
[ ٢٨ ]
وقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «نحن نؤمن بأنَّ كل بدعة ضلالة، ثم هذه الضلالات تنقسم إلى: بدع مكفرة، وبدع مفسقة، وبدع يُعذر فيها صاحبها» (١).
وقال الشيخ صالح الفوزان: «إن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة؛ فمنها ما هو كفر صراح؛ كالطواف بالقبور تقربًا إلى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وكمقالات غلاة الجهمية والمعتزلة. ومنها ما هو من وسائل الشرك؛ كالبناء على القبور، والصلاة والدعاء عندها. ومنها ما هو فسق اعتقادي؛ كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة في أقوالهم واعتقاداتهم المخالفة للأدلة الشرعية. ومنها ما هو معصية كبدعة التبتل، والصيام قائمًا في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع» (٢).
ولعلي أختم بكلام نفيس للإمام الشاطبي وهو أفضل مَن تحدث عن البدع، قال: «إن البدع على ضربين: كلية وجزئية، فأما الكلية فهي السارية فيما لا ينحصر من فروع الشريعة وأما الجزئية فهي الواقعة في الفروع الجزئية، ولا يتحقق دخول هذا الضرب من البدع تحت الوعيد بالنار، وإن دخلت تحت الوصف بالضلال، كما لا يتحقق ذلك في سرقة لقمة أو التطفيف بحبة، وإن كان داخلًا تحت وصف السرقة
_________________
(١) شرح الأربعين النووية ص (٢٨٧).
(٢) الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد ص (٣٢٣).
[ ٢٩ ]
ألا ترى أن خواص البدع غير ظاهرة في أهل البدع الجزئية غالبًا؟ كالفُرْقة والخروج عن الجماعة، وإنما تقع الجزئيات في الغالب كالزلة والفلتة؛ ولذلك لا يكون اتباع الهوى فيها مع حصول التأويل في فرد من أفراد الفروع، ولا المفسدة الحاصلة بالجزئية كالمفسدة الحاصلة بالكلية. فعلى هذا؛ إذا اجتمع في البدعة وصفان: كونها جزئية، وكونها بالتأويل؛ صح أن تكون صغيرة» (١).
فإذا كان من البدع ما هو في حكم الصغائر كما هو واضح من كلام الإمام الشاطبي، فيعني ذلك أنَّ منها ما لا يصل إلى حد الفسق؛ ومن المعلوم أنَّ الإنسان لا يُفسَّق بالصغائر، وإلا لزم من ذلك تفسيق جميع المسلمين؛ لأنَّ الصغائر لا يسلم منها أحد.
•قوله: «لَعَلَّكَ تُفْلِحُ» أي: إذا فعلت ما أمرتك به في هذه الوصايا الثلاث، فأرجو لك الفلاح والسعادة في الدارين، وهذه الثلاث هي: «التمسك بكتاب الله، والاتباع للنبي - ﷺ -، واجتناب البدع» فإذا حقق المسلم هذه الثلاث فحري به أن ينال الفوز في الدارين.
وأما الذين خالفوا الكتاب والسنة واشتغلوا بالكلام وانحرفوا عن الحق، فقد جانبوا طريق الفلاح، كما قال الإمام الشافعي: «ما ارتدى أحد الكلام فأفلح» (٢).
_________________
(١) الاعتصام (٢/ ٥٤٩).
(٢) حلية الأولياء (٩/ ١١١)، وشرح السنة للبغوي (١/ ٢١٧)، وتحريم النظر في كتب الكلام ص (٤١).
[ ٣٠ ]
وَدِنْ بِكِتَابِ الله وَالسُّنَنِ الَّتِي أَتَتْ عَنْ رَسُولِ الله تَنْجُو وَتَرْبَحُ
•---------------------------------•
•قوله: «وَدِنْ بِكِتَابِ الله» دن: فعل أمر مشتق من الديانة، والمراد: اتبع في دينك كتاب الله وسنة النبي - ﷺ -.
•قوله: «وَالسُّنَنِ الَّتِي» السنة في اللغة: هي الطريقة، أما في الاصطلاح الشرعي عند المحدثين فهي: ما ثبت عن الرسول من أقواله وأفعاله وتقريراته، وهذا التعريف يشمل عموم ما ورد عن النبي - ﷺ -.
والناظم يشير بهذا البيت إلى مصادر التلقي عند أهل السنة: وهما الكتاب والسنة، وهناك مصدر ثالث عند أهل السنة وهو الإجماع لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥].
أما المصدر الرابع فهو القياس وهو إلحاق الفرع بالأصل في الحكم لعلة تجمع بينهما، وحتى يكون القياس صحيحًا ومعتبرًا في الشريعة لا بد أن يستكمل الشروط والضوابط التي وضعها العلماء، وهناك الكثير من الأقيسة ليست بصحيحة لإخلالها بهذه الضوابط فلا يعتبر بها.
وهناك مصادر غير هذه المصادر الأربعة قال بها بعض أهل العلم، ولكن القول الصحيح أن مصادر التلقي المعتمدة عند أهل السنة هي هذه المصادر وفي المصدر الرابع خلاف مشهور.
•قوله: «تَنْجُو وَتَرْبَحُ» أي: إذا دنت لله وعبدته متبعًا لكتابه وسنة رسوله - ﷺ - تنجو من جميع الآفات وتسلم من الهلكات، وتربح بالفوز والفلاح والخلود في دار النعيم وجوار الكريم، وفي هذا بيان فائدة التمسك بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وأن فيهما النجاة والربح.
[ ٣١ ]
وَقُلْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَلامُ مَلِيكِنَا
•---------------------------------•
•قوله: «وَقُلْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَلامُ مَلِيكِنَا» تحدث الناظم هنا عن مسألة القرآن هل هو مخلوق أو غير مخلوق، فجعل هذه المسألة أول مسائل العقيدة في هذا النظم فما مناسبة ذلك؟
المناسبة: أنَّ الناظم - ﵀ - أوصى في أول بيت من هذه المنظومة بالتمسك بالقرآن، فكان من المناسب أن يبدأ بالمسائل المتعلقة بالقرآن حيث أوصى به قبل هذا البيت، ويحتمل أن يكون ذلك لاشتهار القول بخلق القرآن في زمانه.
والقول بأن القرآن غير مخلوق هو مذهب أهل السنة والجماعة، يقولون: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، فيصرحون بذلك خلافًا للجهمية والواقفة، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٢، ١٩٣]، وغيرها من الآيات الكثيرة التي تبيِّن أنَّ القرآن منزل.
وهنا يرد إشكال: وهو أن الله ﷾ أضاف القرآن إلى جبريل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩، ٢٠] كما أضافه إلى النبي الكريم محمد - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤٠، ٤١]، فقد يستمسك بهذا أهل الشرك الذين يكذبون بالقرآن ويقولون: هذا من قول محمد، فما الجواب؟
الجواب على هذا الإشكال: أن الإضافة هنا إضافة تبليغ، من جبريل ومن النبي - ﷺ -، فقد أَدَّيا ما أوجب الله عليهما من تبليغ القرآن وقاما بذلك ﵉ خير قيام، فجبريل بلغ القرآن للنبي - ﷺ -، والنبي - ﷺ - بلغ القرآن لأمته.
[ ٣٢ ]
• مسألة: يلاحظ في هذه المنظومة والمنظومة السابقة (اللامية) كثرة التنصيص على أن القرآن منزل غير مخلوق فلماذا؟
الجواب: لأن مقتضى القول بأن القرآن مخلوق نفي الكلام عن الله تعالى، والذي لا يتكلم لا يصح أن يكون معبودًا، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، فنستفيد من هذه الآية أن عدم الكلام صفة نقص وعيب، فهؤلاء المبتدعة وصفوا الله بهذا فشبهوه بالجمادات، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
• مسألة: من أين أخذ الجهمية هذا المذهب الباطل؟
أخذت الجهمية ذلك من الجعد بن درهم الذي تشرَّب أفكار الفلاسفة واليهود وغيرهما من النِّحل الباطلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وهو يتحدث عن الجعد بن درهم -: «قال الإمام أحمد: وكان يقال: إنه من أهل حرَّان، وعنه أخذ الجهم بن صفوان مذهب نفاة الصفات، وكان بحرَّان أئمة هؤلاء الصابئة الفلاسفة، بقايا أهل هذا الدين أهل الشرك ونفي الصفات والأفعال، ولهم مصنفات في دعوة الكواكب» (١).
•قوله: «كَلامُ مَلِيكِنَا» فيه إثبات اسم من أسماء الله، وهو اسم المليك، والدليل على هذا قول الله تعالى كما في آخر سورة القمر: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥].
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣١٣).
[ ٣٣ ]
بِذَلِكَ دَانَ الأَتْقِياءُ وأَفْصَحُوا
•---------------------------------•
•قوله: «بِذَلِكَ دَانَ الأَتْقِياءُ» أي: تعبدوا لله بذلك، وعدوه دينًا يدينون الله ﷿ به، وهو أن الله ﷾ متكلم حقيقة بحرف وصوت، وأن آحاد كلامه متعلقة بمشيئته وإرادته، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة من لدن الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى أن خط قلم الناظم هذا النظم، وإلى يومنا هذا: أن القرآن منزل غير مخلوق.
و«الأَتْقِياءُ» جمع تقي، والتقوى: هي أن تجعل بينك وبين الله وقاية، وذلك بفعل المأمورات وترك المحظورات.
•قوله: «وأَفْصَحُوا» أي: بَيَّنوا معتقدهم في كلام الله وأظهروه في مؤلفاتهم وهذا ظاهر لمن قرأ وتأمل في كتب أهل السنة والجماعة.
قال الإمام الآجري - ﵀ -: «اعلموا رحمنا الله وإياكم أن قول المسلمين الذين لم تزغ قلوبهم عن الحق، ووفقوا للرشاد قديمًا وحديثًا أن القرآن كلام الله تعالى ليس بمخلوق؛ لأن القرآن من علم الله، وعلم الله لا يكون مخلوقًا، تعالى الله عن ذلك، دل على ذلك القرآن والسنة، وقول الصحابة ﵃ وقول أئمة المسلمين لا ينكر هذا إلا جهمي خبيث» (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «السلف كلهم أنكروا على الجهمية النفاة، وقالوا بالإثبات وأفصحوا به، وكلامهم في الإثبات والإنكار على النفاة أكثر من أن يمكن إثباته في هذا المكان». ثم ذكر عددًا من أئمة السلف (٢).
_________________
(١) الشريعة (١/ ٤٨٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٨٠).
[ ٣٤ ]