وَقُلْ: إنمَا الإِيمَانُ: قَوْلٌ وَنِيَّةٌ وَفِعْلٌ عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ مُصَرَّحُ
•---------------------------------•
•قوله: «وَقُلْ» أي: بلسانك معتقدًا بجنانك مذعنًا بأركانك.
•قوله: «إنمَا الإِيمَانُ» (إنما) أداة حصر، والإيمان لغةً: التصديق، واصطلاحًا: تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
•قوله: «قَوْلٌ» أي: قول باللسان، فمن لم يقر وينطق بلسانه مع القدرة لا يسمى مصدقًا.
•قوله: «وَنِيَّةٌ» أي: قَصْدٌ، إذ النية هي القصد، والمراد هنا أن الإيمان لا يصح إلا باعتقاد القلب.
•قوله: «وَفِعْلٌ» أي: فعل بالأركان.
•قوله: «عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ مُصَرَّحُ» أي: مصرحٌ به في قول النبي - ﷺ -، و(مصرحٌ) صفة لفعل ويتعلق بما قبله من القول والنية.
وأيضًا كانت ألفاظ السلف مصرحة بذلك؛ حيث قال ابن حجر - ﵀ -: «هو اللفظ الوارد عن السلف الذين أطلقوا ذلك» (١).
وقال ابن رجب الحنبلي - ﵀ -: «المشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان: قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان» (٢).
وقال الشافعي - ﵀ -: «كان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم، ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر» (٣).
_________________
(١) فتح الباري (١/ ٤٦).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٤).
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٥/ ٩٥٧).
[ ١٢٠ ]
وَيَنْقُصُ طَوْرًا بِالمعَاصِي وتَارَةً بِطَاعَتِهِ يَنْمِي وَفِي الْوَزْنِ يَرْجَحُ
•---------------------------------•
•قوله: «وَيَنْقُصُ طَوْرًا بِالمعَاصِي وتَارَةً » أي: الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، ويدل على ذلك أدلة كقوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].
وكقوله في الأنفال: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، وفي آخر التوبة قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، وغير ذلك من الآيات الكثيرة والأحاديث المتوافرة الدالة على أن الإيمان يتأثر بالأعمال زيادة ونقصًا.
•قوله: «يَرْجَحُ» أي: ترجح كفة الإيمان بسبب العمل، فهذا الذي قرره الناظم، وهو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا للمرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان.
وفي هذين البيتين يشير الناظم إلى مذهب أهل السنة والجماعة في الإيمان وأنه مشتمل على أمور أربعة: القول باللسان، والاعتقاد بالجنان وهو اعتقاد القلب، والعمل بالأركان، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، فلا بد من هذه الأربع لتحقيق الإيمان.
والمراد باعتقاد القلب: ما يتعلق بالتصديق لله ولرسوله - ﷺ -، فكل الاعتقادات الواجبة داخلة في ذلك مثل: الإيمان بالله والرسل والكتب والبعث وغير ذلك.
أما عمل القلب: فهو النتيجة المترتبة على ذلك، وهي ثمرة هذا الاعتقاد كالخشية لله والتوكل عليه ونحو ذلك.
أما العمل بالأركان: فالمراد به القيام بالواجبات العملية، فهي دليل ثبوت أصل الإيمان خلافًا للمرجئة الذين يخرجون العمل عن مسمى الإيمان.
[ ١٢١ ]
وَدَعْ عَنْكَ آرَاءَ الرِّجَالِ وَقَوْلَهُمْ فَقَوْلُ رَسُولِ الله أَزْكَى وَأَشْرَحُ
•---------------------------------•
•قوله: «وَدَعْ عَنْكَ» أي: اترك، واحذر، واجتنب.
•قوله: «آرَاءَ الرِّجَالِ» ذكر الرجال هنا لا مفهوم له، فالرأي الباطل مذموم سواء كان من الرجال أو النساء، وإنما خص الرجال بالذكر هنا؛ لأنهم أصحاب الرأي في الغالب (١).
وآراء الرجال المقصود بها آراء المشايخ والكبراء والآباء والأجداد، ويشمل كل رأي يخالف كتاب الله وسنة رسوله، قال ابن القيم - ﵀ -:
والله ما خوفي الذنوب فإنها لعلى طريق العفو والغفران
لكنما أخشى انسلاخ القلب من تحكيم هذا الوحي والقرآن
ورضا بآراء الرجال وخرصها لا كان ذاك بمنة الرحمن
واتباع آراء الرجال في العقائد يعني أخذ أقوال أهل الكلام والاستغناء بها عن هدي القرآن والسنة، وهذا من أبطل، الباطل وقد تواردت كلمات الأئمة في ذم علم الكلام.
قال الشافعي - ﵀ -: «لأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك بالله خير له من النظر في الكلام، فإني قد اطلعت من أهل الكلام على أشياء ما ظننته قط» (٢).
وقال أيضًا: «رأيي ومذهبي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويجلسوا على الجمال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأخذ في الكلام» (٣).
_________________
(١) التحفة السنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية ص (١١٠، ١١١).
(٢) ينظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٢٤).
(٣) ينظر: حلية الأولياء (٩/ ١١٦).
[ ١٢٢ ]