ولاَ تُكْفِرَنْ أَهلَ الصَّلاةِ وإِنْ عَصَوْا فَكُلُّهُمُ يَعْصِي وذُو العَرْشِ يَصْفَحُ
•---------------------------------•
•قوله: «ولاَ تُكْفِرَنْ أَهلَ الصَّلاةِ وإِنْ عَصَوْا» أي: لا تعتقد تكفير أهل الصلاة، وإن عصوا بارتكاب الذنوب كبيرها وصغيرها.
•قوله: «فَكُلُّهُمُ يَعْصِي وذُو العَرْشِ يَصْفَحُ» أي: كل العباد يقعون في المعاصي إلا من عصمه الله من المرسلين والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والله ﷾ يصفح ويعفو ويتجاوز عن ذنوب عباده تكرمًا منه وتفضلًا.
وأراد الناظم بهذا البيت الرد على من ضل في عصاة الموحدين: وهم الخوارج الذين كفروا فاعل الكبيرة، ويشاركهم في ذلك المعتزلة، وإن كان المعتزلة لا يصرحون بلفظ التكفير لكن يوافقونهم في المصير الأخروي، وسبق معنا أن النصوص تدل على أن عصاة الموحدين تحت المشيئة، قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة: هو المذهب الوسط الحق، حيث لا يكفرون صاحب الكبيرة، كما أنهم أيضًا لا يقولون عنه كامل الإيمان كما يقوله المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان معصية.
• ماذا يقول أهل السنة عن مرتكب الكبيرة؟
يقولون: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ويقولون أيضًا: هو تحت المشيئة إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه.
وبهذا يكون أهل السنة قد أعملوا جميع الأدلة التي تتعلق بالخوف والرجاء، خلافًا للخوارج والمعتزلة الذين أعملوا أدلة الخوف وأهملوا أدلة الرجاء، وخلافًا للمرجئة الذين أعملوا أدلة الرجاء وأهملوا أدلة الخوف.
[ ٩٣ ]
ولَا تَعْتَقِدْ رَأْيَ الخوَارِجِ إِنَّهُ مَقَالٌ لَمَنْ يَهْوَاهُ يُرْدِي ويَفْضَحُ
•---------------------------------•
•قوله: «ولَا تَعْتَقِدْ رَأْيَ الخوَارِجِ إِنَّهُ» في هذا البيت صرح الناظم - ﵀ - بالتحذير من منهج الخوارج الذين خرجوا عن جادة الحق، وكان أول ظهور لهم في عهد علي بن أبي طالب حيث خرجوا عليه بدعوى أنه حَكَّم الرجال والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقد ناظرهم حبر الأمة ابن عباس - ﵁ - ورد عليهم هذه الشبهة من عدة أوجه:
الوجه الأول: أن الله حَكَّم الرجال في الواجب على المحرم إذا صاد صيدًا، وهذا في قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥].
الوجه الثاني: أن الله حَكَّم الرجال في مسألة النشوز، وهذا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥].
ففي هاتين الآيتين حَكَّم الله الرجال للوصول إلى الحق، وهكذا فعل علي - ﵁ -؛ ولهذا رجع من هؤلاء الخوارج أكثر من النصف بعد رد هذه الشبهة من ابن عباس - ﵁ -.
ومذهب الخوارج من أقسى المذاهب على المسلمين، قال شيخ الإسلام: «وقد اتفق أهل العلم أن أعظم السيوف التي سلت على أهل القبلة إنما هو من المنتسبين إليه، وأعظم الفساد الذي جرى على المسلمين ممن ينتسب إلى أهل القبلة» (١).
وجاء الوعيد على التساهل في التكفير في الصحيحين من حديث أبي ذر: «وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ الله، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إلَّا حَارَ عَلَيْهِ» (٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٧٩).
(٢) صحيح البخاري (٨/ ١٥) رقم (٦٠٤٥)، وصحيح مسلم (١/ ٧٩) رقم (٦١).
[ ٩٤ ]
وهذه الجملة اشتملت على النهي عن رمى المسلم بالكفر أو الألفاظ التي تحمل هذا المعنى كقول القائل لأخيه المسلم: «يا عدو الله»، فهذا التكفير أو الرمي بهذه الألفاظ يعود إلى قائله إن لم يكن المرمي بذلك أهلًا لذلك، كما هو ظاهر الحديث.