هكذا يقولون عياذًا بالله مما يقولون، ماذا بقي لله؟ والله تعالى يقول ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]، وشنائعهم في هذا الباب أكثر من أن تُحصر، ولا يُسعف المقام لأكثر من هذا.
وكما أن القوم غلوا في تقديس أئمتهم، فقد غلوا أيضًا في ذم بقية الصحابة وزوجات النبي - ﷺ -، بل لقد كفَّروا بعضهم ولعنوهم عياذًا بالله، قال صاحب (لآلئ الأخبار) قولًا شنيعًا أنزه أسماعكم عن مثله، لكنها الحقيقة المرة لا بد من بيانها لمعرفة الرافضة على حقيقتهم كما في كتبهم، لندرك حقد القوم وبغضهم للصحابة - ﵃ -، قال هذا المؤلف: «تنبيه، اعلمْ أن أشرف الأمكنة والأوقات والحالات وأنسبها للعن عليهم، عليهم اللعنة، إذا كنت في المبال - أي مكان البول - فقل عند كل واحد من التخليةِ والاستبراء والتطهير مرارًا بفراغ من البال: اللهم العن عمرَ، ثم أبا بكرٍ وعمرَ، ثم عثمانَ وعمرَ، ثم معاويةَ وعمرَ، ثم العن عائشةَ وحفصةَ، والعن من رضي بأفعالهم إلى يوم القيامة» (١).
وقال مؤلف (الأنوار النعمانية) (٢): «روي في الأخبار الخاصة أن أبا بكرٍ كان يصلي خلف رسول الله - ﷺ - والصنم معلقٌ في عنقه يسجد له».
ونقل مؤلف كتاب (إلزام الناصب) عن بعض مفسريهم أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦].
_________________
(١) لآلئ الأخبار (٤/ ٩٢).
(٢) ص (٥٣).
[ ٥٥ ]
قال المفضلُ يا سيدي: ومَنْ فرعون؟ ومَنْ هامان؟ قال ﵇: أبوبكر وعمر» (١).
بل زعموا أن الصحابة - ﵃ - ارتَدُّوا بعد النبي - ﷺ -، فقال صاحب (الروضة من الكافي) (٢): عن أبي جعفر ﵇ قال: كان الناسُ أهلَ ردةٍ بعد النبي - ﷺ - إلَّا ثلاثة، فقلتُ: ومن الثلاثة؟ فقال: المقدادُ بن الأسود وأبو ذرٍّ الغفاري، وسلمان الفارسي».
ونقل مؤلفُ مرآةِ العقول من كتاب الروضة (٣): «عن حسين الجمالِ عن أبي عبد الله في قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩] قال هما، ثم قال: وكان فلان شيطانًا، عقَّب على ذلك بقوله: «هما» أي: أبا بكر وعمر، والمراد بفلان: عمر، وإنما سمي به لأنه كان شيطانًا، إما لأنه شرك شيطان لكونه ولد زنا، أو لأنه كان في المكر والخديعة كالشيطان » إلى آخر ما قال قبحه الله.
بل إنهم آذوا النبي - ﷺ - حينما اتهموا عائشة - ﵂ - بالفاحشة، وهذا مستفيض في كتب القوم، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧]، سبحان الله أين عقول هؤلاء؟ !
_________________
(١) إلزام الناصب (٢/ ١٦٦).
(٢) ص (٢٤٥).
(٣) ص (٤٨٨).
[ ٥٦ ]
كيف يبعث الله رسولَه - ﷺ - ثم يجعل خاصةَ أصحابهِ وخالص أحبابهِ مجموعة من الكذبة والغششة؟ أيجعلهم حثالةً من المرتدين؟ ! نعوذ بالله.
لقد أثنى الله على صحابة رسوله - ﷺ - في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، أيعقل أن أولئك نزرٌ يسيرٌ، ونستثني الكثرةَ الكاثرةَ من أصحابه؟ !
لقد رضي الله عمن بايع تحت الشجرة، وهم ألف وأربعمائة، ومنهم العشرة المبشرون بالجنة وأثنى على من أسلم من قبل الفتح، وكذلك من أسلم بعده، وبَيَّنَ أن الذين أسلموا قبله أفضل، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].
وَبيَّنَ أيضًا أن زوجات النبي - ﷺ - كلهن أمهات المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، ولم يستثنِ أحدًا، وكذلك بَيَّنَ أنه لما خيرهن بين الدنيا وبين البقاء مع النبي - ﷺ -، اخترن البقاء معه، إلى أن توفي وهن في عصمته ، ولو اخترن الدنيا أو كفرن لما كان يجوز في الإسلام أن يبقين مع النبي - ﷺ -، بل يلزمه مفارقتهن.
وأثنى الله على المهاجرين والأنصار كلهم كما في سورة الحشر، فوصف المهاجرين بأنهم هم المفلحون، ووصف الأنصارَ بأنهم هم الصادقون، وبين أن المؤمنين من بعدهم هم الذين يدعون لهم ويستغفرون لهم، وليسوا هم الذين يسبونهم ويلعنونهم صباح مساء، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
[ ٥٧ ]
فهم الذين استيقظت بأذانهم دنيا الخليقة من تهاويل الكرى
حتى هوت صور المعابد سُجدًا لجلال من خَلَقَ الوجودَ فصورا
فمن الأُلى حملوا بعزم أكفهم باب المدينة يومَ غزوةِ خيبرا؟
أمَّن رمى نار المجوس فأُطفئت وأبَان وجه الحق أبلجَ نيرا؟
ومن الذي بذل الحياةَ رخيصةً ورأى رضاك أعز شيءٍ فاشترى!؟
روى الكشي أحد علماء الرافضة بسنده عن الباقر أنه ارتد الناس بعد النبي - ﷺ - إلا ثلاثة: (سلمان، وأبا ذر، والمقداد).
بل إن شرهم وصل إلى النبي - ﷺ -، ذكر ابن القيم أنَّ عددًا منهم كانوا في مسجد النبي - ﷺ - فقال أحدهم: من سبب هذا البلاء؟ فأجابه أحدهم بعد ما أشار إلى قبر النبي - ﷺ - قال صاحب هذا القبر، يعني قبر النبي - ﷺ -.
ولهم ارتباط وثيق باليهود من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ أول من كفر الصحابة هو عبد الله بن سبأ كما قال الكشي في (حق اليقين في معرفة أصول الدين) وفي هذا دلالة على أنهم فعلوا كما فعل وكفروا الصحابة إلا ما ذكر سابقًا.
الوجه الثاني: كثرتهم في هذا العصر أي اليهود في أصبهان وهي في إيران، وقد قال - ﷺ -: «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ» (١)، والطيالسة: ضرب من الأوشحة يلبس على الكتف، أو يحيط بالبدن.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٦٦) رقم (٢٩٤٤).
[ ٥٨ ]