كلاهما قد غلا في هذا الباب، فالقدرية غلوا في نفي القدر، والجبرية غلوا في إثبات القدر.
والمذهب الحق في هذه المسألة: مذهب أهل السنة والجماعة الذين توسطوا وقالوا: إن العبد له مشيئة واختيار لكن تحت مشيئة الله تعالى، فالعبد ليس مستقلًا بمشيئته، ولهذا قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩].
فقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾: رد على الجبرية.
وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: رد على القدرية.
فالله ﷿ أراد الخير والشر بمشيئته الكونية، ولم يرض من العبد الكفر والمعاصي شرعًا ودينًا (٢).
•قوله: «ولا تُنْكِرَنْ جَهْلًا نَكِيرًا وَمُنْكَرًا * ولا الحوْضَ وَالْمِيزَانَ إِنَّكَ تُنْصَحُ» سبق الكلام عن هذه المسائل: منكر ونكير والحوض والميزان في شرح اللامية.
_________________
(١) ينظر: التوضيحات الأثرية لمتن الرسالة التدمرية ص (٤٣٤).
(٢) التوضيحات الجلية (٢/ ٦٠٤).
[ ٧٤ ]
وقُلْ: يُخْرِجُ اللهُ الْعَظِيمُ بِفَضْلِهِ مِنَ النَّارِ أجْسَادًا مِنَ الفَحْمِ تُطْرَحُ
•---------------------------------•
هذا البيت في مسألة عصاة المؤمنين وحكمهم في الآخرة، وعصاة المؤمنين كما لا يخفى هم: من كانوا موحدين لكن توحيدهم ناقص، ويشمل ذلك أهل الكبائر وغيرهم.
ومذهب أهل السنة والجماعة: أنهم تحت المشيئة إن شاء الله غفر لهم وإن شاء عذبهم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فهم تحت المشيئة إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، فهم مستحقون للعذاب، وأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.
والخلاصة: أن مصير هؤلاء في النهاية دخول الجنة وعدم التخليد في النار أما الكفار والمشركون والمنافقون النفاق الأكبر المخرج من الملة فيخلدون في النار.