تكرر ذكر الشفاعة كثيرًا في الأحاديث النبوية الشريفة، وإذا كان القرآن الكريم قد أكد الشروط والضوابط للشفاعة عند الله تعالى يوم القيامة، فإن السنة قد شرحت أنواع الشفاعة وصفتها، والشفعاء والمشفوع لهم.
وأحاديث الشفاعة صحيحة وصريحة في إثبات الشفاعة يوم القيامة، وهي كثيرة جدًّا بلغت حد التواتر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «أحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفي السنن والمسانيد مما يكثر عدده» (١).
وأنشد بعضهم:
مِمَّا تَوَاتَرَ حَدِيثُ مَنْ كَذَبْ وَمَنْ بَنَى لله بَيْتًا وَاحْتَسَبْ
وَرُؤْيةٌ شَفَاعَةٌ وَالْحَوْضُ وَمَسْحُ خُفَّيْنِ وَهَذِي بَعْضُ
وهناك نماذج من أحاديث الشفاعة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - منها ما جاء في الصحيحين عن أنس - ﵁ - أن رسول الله قال: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» (٢).
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة - ﵁ -: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ » (٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٣١٤).
(٢) صحيح البخاري (٨/ ٦٧) رقم (٦٣٠٥)، وصحيح مسلم (١/ ١٩٠) رقم (١٩٩).
(٣) صحيح مسلم (١/ ١٨٩) رقم (١٩٩).
[ ٧٩ ]
وليس معنى ذلك أن النبي - ﷺ - ليس له إلا هذه الدعوة المستجابة، بل قال أهل العلم: «معناه دعوة أُعِلم أنها تستجاب لهم أي: للأنبياء ويُبْلَغ فيها مرغوبُهم» (١).
ومن أحاديث الشفاعة ما جاء في الصحيحين أيضًا عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلي»، وذكر منها: «وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ» (٢).
وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» (٣).
هذه نماذج من أحاديث الرسول - ﷺ - في الشفاعة.
وأما الإجماع: فقد أجمع السلف الصالح من أهل السنة والجماعة على إثبات الشفاعة يوم القيامة وفق ما ورد في النصوص الشرعية من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.
ولم ينكر الشفاعة أو بعض أنواعها إلا المبتدعة.
قال أبو حاتم وأبو زرعة رحمهما الله تعالى: «أدركنا العلماء في جميع الأمصار فكان من مذهبهم أن الشفاعة حق» (٤).
ومن الشواهد أيضًا على اتفاق أهل السنة على إثبات الشفاعة يوم القيامة أن المصنفين من أئمة أهل السنة وعلمائهم الذين ألَّفوا كتبًا أو رسائل في العقيدة قد نصوا على الشفاعة وأثبتوها، ومنهم:
_________________
(١) الشفا للقاضي عياض (١/ ٢٢٣)، وشرحه للقاري (١/ ٤٧٨).
(٢) صحيح البخاري (١/ ٧٤) رقم (٣٣٥)، وصحيح مسلم (١/ ٣٧٠) رقم (٥٢١).
(٣) صحيح مسلم (٤/ ١٧٨٢) رقم (٢٢٧٨).
(٤) عقيدة أبي حاتم الرازي وأبي زرعة ص (١٩٩).
[ ٨٠ ]
١ - ابن خزيمة في كتاب التوحيد.
٢ - أبو جعفر الطحاوي في عقيدته.
٣ - الآجري في الشريعة.
٤ - ابن بطة في الإبانة.
٥ - اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة.
٦ - الصابوني في عقيدة السلف.
٧ - الأصبهاني في كتاب الحجة في بيان المحجة.
وعند استقراء أحاديث الرسول - ﷺ - في الشفاعة يتبين أنها تتنوع من حيث الشفعاء، ومن حيث نوع الشفاعة، كما سيأتي.