الجواب: اختلف فيه، فقيل: المراد القرآن؛ لما جاء عند الإمام الترمذي مرفوعًا في حديث طويل اشتمل على الحث على الأخذ بالقرآن، وذكر فضائله ومنزلته، من حديث الحارث الأعور، قال: «دَخَلْتُ المسْجِدَ فَإِذَا أُنَاسٌ يَخُوضُونَ فِي أَحَادِيثَ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ فَقُلْتُ: ألَا تَرَى أَنَّ أُنَاسًا يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ فِي المسْجِدِ؟ فَقَالَ: قَدْ فَعَلُوهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: سَتَكُونُ فِتَنٌ، قُلْتُ: وَمَا المخْرَجُ مِنْهَا؟ قَالَ: كِتَابُ الله فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالهزْلِ، هُوَ الَّذِي مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ الله، وَمَنِ ابْتَغَى الهدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ الله،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤/ ٢٠٠) رقم (٤٦٠٧)، والترمذي (٤/ ٣٤١) رقم (٢٦٧٦)، وابن ماجه (١/ ١٥) رقم (٤٢)، وإسناده صحيح.
[ ١٧ ]
فَهُوَ حَبْلُ الله المتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الحكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ المسْتَقِيمُ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ أَنْ قَالُوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، هُوَ الَّذِي مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، خُذْهَا إِلَيْكَ يَا أَعْوَرُ» (١).
والمقصود أن المراد بحبل الله هو القرآن، وقيل: إن المراد بحبل الله الوحي، والوحي يشمل القرآن والسنة، فالسنة وحي كالقرآن، وهي منزلة كالقرآن، أما كون السنة وحيًا؛ فلقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، أما كونها منزلة، فلقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، فالكتاب هنا هو القرآن، والحكمة السنة.
وبهذا يتبين لنا أن المراد بحبل الله: الوحي سواء كان قرآنًا أو سنةً، وهذا هو الراجح.
•قوله: «وَاتَّبِعِ الْهُدَى» أي: الزم طريق السنة التي بعث بها النبي - ﷺ -، فهي طريق النجاة، وسلّم الفلاح.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٥/ ١٧٢) رقم (٢٩٠٦)، وابن أبي شيبة (٦/ ١٢٥) رقم (٣٠٠٠٧)، والدارمي (٢/ ٥٢٧) رقم (٣٣٣٢). وقال الترمذي: «هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال». فالحديث ضعيف، ومعناه صحيح، فما جاء فيه من ذكر أوصاف القرآن؛ فهو حق.
[ ١٨ ]
يقول ابن القيم - ﵀ - في نونيته:
يَا مَنْ يُرِيد نجاته يَوْمَ الحساب من الجحيم وموقد النيران
اتبع رسول الله في الأقوال والـ أعمال لا تخرج عن القرآن
وخذ الصحيحين اللذين هما لعقد الدين والإيمان واسطتان
واقرأهما بعد التجرد من هوى وتعصب وحَمِيَّة الشيطان
واجعلهما حكمًا ولا تحكم على ما فيهما أصلًا بقول فلان
والمقصود أنَّ الناظم استفتح هذه المنظومة بالوصية بالأخذ بالقرآن واتباع السنة وقد فعل ذلك لأمرين:
الأمر الأول: أن هذه هي طريقة القرآن الوصية بالأخذ بالقرآن والسنة كقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وقوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وغيرها في القرآن كثير.
الأمر الثاني: بيان أن القرآن لا يكفي عن السنة، فهما متلازمان لا يمكن استقلال أحدهما عن الآخر.
[ ١٩ ]