وَقُلْ يَتَجَلَّى اللهُ لِلْخَلْقِ جَهْرَةً كَمَا الْبَدْرُ لَا يَخْفَى وَرَبُّكَ أَوْضَحُ
•---------------------------------•
•قوله: «وَقُلْ» أي: قل أيها المتمسك بالكتاب والسنة، والمتبع لمذهب أهل السنة والجماعة.
•قوله: «يَتَجَلَّى اللهُ لِلْخَلْقِ» أي: يكشف لهم الحجاب يوم القيامة، فيظهر لهم ﷾، ويرونه عيانًا بأبصارهم.
•قوله: «جَهْرَةً» أي: عيانًا جهارًا دون حجاب.
•قوله: «كَمَا الْبَدْرُ لَا يَخْفَى» مأخوذ من قول النبي - ﷺ - كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخُدْرِيِّ: «أَنَّ أُنَاسًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالُوا: يَا رَسُولَ الله هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: (نَعَمْ، هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟)، قَالُوا: لَا، قَالَ: (وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟): قَالُوا: لَا، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: (مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الله ﷿ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا)» (١).
•قوله: «وَرَبُّكَ أَوْضَحُ» أي: أظهر وأبين من البدر؛ لأن البدر من مخلوقاته، والتشبيه هنا للرؤية لا للمرئي فإن الله ليس كمثله شيء، والمعنى ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك، وتنتفي معها المرية كرؤيتكم القمر لا ترتابون ولا تمترون.
وفي هذا البيت يتحدث الناظم عن مسألة الرؤية، وقد انقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقسام:
١) الرافضة والإباضية والجهمية والمعتزلة: ينكرون رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.
_________________
(١) صحيح البخاري (٦/ ٤٤) رقم (٤٥٨١)، وصحيح مسلم (١/ ١٦٧) رقم (١٨٣).
[ ٣٨ ]
٢) مذهب طوائف من الصوفية: الذين قالوا: «إن الله يرى في الدنيا والآخرة» فهذا فيه حق وفيه باطل، والحق إثبات الرؤية في الآخرة والباطل إثباتها في الدنيا، كما قال تعالى عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لن هنا ليست للتأبيد، فالله لا يُرى في الدنيا لكن يُرى في الآخرة، فالمقصود لن تراني في الدنيا.
٣) مذهب أهل السنة: وهو إثبات الرؤية في الآخرة دون الدنيا، وهذا هو الحق الذي دلت عليه النصوص.
لكن قد يقول قائل: كيف يطيق المؤمن رؤية الله في الآخرة مع أن الله تعالى ذكر عن موسى أنه لم يطق ذلك، قال تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟
والجواب: أن الله تعالى يمنحهم - وهو القوي القادر - قوة يستطيعون بها الرؤية والثبات في هذا الموقف، لكنها مجرد رؤية وليست إدراكًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فهم يرونه في الآخرة لكن لا يدركونه.
فقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يدل على كمال عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢].
فلم ينف موسى الرؤية، وإنما نفى الإدراك، فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه فالرب تعالى يرى ولا يدرك كما يعلم ولا يحاط به علمًا (١).
_________________
(١) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢١٥).
[ ٣٩ ]
وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ بِوَالِدٍ وَلَيْسَ لَهُ شِبْهٌ تَعَالَى الْمُسَبَّحُ
•---------------------------------•
•قوله: «وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ» أي: ليس الله ﷾ بمُتَوَلِّد عن أصلٍ فيكون فرعًا، فهو الأول وليس قبله شيء.
•قوله: «وَلَيْسَ بِوَالِدٍ» أي: ليس له ﷾ ولد ولا صاحبة.
وقد أخذ الناظم - ﵀ - هذا الكلام من قول الله تعالى في سورة الإخلاص: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣]، وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
•قوله: «وَلَيْسَ لَهُ شِبْهٌ» أي: ليس له نِدٌّ ولا نظير ولا مثيل ﷾، لا في ذاته المقدسة، ولا في صفاته المنزهة، ولا في أفعاله سبحانه، وقد أخذ الناظم هذا أيضًا من سورة الإخلاص في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقوله تعالى في سورة الشورى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
• قوله: «تَعَالَى» أي: ارتفع قدره وتقدس، أن يكون مولودًا أو له ولدٌ أو مثيلٌ أو نظيرٌ.
• قوله: «الْمُسَبَّحُ» أي: المنزه عن جميع النقائص.
وكل الذي ذكره الناظم في هذا البيت أخذه من سورة الإخلاص كما سبق، وهي سورة عظيمة ذُكِرَ فيها التوحيد بأنواعه الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
والقرآن على ثلاثة أقسام:
١) ما أخلص في التوحيد كما في سورة الإخلاص.
٢) ما اشتمل على بيان الحلال والحرام.
٣) ما جاء في أخبار وقصص الأمم الغابرة.
[ ٤٠ ]
فالقرآن مشتمل على هذه الثلاث، إما توحيد مع نفي ضده، وإما أحكام وبيان للحلال والحرام، وإما قصص وعظات عن الأمم السالفة، وسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، كما في البخاري من حديث أبي سعيد الخدري: «أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (١)، وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال: «خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ الله - ﷺ - فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فَقَرَأَ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ حَتَّى خَتَمَهَا» (٢).
والمتأمل فيها يجد أنها جردت في التوحيد خاصة، ولهذا عدلت ثلث القرآن؛ لأنها اشتملت على قسم من هذه الأقسام الثلاثة، وقد تضمنت هذه السورة النفي والإثبات، أما النفي فهو للمعايب والنقائص عن الله تعالى، فكل نقص منفي عنه، كما تضمنت إثبات الكمال المطلق لله ﷻ، وفي قوله عزَّ في علاه ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ نفي للولد عن الله تعالى، وفي هذا رد على ثلاث طوائف أثبتت له الولد، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا وهم:
١) اليهود: حيث قالوا: عزير ابن الله.
٢) النصارى: حيث قالوا: المسيح ابن الله، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
_________________
(١) صحيح البخاري (٦/ ١٨٩) رقم (٥٠١٣).
(٢) صحيح مسلم (١/ ٥٥٧) رقم (٨١٢).
[ ٤١ ]
وَقَدْ يُنْكِرُ الجهْمِيُّ هَذَا وَعِنْدَنَا بِمِصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيْثٌ مُصَرِّحُ
•---------------------------------•
٣) أهل الشرك: الذين جعلوا الملائكة بنات الله، كما قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ [النحل: ٥٧] والآيات في ذلك كثيرة.
• ما مناسبة هذا البيت لما قبله وما بعده؟
الجواب: البيت الذي قبله عن الرؤية، وكذلك الذي بعده، والمؤلف أراد بهذا البيت الرد على النفاة الذين أنكروا الرؤية مخافة تشبيه الخالق بالمخلوق، وقالوا: لو أثبتنا الرؤية لأثبتنا له الجسم وشبهناه بالخلق؛ لأن الرؤية لا تقع إلا على ذي جسم.
فهم قاسوا هذا القياس الباطل، فرد المؤلف عليهم بأنه ليس بمولود وليس بوالد، ولا يشبه خلقه؛ ولهذا أهل السنة يثبتون الصفات التي دلت عليها النصوص من غير تشبيه.
• قوله: «وَقَدْ يُنْكِرُ الجهْمِيُّ» (قد) هنا جاءت للتحقيق، أي: حقيقة مقال الجهمي إنكار رؤية الله.
وقد جاء هذا البيت بعد قول الناظم:
وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ بِوَالِدٍ وَلَيْسَ لَهُ شِبْهٌ تَعَالَى الْمُسَبَّحُ
والجهمي لا ينكر هذا، وإنما المراد إنكاره للرؤية.
• قوله: «وَعِنْدَنَا» أي: نحن معشر أهل السنة والجماعة.
•قوله: «بِمِصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيْثٌ مُصَرِّحُ» أي: يصدق ما قلنا في رؤية الله يوم القيامة حديث صريح في إثبات الرؤية، لا يحتمل التأويل.
[ ٤٢ ]
رَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ مَقَالِ مُحَمَّدٍ فَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ في ذَاكَ تنْجَحُ
•---------------------------------•
• قوله: «رَوَاهُ جَرِيرٌ» أي: روى ذلك الحديث الصريح الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي - ﵁ -.
وقد روى هذا الحديث عدد من الصحابة الكرام، بل ذكر السفاريني في (لوائح الأنوار) أنه رواه خمسون إمامًا، والأحاديث في هذا الباب قد وصلت إلى حد التواتر فهي كثيرة.
• قوله: «عَنْ مَقَالِ مُحَمَّدٍ» أي: يروي هذا الحديث جرير من قول النبي - ﷺ - الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، وفي هذا إشارة إلى أن أهل السنة يأخذون عقيدتهم من الوحي مما جاء في الكتاب والسنة، وأهل البدع يأخذونها من عقولهم وآراء الرجال وأهواء المضلين.
وحديث جرير في إثبات الرؤية، أخرجه البخاري ومسلم (١)، ولفظه عن جرير قال: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي الْبَدْرَ - فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ».
• قوله: «فَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ في ذَاكَ تنْجَحُ» أي: قل أيها المسلم المسترشد طالب النجاة مثل ما قال النبي - ﷺ - في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فتظفر بموافقة الصواب ومتابعة السنة والكتاب، فتكون بذلك مع تمسكك بسائر معتقد أهل السنة والجماعة من الفرقة الناجية المنصورة، وتنجو من الخسران والخيبة ومخالفة قول النبي - ﷺ -.
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ٢٠٣) رقم (٥٢٩)، وصحيح مسلم (١/ ٤٣٩) رقم (٦٣٣).
[ ٤٣ ]