ضل في هذا طائفتان:
١) الخوارج: الذين يكفرون مرتكب الكبيرة ويخرجونه من الملة، ويقولون: هو خالد مخلد في النار كالكافر، يعني: لا فرق بين إنسان عاق لوالديه وبين الكافر.
٢) المعتزلة: وهم الذين يخرجون العصاة من الإيمان ولا يدخلونهم في الكفر، ويقولون: لا مؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين المنزلتين، إن مات من غير توبة فهو مخلد في النار.
وهاتان الطائفتان قد ضلتا في هذا الباب، وخالفوا بذلك القرآن، والرد عليهم في أربع كلمات من القرآن قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فهذه الآية فيها الرد على هاتين الطائفتين.
[ ٧٥ ]
عَلى النَّهْرِ فِي الفِرْدَوْسِ تَحْيَا بِمَائِهِ كَحِبِّ حَمِيلِ السَّيْلِ إذْ جَاءَ يَطْفَحُ
•---------------------------------•
وجه الرد عليهم: أن ما دون الشرك تحت المشيئة، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، وهذا لا يكون في حق الكفار، بل هو في حق عصاة المؤمنين.
•قوله: «عَلى النَّهْرِ فِي الفِرْدَوْسِ تَحْيَا بِمَائِهِ» أي: العصاة يعذبون على قدر معاصيهم وذنوبهم إلى أن يصيروا فحمًا وحممًا، ثم هذه الأجساد تطرح على نهر الحياة في الفردوس فتحيا بمائه كما تنبت الحبة في حميل السيل.
•قوله: «كَحِبِّ حَمِيلِ السَّيْلِ» وفي بعض النسخ: «كَحِبة حِمْل السَّيْلِ» وهما بمعنى واحد، أي: الحبة التي يحملها السيل.
والناظم في هذا البيت يشير إلى ما جاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الجنَّةِ ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الجنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» (١).
والمعنى أن من شاء الله تعالى تعذيبهم من عصاة الموحدين يأذن الله تعالى بالشفاعة لهم بعد ما يكونون فحمًا فيجاء بهم جماعات، فيُلْقَوْن في نهر من أنهار الجنة يعرف بنهر الحياة، فإذا وضعوا في هذا النهر أحياهم الله كما تحيا البذرة التي تكون في مجرى السيل فتنبت وتكبر بعد ذلك، وبعد ما يطرحون في نهر الحياة تحيا أجسادهم وتنبت ثم إذا نقوا دخلوا الجنة، لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة نقية.
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ١٧٢) رقم (١٨٥).
[ ٧٦ ]