الجواب: أنه جاء في بعض الروايات عند مسلم إثبات الشمال لله ﷾، لكن أكثر الأحاديث لم تأت بهذه التسمية، وإنما جاء فيها: «كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» (١)؛ لذلك حكم بعض أهل العلم على رواية مسلم بالشذوذ، ولكن رجح بعض المحققين أنه لا تنافي بين الروايتين؛ لأن المعنى في قوله: «كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» أن اليد الأخرى ليست كالشمال بالنسبة للمخلوقين؛ لأن شمال المخلوق ناقصة عن اليمنى، أما يداه سبحانه فسواء في الكمال (٢).
•قوله: «وَقُلْ يَنْزِلُ الجَبَّارُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ» أثبت الناظم في هذا البيت صفة النزول على ما يليق بجلاله تعالى، والأحاديث الواردة في هذا متوافرة متضافرة، رواها جماعات من الصحابة، ولهذا نص أهل العلم على أن أحاديث النزول بلغت حد التواتر، نص عليه شيخ الإسلام في الفتاوى، وابن القيم في الصواعق وغيرهما من أهل العلم، ومذهب أهل السنة في هذا الباب قائم على أصلين:
١) الإثبات بلا تمثيل.
٢) التنزيه بلا تعطيل.
فنثبت ولا نمثل وننزه ولا نعطل.
_________________
(١) صحيح مسلم (٣/ ١٤٥٨) رقم (١٨٢٧).
(٢) ينظر: القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٥٣٤).
[ ٤٥ ]
بِلَا كَيْفَ جَلَّ الْوَاحِدُ الْمُتَمَدَّحُ
•---------------------------------•
• ما قول النفاة في تأويل صفة النزول الواردة في الحديث؟
الجواب: منهم من قال: إن الرحمة هي التي تنزل، ومنهم من قال: ينزل أمر ربنا، ومنهم من قال: ينزل ملك من الملائكة؛ وهذا كله تحريف.
• كيف نجيب عن هذا التأويل الذي صدر عن هؤلاء؟
الجواب: نرد عليهم من هذا الحديث، أي حديث أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» حيث جاء في آخره: «مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (١). فالرحمة لا يمكن أن يتصور منها قول ذلك، إنما هو من قول الله، فهو الذي يغفر للمستغفر، ويجيب الداعي.
•قوله: «الجَبَّارُ» الجبار من أسماء الله قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣].
•قوله: «بِلَا كَيْفَ» أي: ينزل الله ﷾ نزولًا يليق بجلاله لا نعلم كيفيته، فلا يقال: كيف ينزل، وإنما نثبت ذلك من غير تكييف ولا تمثيل.
•قوله: «جَلَّ» أي: تعاظم وعلا شأنه.
•قوله: «الْوَاحِدُ» هذا من أسماء الله فهو: الواحد الأحد.
•قوله: «الْمُتَمَدَّحُ» أي: المتصف بصفات المدح والكمال والجلال.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/ ٥٣) رقم (١١٤٥)، ومسلم (١/ ٥٢١) رقم (٧٥٨).
[ ٤٦ ]
إِلَى طَبَقِ الدُّنْيَا يَمُنُّ بِفَضْلِهِ فَتُفْرَجُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُفْتَحُ
يَقُوْلُ أَلا مُسْتَغْفِرٌ يَلْقَ غَافِرًا وَمُسْتَمْنِحٌ خَيْرًا وَرِزْقًا فَيُمْنَحُ
•---------------------------------•
•قوله: «طَبَقِ الدُّنْيَا» أي السماء الدنيا، وقد جاء ما يدل على تسميتها بالطبق، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح: ١٥] وهذا يدل على أن هؤلاء الأئمة يتقيدون ويلتزمون بألفاظ القرآن والسنة.
•قوله: «يَمُنُّ بِفَضْلِهِ» أي: ينزل ليَمُنَّ بفضله وكرمه وجوده على عباده، حيث يقول: هل من سائل، هل من مستغفر، هل من داع؟ كما في حديث النزول: «مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ»، ومن أسمائه ﷾ المنان وهو المنعم المعطي؛ من المنِّ وهو العطاء.
•قوله: «فَتُفْرَجُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُفْتَحُ» أي: تنكشف وتفتح أبواب السماء؛ لنزول المنح منها والرحمة والمغفرة والخير والبركة، وصعود الكلمات الطيبة والعمل الصالح والدعاء.
•قوله: «يَلْقَ غَافِرًا» هذا من أسماء الله كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢].
وقال في أول سورة غافر: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣].
•قوله: «وَمُسْتَمْنِحٌ خَيْرًا» يعني طالب خير من خيري الدنيا والآخرة، فإن الله تعالى يعطيه ويمنحه ويغفر لمن استغفره.
•قوله: «فَيُمْنَحُ» أي: يمنحه الله ما يريد، ويعطيه سؤله.
[ ٤٧ ]
رَوَى ذَاكَ قَوْمٌ لا يُرَدُّ حَدِيثُهُمْ أَلَا خَابَ قَوْمٌ كَذَّبُوهُمْ وقُبِّحُوا
•---------------------------------•
•قوله: «رَوَى ذَاكَ قَوْمٌ» إشارة إلى حديث النزول، أي: روى ذلك الخبر قوم من الصحابة والتابعين ومن تبعهم، وهم ثقات عدول وأئمة جهابذة، ورواياتهم في الصحاح والسنن والمسانيد.
•قوله: «لا يُرَدُّ حَدِيثُهُمْ» هذا وصف لرواة أحاديث النزول بأنهم لا يرد حديثهم أي: إنهم ثقات ضابطون عدول، بل حديثهم بلغ المتواتر الملزم بتصديقه، والمتواتر يلزم التصديق به عند جميع الطوائف.
وسبق أن الأحاديث في هذا الباب أحاديث متواترة (١)، أوصلها ابن القيم إلى أكثر من ثلاثين حديثًا عن أكثر من ثلاثين صحابيًّا.
•قوله: «أَلَا خَابَ قَوْمٌ كَذَّبُوهُمْ وقُبِّحُوا» هذا دعاء من الناظم بالخيبة والخسران والتقبيح على من أنكر صفة النزول الثابتة بالأحاديث المتواترة، وكذَّب أولئك القوم الذين رووها بالتواتر.
وهو مسلك أهل البدع والضلال الذين ردوا الأحاديث الصحيحة، وكذبوا رواتها؛ لأنها تخالف قواعدهم وآراءهم الفاسدة.
وهؤلاء قال فيهم السفاريني - ﵀ -: «استعملوا قياساتهم الفاسدة وآراءهم الباطلة، وشبههم الداحضة في رد النصوص الصحيحة والآيات الصريحة، فردوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رواتها وتخطئتهم» (٢).
_________________
(١) كما نقل ذلك الذهبي في كتابه العلو للعلي الغفار ص (٩١).
(٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ٧).
[ ٤٨ ]