قال القاضي أبو يعلى «العقل ضرب من العلوم الضرورية وهو مثل العلم باستحالة اجتماع الضدين وكون الجسم في مكانين ونقصان الواحد عن الاثنين» ثم ذكر تعريفات بعض العلماء له فقال: «وقال أبو الحسن التميمي.. العقل ليس بجسم ولا صورة ولا جوهر وإنما هو نور فهو كالعلم. وقال أبو محمد البربهاري: وليس العقل باكتساب وإنما هو فضل من الله» «وقال بعضهم: قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات. وقال أبو بكر بن فورك: هو العلم الذي يمتنع به من فعل القبيح. وقال بعضهم ما حسن معه التكليف» ثم قال أبو يعلى «ومعنى ذلك كله متقارب ولكن ما ذكرناه أولى لأنه مفسر وهو قول الجمهور من المتكلمين» .
وعن أحمد بن حنبل ﵀ قال: «العقل غريزة» قال القاضي «ومعنى قوله غريزة أنه خلق لله تعالى ابتداءً وليس باكتساب للعبد خلافًا لما حكي عن بعض الفلاسفة أنه اكتساب» (١) .
وقال الإمام أبو عبد الله المازري ﵀ «اختلف الناس في العقل ما هو فقيل هو العلم وقيل بعض العلوم الضرورية وقيل قوة يميز بها بين حقائق المعلومات» (٢) .
وقال الإمام أبو القاسم الأصبهاني «وقال بعضهم العقل على ثلاثة أوجه عقل مولود مطبوع وهو عقل ابن آدم الذي به فضل على أهل الأرض وهو محل التكليف والأمر والنهي وبه يكون التدبير والتمييز.
والعقل الثاني: «عقل التأييد الذي يكون مع الإيمان معًا. وهو عقل الأنبياء والصديقين وذلك تفضل من الله تعالى. والعقل الثالث: هو عقل التجارب والعبر وذلك ما يأخذه الناس بعضهم من بعض» (٣) .
قلت: والشاهد من قوله: العقل الأول.
_________________
(١) العدة في أصول الفقه (١/٨٣-٨٦) وانظر: الأحياء ١/١١٧ وكشاف الاصطلاحات ٤/١٠٢٧ والحدود للباجي ٣١ والتعريفات ١٥٧ والمسودة ٥٥٦ وغيرها وكلها لا تخرج عما ذكرت.
(٢) شرح النووي على مسلم (٢/٦٨) .
(٣) الحجة في بيان المحجة (١/٣٢٠) .
[ ٤ ]
.. وقال ابن الجوزي «إن أعظم النعم على الإنسان العقل. لأنه الآلة في معرفة الإله سبحانه والسبب الذي يتوصل به إلى تصديق الرسل» (١) .
وقال النسفي «هو قوة للنفس بها تستعد للعلوم والادراكات» (٢) .
وقال شيخ الإسلام «العقل في لغة العرب يتناول العلم والعمل بالعلم جميعًا ومن أهل الكلام من يجعله اسمًا لنوع من العلم فقط فيقول هو نوع من العلوم الضرورية ومن الناس من يريد به العمل بالعلم كما ذكره أبو البركات. وقد يراد بالعقل القوة التي في الإنسان وهي الغريزة التي بها يحصل له ذلك العلم والعمل به ولهذا كان في كلام السلف كأحمد والحارث المحاسبي وغيرهما اسم العقل يتناول هذه الغريزة» (٣) .
وقال في موضع آخر «العقل في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلًا وهو أيضًا غريزة في الإنسان فمسماه من باب الأعراض» (٤) . وقال «العقل قد يراد به القوة الغريزية في الإنسان التي بها يفعل وقد يراد به نفس أن يعقل ويعي ويعلم فالأول قول الإمام أحمد وغيره من السلف: العقل غريزة والحكمة فطنة. والثاني قول طوائف من أصحابنا وغيرهم: العقل ضرب من العلوم الضرورية. وكلاهما صحيح فإن العقل في القلب مثل البصر في العين يراد به الإدراك تارة ويراد به القوة التي جعلها الله في العين يحصل بها الإدراك. فإن كل واحد من علم العبد وإدراكه، ومن علمه وحركته حول. ولكل منهما قوة ولا قوة إلا بالله» (٥) .
_________________
(١) تلبيس إبليس (٣) .
(٢) نقلًا عن: العقل في مجرى التاريخ (٣٠) .
(٣) الصفدية (٢/٢٥٧) .
(٤) الرد على المنطقيين (١٩٦) .
(٥) الاستقامة (٢/١٦١) .
[ ٥ ]
.. قلت: هذه بعض تعريفات العقل عند علماء المسلمين تُفيد في مجملها بأن العقل غريزة قد وهبها الله ﷾ لمخلوقه (الإنسان) ليتميز بها عن غيره من المخلوقات في إدراك عالمه الذي يحيط به أو إن شئت فقل «هو ملكة في النفس تستعد بها للعلوم والإدراكات» (١) مستعينًا بمجموعة من الحواس التي تشكل نافذة له على هذا العالم الرحيب ومعتمدًا في أعماله على عدة ملكات وهبها الله للإنسان ليستقيم بها عمل العقل، حصرها بعض العلماء في خمس ملكات هي:
ملكة الإرادة.
ملكة الإدراك.
ملكة الاستنتاج.
ملكة الحافظة.
ملكة الذاكرة (٢) .