أما عند أصحابنا من علماء الكلام (وأعني بهم المعتزلة خاصة) فكيف تطورت أحوالهم حتى ضاهوا الشرع بعقولهم وجعلوه حاكمًا على النصوص لا محكومًا لها؟
فأقول: «لما ظلمت الأرض وبعد عهد أهلها بنور الوحي وتفرقوا في الباطل فرقًا وأحزابًا لا يجمعهم جامع ولا يحصيهم إلا الذي خلقهم فإنهم فقدوا نور النبوة ورجعوا إلى مجرد العقول فكانوا كما قال - ﷺ - فيما يروي عن ربه أنه قال: «إني خلقت عبادي حنفاء وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمتْ عليهم ما أحللتُ لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا وأن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» (١) . فكان أهل العقول كلهم في مقته إلا بقايا متمسكين بالوحي فلم يستفيدوا بعقولهم حين فقدوا نور الوحي إلا عبادة الأوثان أو الصلبان أو النيران أو الكواكب والشمس والقمر أو الحيرة والشك أو السحر أو تعطيل الصانع والكفر به فاستفادوا بها مقت الرب سبحانه لهم وإعراضه عنهم فأطلع الله شمس الرسالة في تلك الظلم سراجًا منيرًا وأنعم بها على أهل الأرض في عقولهم وقلوبهم ومعاشهم ومعادهم نعمة لا يستطيعون لها شكورًا فأبصروا بنور الوحي ما لم يكونوا بعقولهم يبصرونه ورأوا في ضوء الرسالة ما لم يكونوا بآرائهم يرونه فكانوا كما قال الله تعالى: (الله ولي الذي آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) وقال: (آلر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد) وقال: (وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلنه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا) وقال: (أومن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) فمضى الرعيل الأول في ضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء ولم تلتبس به ظلم الآراء وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم وأن لا يخرجوا عن طريقتهم» (٢)
_________________
(١) رواه مسلم (١٥٩٨) وهذا الحديث دليل على دم العرب ما لم يكن معهم إسلام.
(٢) الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/١٠٦٨) .
[ ٢ / ٢٢ ]
فكان من شأن الصحابة أنهم لم يقدموا عقولهم بين يدي الله ورسوله - ﷺ - بل كان دليل أحدهم إذا استدل إنما هو آية من كتاب الله أو سنة رسوله - ﷺ -. فهذا أبو سعيد الخدري ﵁ لما سمع بمقالة ابن عباس ﵄ الأولى في الربا – قبل أن يرجع عنها – وهي حديث (إنما الربا في النسيئة) قال أبو سعيد له «أرأيت هذا الذي تقول شيء سمعته من رسول الله - ﷺ - أو وجدته في كتاب الله ﷿؟» .
فهاتان هما الحجتان الملزمتان للناس عند الصحابة: كتاب من الله أو سنة من رسوله - ﷺ - مصداقًا لقوله تعالى: (يا أيها الذي آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) وكان أحدهم ﵃ يغضب إذا عورض حديث رسول الله - ﷺ - بقول غيره من البشر ولو كان من حكماء اليونان! فقد جاء في صحيح مسلم أن عمران بن حصين ﵁ ذكر لأصحابه حديث رسول الله - ﷺ - أنه قال: «الحياء لا يأتي إلا بخير» فقال أحدهم وهو بشير بن كعب «أنه مكتوب في الحكمة أن منه وقارًا ومنه سكينة» فقال عمران «أحدثك عن رسول الله - ﷺ - وتحدثني عن صحفك» ! وفي رواية: فغضب عمران حتى احمرتا عيناه وقال «ألا أراني أحدثك عن رسول الله - ﷺ - وتعارض فيه» قال فأعاد عمران الحديث. قال فأعاد بشير. فغضب عمران قال فمازلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نجيد إنه لا بأس به» (١) قال النووي «وقولهم إنه منا لا بأس به معناه ليس هو ممن يتهم بنفاق أو زندقة أو بدعة أو غيرها مما يخالف به أهل الاستقامة» .
_________________
(١) مسلم بشرح النووي (٢/٧) .
[ ٢ / ٢٣ ]
إذن فالصحابة لم يعارضوا ولم يرضوا بمعارضة حديث رسول - ﷺ - بغيره من المعقولات، وإذا أشكل عليهم شيء من ذلك كانوا «يوردون إشكالاتهم على النبي - ﷺ - فيجيبهم عنها وكانوا يسألونه عن الجمع بين النصوص التي يوهم ظاهرها التعارض، ولم يكن أحد منهم يورد عليه معقولًا يعارض النص البتة، ولا عرف فيهم أحد –وهم أكمل الأمم عقولًا – عارض نصًا بعقله يومًا من الدهر، وإنما حكى الله سبحانه ذلك عن الكفار، كما تقدم، وثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من نوقش الحساب عذب»، فقالت عائشة: يا رسول الله، أليس الله يقول: (فأما من أوتي كتابه بيمينه. فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا) . فقال: «بلى ولكن ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب» (١)، فأشكل عليها الجمع بين النصين حتى بين لها صلوات الله وسلامه عليه أنه لا تعارض بينهما وأن الحساب اليسير هو العرض الذي لابد أن يبين الله فيه لكل عامل عمله، كما قال تعالى: (يومئذٍ تعرضون لا تخفى منكم خافية) . حتى إذا ظن أنه لن ينجو نجاه الله تعالى بعفوه ومغفرته ورحمته فإذا ناقشه الحساب عذبه ولابد.
_________________
(١) رواه البخاري (فتح الباري ١/١٩٦،١٩٧)، ومسلم (٤/٢٢٠٤) .
[ ٢ / ٢٤ ]
ولما قال: - ﷺ - «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» قالت له حفصة: أليس الله يقول: (وإن منكم إلا واردها) قال: «ألم تسمعي قوله تعالى (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيًا») فأشكل عليها الجمع بين النصين وظنت الورود دخولها كما يقال ورد المدينة إذا دخلها فأجاب النبي - ﷺ - بأن ورود المتقين غير ورود الظالمين فإن المتقين يردونها ورودًا ينجون به من عذابها والظالمين يردونها ورودًا يصيرون جثيًا فيها به. فليس الورود كالورود» (١) إلى غير ذلك من مراجعتهم لرسول الله - ﷺ - «فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج، والقدرية والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأئمة، ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يَدَّع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها، دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرءوا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، ولا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا، فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان مروان يسمى مروان الجعدي وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة، فلما اشتهر أمره في المسلمين، طلبه خالد بن عبد الله القسري، وكان أميرًا على العراق، حتى ظفر به،
_________________
(١) الصواعق (٣/١٠٥٢) .
[ ٢ / ٢٥ ]
فخطب الناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا ثم نزل فذبحه في أصل المنبر، ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي بها، والناس إذ ذاك عنق واحد أن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليمًا وتجلى للجبل فجعله دكًا هشيمًا إلى أن جاء أول المائة الثالثة، وولي على الناس عبد الله المأمون، وكان يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامرًا بأنواع المتكلمين في العلوم، فغلب عليه حب المعقولات، فأمر بتعريب كتب يونان، وأقدم لها المترجمين من البلاد، فعربت له، واشتغل بها الناس، والملك سوق ما سوق فيه جلب إليه، فغلب على مجلسه جماعة من الجهمية ممن كان أبوه الرشيد قد أقصاهم وتتبعهم بالحبس والقتل فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه فقبلها، واستحسنها، ودعا الناس إليها، وعاقبهم عليها» (١) . ومنذ ذلك الحين تميزت فرقة أهل الاعتزال بمغالاتها في العقل ومقاييسه وتقديمه على ما يظن مخالفًا له من النصوص الشرعية وعرفت بذلك بين فرق الإسلام المختلفة. والذي دعاهم إلى هذا الالتفاف حول العقل في ظني أمور كثيرة –والعلم عند الله تعالى- منها:
_________________
(١) الصواعق (٣/١٠٦٩) .
[ ٢ / ٢٦ ]
أولًا: أخذهم من تراث الأولين من فلاسفة اليونان ممّن لم ينعموا بمصاحبة وحي إلهي يقود مسيرتهم فصاروا يقضون في شؤونهم كلها بهذا العقل الذي زادوا من سلطانه وانفراده فكانت مصنفات أولئك الفلاسفة تضم المقاييس العقلية في شكل منطق يتحاكم إليه في القضايا العقلية. فتابعهم في ذلك المتكلمون والمعتزلة من أهل الإسلام وأعجبوا بصنيعهم ذلك. وكل هذا بفضل جهود الترجمة التي قام بها بعض الخلفاء فأوقعوا الأمة في هذه المصائب المتتالية من حيث ظنوا أنهم يحسنون صنعًا بها. ويشهد لذلك: أن المعتزلة لم يعلُ صيتهم وتظهر عقلانيتهم واضحة إلا في عهد الخليفة المأمون الذي مهّد السبيل للاقتباس من كتب اليونان وأعانهم عليها (١) . حتى أحدثت الفلسفة – كما يقول زهدي حسين – «في حياتهم انقلابًا خطيرًا وفي تفكيرهم ثورة عنيفة لأنهم بعد أن وقفوا على مواضيعها وتعمقوا فيها أحبوها لذاتها وتعلقوا بها فنتج عن ذلك أمران:
أنهم صاروا يعظمون الفلاسفة اليونان وينظرون إليهم نظرة أسمى وأقدس من نظرتنا إليهم اليوم ويضعونهم في مرتبة تقرب من عتبة النبوة. ثم آمنوا بأقوالهم واعتبروها كما يقول أوليري مكملة لتعاليم دينهم. وانهمكوا لذلك في إظهار الاتفاق الجوهري بينها فبدأ عمل المعتزلة الآخر المهم ألا وهو التوفيق بين الدين الإسلامي وبين الفلسفة اليونانية.. ذلك العمل الذي تركوه لمن خلفهم من الفلاسفة المسلمين كابن رشد والفارابي والكندي الذين قاموا بنصيبهم فيه وكانوا لا يقلون عنهم عناية به وتحمسًا له.
_________________
(١) نقل السيوطي عن شيخ الإسلام أنه «كان يقول: ما أظن الله يغفل عن المأمون ولابد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخاله هذه العلوم الفلسفية بين أهلها أو كما قال» (صون المنطق ٩) .
[ ٢ / ٢٧ ]
أن المعتزلة أخذوا يبتعدون عن أهدافهم الدينية ويهملون تدريجيًا عقائدهم اللاهوتية ويزدادون انصرافًا إلى المسائل الفلسفية حتى جاء وقت كادت جهودهم فيه تقتصر على البحث في مواضيع الفلسفة البحتة كالحركة والسكون والجوهر والعرض والموجود والمعدوم والجزء الذي لا يتجزأ إن اشتغال المعتزلة بالتوفيق بين الدين والفلسفة وشغفهم بالأبحاث الفلسفية وتعمقهم فيها جعلهم يتأثرون بالفلسفة كثيرًا ويصبغون بها معظم أقوالهم. ولهذا قال شتينز: إن الاعتزال في تطوراته الأخيرة كان أكثره متأثرًا بالفلسفة اليونانية» (١) . فإن قيل بأنهم قد سبقوا هذه الترجمة. فنقول إن ترجمة تراث الأقدمين ليست مقصورة على الخليفة المأمون ولكنه هو الذي تولى كِبْرها. فقد بدأت الترجمة كما يُذكر في عهد الخليفة المنصور الذي أوعز إلى ابن المقفع بترجمة بعض كتب المنطق ككتاب (المقولات) «وبعد مضي عصر المنصور أتى عصر المهدي وانتهى ومر عصر الهادي بعد عصر المهدي دون أن تُؤثر عنهما أو عن واحد من الأشخاص البارزة في وقتهما شيء يتعلق بالترجمة في عمومها فضلًا عن ترجمة الفلسفة بمعناها الخاص» (٢) . أما الرشيد فقد أمر بإعادة ترجمة الكتب التي سبقت ترجمتها في العهود التي قبله أكثر من تشجيعه على ترجمة كتب جديدة. ثم جاء عصر المأمون وهو العصر الذهبي للترجمة كما يقال.
_________________
(١) المعتزلة (٤٩) .
(٢) الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي – محمد البهي (١٦٩) .
[ ٢ / ٢٨ ]
قال ابن صاعد في طبقات الأمم «لما أفضت الخلافة إلى المأمون تمم ما بدأ به جده المنصور فأقبل على طلب العلم من مواطنه واستخراجه من معادنه بفضل همته الشريفة! وقوة نفسه الفاضلة! فداخل ملوك الروم وأتحفهم وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلاسفة فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطو وبقراط وغيرهم من الفلاسفة فاختار لها مهرة التراجمة وكلفهم إحكام ترجمتها فترجمت له على غاية ما يمكن ثم حض الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها» (١) .
قلت: والذي دعاه إلى هذه الهمة في الترجمة تشربه بمبدأ الاعتزال القائم على العقل ومقاييسه واستصغاره لنصوص الوحي – لا سيما الحديث – أن تفي بحاجات الأمة. إضافة إلى جلساء السوء من رموز الاعتزال وما يُذكر عنه من حبه للاطلاع والاستزادة من ثقافات الآخرين.
وأما اقتباس المعتزلة من تراث الديانة اليهودية والمسيحية فليس هذا مكانه لأن الحديث عن العقل والعقلانية التي تميزت بها الثقافة اليونانية دون غيرها فلهذا قصرت القول على كيفية استفادتهم منها.
ثانيًا: ومما جعلهم ينحون هذا الاتجاه العقلاني هو ضعفهم في مجال الرواية وجهلهم لعلم الحديث النبوي واقتصارهم على آيات القرآن وبعض الأحاديث التي رأوا أنها تؤيد أقوالهم. فهذا الضعف في علم الحديث قد ألجأهم إلى المعقولات ليعوضوا بها ما عندهم من نقص ويسدوا به ثغرات مذهبهم. وهذا مصداق ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال «إن أصحاب الرأي أعداء السنة أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم فلم يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا علم لنا فعارضوا السنة برأيهم إياك وإياهم» (٢) .
_________________
(١) الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي – محمد البهي (١٦٩) .
(٢) الحجة (١/٢٠٥) .
[ ٢ / ٢٩ ]
ومما صد كثيرًا منهم عن طلب الحديث والسعي وراء حلقاته ما رأوه من كثرة الوضع وانتشار الأحاديث الضعيفة بين رواة الحديث واختلاطها بالصحيح منه وكان من تلك الأحاديث ما يعارض المعقول فظنوا لجهلهم أن لا ضابط يفرق بين الصحيح والسقيم منها. وإن زعم ذلك أهل الحديث. فرأوا أن الرأي الصائب أن يدعوا صحيحها وسقيمها وأن يقتصروا على ما يوافق بدعهم وآراءهم منها. ولا يخفى على دارس أن الأحاديث قد دُسَّ في جملتها –لأغراض شتى- الموضوعات والمكذوبات على رسول الله - ﷺ - حتى راجت على بعض العلماء فاحتجوا بها لا في الفقه وحده بل في أمور العقيدة. خاصة مسائل الصفات ولذا أنكر بعض المحققين كابن قدامة تلك الأحاديث الضعيفة والموضوعة وروايتها ضمن عقائد السلف.
قال ابن قدامة (ينبغي أن يُعلم أن الأخبار الصحيحة التي ثبتت بها صفات الله تعالى هي الأخبار الصحيحة الثابتة بنقل العدول الثقات التي قبلها السلف ونقلوها ولم ينكروها ولا تكلموا فيها. وأما الأحاديث الموضوعة التي وضعتها الزنادقة ليلبسوا بها على أهل الإسلام أو الأحاديث الضعيفة إما لضعف رواتها أو جهالتهم أو لعلةٍ فيها فلا يجوز أن يقال بها ولا اعتقاد ما فيها بل وجودها كعدمها. وما وضعته الزنادقة فهو كقولهم الذي أضافوه إلى أنفسهم فمن كان من أهل المعرفة بذلك وجب عليه اتباع الصحيح واطراح ما سواه ومن كان عاميًا ففرضه تقليد العلماء وسؤالهم لقول الله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وإن أشكل عليه علم ذلك ولم يجد من يسأله فليقف وليقل: آمنت بما قاله رسول الله - ﷺ - ولا يثبت بها شيئًا، فإن كان هذا مما قاله رسول الله - ﷺ - فقد آمن به وإن لم يكن منه فما آمن به» (١) .
_________________
(١) ذم التأويل (٤٧) .
[ ٢ / ٣٠ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية منكرًا على أبي يعلى روايته لبعض تلك الأحاديث الضعيفة في الصفات «والمقصود هنا أن ما لم يكن ثابتًا عن الرسول لا نحتاج أن ندخله في هذا الباب سواء احتيج إلى تأويل أو لم يحتج» (١) .
لكن لا يعني رواج تلك الأحاديث على قلة من العلماء –غير المحدّثين- اجتهدوا في إدخالها ضمن عقائد السلف أن ندع الحديث جملة ونفر منه إلى غيره. فهل هذا إلا تولية للأدبار عن الدين كله؟ بل كان الأولى بهؤلاء أن يجتهدوا في معرفة الأحاديث الصحيحة التي لا تعارض المعقول أبدًا ويميزوا بينها وبين ضعيف الحديث كما فعل جهابذة الحديث ونقاده الذي اصطفاهم الله لذلك.
واعلم أن هذا الاختلاط في الأحاديث كان لِحكَم لا يحصيها إلا الله سبحانه: منها أن يظل كلامه تعالى متميزًا عن غيره من كلام البشر ولو كان كلام رسول الله - ﷺ -، ومنها أن تكون فتنة للجهلة وأصحاب القلوب المريضة وامتحانًا يميز الله فيه الخبيث من الطيب، ومنها أن تظهر براعة علماء الحديث. ومنها أن يأجرهم الله تعالى على صبرهم واجتهادهم في تمييز الأحاديث، ومنها أن يتنافس العلماء في الصالحات، ومنها أن تكثر العلوم الإسلامية وتتنوع وينتشر لأجل ذلك طلب العلم والسعي فيه، ومنها أن يظهر فضل هذه الأمة في حفظ دين نبيها وأقواله والحرص على جمعها وتهذيبها بخلاف غيرها من الأمم ممن حرف وبدل، ومنها أن يغتاظ الشيطان وحزبه إذا رأوا هذا الجد من الأمة في حفظ سنة نبيها - ﷺ -، وحكم أخرى غيرها.
_________________
(١) درء التعارض (٥/٢٣٩) .
[ ٢ / ٣١ ]
ثم اعلم أنه برغم هذا الاختلاط الظاهر في الأحاديث فإن سنة النبي - ﷺ - تظل محفوظة من قبل الله لا يشك مسلم في ذلك لأنه تعالى تكفل بحفظها في قوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقوله: (وأنزلنا إليك الكتاب لتبين للناس ما نزل إليهم من ربهم) وقوله: (أطيعوا الرسول) فإذا اعتُقِد أن بعضًا من تلك الأحاديث قد فقدت أو اختلطت بغيرها حتى لم تعد تعرف فكيف يطاع الرسول - ﷺ - الذي أمر به تعالى؟ وكيف يُرَدُّ إلى حُكمه عند الاختلاف؟ فهل هذا إلا تكليف ما لا يطاق؟ وهل هذا إلا إيذانٌ بعدم كمال الدين واستمراره إلى يوم القيامة؟
وأيضًا فهذه الأحاديث «ما اختلطت إلا على الجاهلين بها فأما العلماء بها فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهم والدنانير فيميزون زيوفها ويأخذون جيادها ولئن دخل في غمار الرواة من وسم بالغلط في الأحاديث فلا يروج ذلك على جهابذة أصحاب الحديث ورتوت (١) العلماء حتى إنهم عدو أغاليط من غلط في الأسانيد والمتون بل تراهم يعدون على كل رجل منهم في كم حديث غلط وفي كم حرف حرّف وماذا صحف؟ فإذا لم يرج عليهم أغاليط الرواة في الأسانيد والمتون والحروف فكيف يروج وضع الزنادقة وتوليدهم الأحاديث» (٢) .
ثالثًا: مما صرفهم عن المأثورات إلى تلك المعقولات هو حب التمايز على الآخرين وشهوة الانفراد بشيء غير معروف عند عامة الناس ليذكروا به ولا يكونوا كغيرهم من جملة أهل الحديث. وهذا السبب لم يزل في الناس قديمًا وحديثًا فلو تدبرت حال كثير من أهل البدع لوجدت النشأة الأولى لهم هذه الشهوة الخفية.
_________________
(١) قال ابن الأعرابي: الرت: رئيس البلد جمعها (رتوت) (الصحاح ٢٤٩) .
(٢) الحجة (٢/١٣٤) .
[ ٢ / ٣٢ ]
قال الإمام أبو القاسم الأصبهاني واصفًا حال هؤلاء العقلانيين «إني تدبرت هذا الشأن فوجدت عظم السبب فيه أن الشيطان صار بلطيف حيلته يسوّل لكل من أحس من نفسه بفضل ذكاء وذهن، يوهمه أنه إن رضي في علمه ومذهبه بظاهر السنّة، واقتصر على واضح بيان منها كان أسوة العامة، وعدّ واحدًا من الجمهور والكافة، فحرّكهم بذلك على التنطع في النظر، والتبدع بمخالفة السنّة والأثر، ليبينوا بذلك عن طبقة الدهماء، ويتميزوا في الرتبة عمّن يرونه دونهم في الفهم والذكاء، واختدعهم بهذه المقدمة حتى استزلهم عن واضح المحجة، وأورطهم في شبهات تعلقوا بزخارفها، وتاهوا في حقائقها، ولم يخلصوا منها إلى شفاء نفس، ولا قبلوها بيقين علم، ولما رأوا كتاب الله تعالى ينطق بخلاف ما انتحلوه، ويشهد عليهم بباطل ما اعتقدوه، ضربوا بعض آياته ببعض وتأولوها على ما سنح لهم في عقولهم، واستوى عندهم على ما وضعوه من أصولهم، ونصبوا العداوة لأخبار رسول الله - ﷺ - ولسننه المأثورة عنه، وردّوها على وجوهها وأساءوا في نقلتها القالة، ووجهوا عليهم الظنون، ورموهم بالتزيد، ونسبوهم إلى ضعف المنّة، وسوء المعرفة بمعاني ما يروونه من الحديث، والجهل بتأويله، ولو سلكوا سبيل القصد ووقفوا عندما انتهى بهم التوقيف، لوجدوا برد اليقين وروح القلوب، ولكثرت البركة وتضاعف النماء، وانشرحت الصدور، ولأضاءت فيها مصابيح النور، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم» (١) .
هذه الأسباب الثلاثة: تأثرهم بالعلم الوافد وضعفهم في علم الحديث وشهوة التفاضل على الغير. هي في نظري أهم الأسباب التي أدارت وجوه القوم إلى العقل والعقلانية وألجأتهم إليها.
_________________
(١) الحجة (١/٣٧٢) .
[ ٢ / ٣٣ ]
إذن هذا هو حال العقلانيين الأوائل في هذه الأمة. فرقة سادت قليلًا ثم بادت. قال الدكتور مصطفى الشكعة «أما المعتزلة فقد اندثر حزبهم كمذهب قائم بذاته فلم نعد في عصرنا الحديث نسمع عن الواصلية أو الهذيلية أو النظامية أو الجاحظية أو البشرية أوا لجبائية إلى غير ذلك من المدارس الاعتزالية الفرعية. وإنما ذاب المذهب في تعاليم الشيعة الإمامية والشيعة الزيدية بحيث أخذ المذهبان أطيب ما عند المعتزلة من أفكار! واطرحا ما قد توسط فيه علماء الاعتزال من تطرف واندفاع» (١) .
قلت: ولكن بقيت من أصولها الفكرية الأصل الذي يغالي في دور العقل في أمور الشريعة وأصبح منارًا يهدي العقلانيين إلى سبيل الرشاد! ويدفعهم عن طريق الفساد!.
ثم جاء بعد المعتزلة آحاد الفلاسفة الإسلاميين المفترقين مكانًا وزمانًا فزادوا في الميل إلى تلك المعقولات فكانت هي رأس مالهم. ولقد كانوا كما قال أحمد أمين «فلاسفة أولًا ودينيين آخرًا. لا ينظرون إلى الدين إلا عند ما تتعارض نظرية فلسفية مع الدين فيجدوا للتوفيق بينهما» (٢) . فلذا لم يؤثروا في حياة المسلمين كتأثير المعتزلة الذي خلطوا الدين بالكلام وموًّهوًا على المسلمين بنصرة دينهم. وإنما اندثرت أفكارهم النظرية بموتهم فلم تبن مجتمعًا ولم تُقم على سلطة ولكنهم تلازموا وإياهم في تعظيم (العقل) لأنه كما قلت بضاعتهم الوحيدة، فهذا الرازي يتحدث كثيرًا عن العقل في كتبه. ويأتي بعده ابن سيناء فيغلو في العقل إلى أن أطلقه على الله ﵎. وأقربهم مودة إلى العقلانيين فيلسوف المغرب ابن رشد.
_________________
(١) إسلام بلا مذاهب (٦١٩) .
(٢) ضحى الإسلام (٣/٢٠٤) .
[ ٢ / ٣٤ ]
إذن بعد موت المعتزلة لم تقم فرقة واحدة تدعو إلى إعلاء العقل على حساب غيره وإنما لم تخل الأمة من أفراد يرفعون أصواتهم بين الحين والآخر مطالبين بتلك الفكرة لأسباب متنوعة. ويحضرني منهم فيلسوف المعرة – كما يُسَمّى- الشاعر أبا العلاء المعري. وهو من ملاحدة الشعراء في كثرة اعتراضه على الشرع بل على الديانات كلها. وتمجيده للعقل والإيمان الإلهي المجرد يقول عنه طه حسين «لا يؤمن إلا للعقل وحده فخالف بهذا أهل السنة لأنهم يقدسون الشرع على العقل وإن آمنوا به وخالف مذهب المعتزلة لأنهم على تقديسهم للعقل يتخذون الشرع لنظرهم أصلًا ودليلًا يعتزون به ويلجئون إليه» (١) . ويقول الدكتور عمر فروخ «يعتقد المعري أن من اتسع عقله لم يضل هذا إذا كان له عقل! أما إذا لم يكن له عقل فهو يعمل أعماله بالتقاليد أو يساق إليها كالعجماوات. ولم يكتف المعري بأن يحكم العقل في الأمور التي جرت العادة بتحكيمه فيها بل أراد أن يكون العقل والفكر في أكثر الأغراض التي تناولها المعري في لزومياته حتى في العبادات وهو في كل ذلك يزدري شيئين ازدراءً شديدًا التقليد والأخبار المروية. ولذلك تراه يتلقى كل خبر مروي أو كل عادة شائعة بميزان العقل» (٢) .
قلت: وهذا مصدق لما نبهتك عليه سابقًا من أن انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة كان صارفًا لبعض الجهلة في الحديث – كالمعري مثلًا – إلى إعظام دور العقل. فهو يقول ناصحًا للأمة:
خذوا في سبيل العقل تهدوا بهديه ولا يرجون غير المهيمن راج
ولا تطفئوا نور المليك فإنه ممتع كل من حجا بسراج (٣)
ويقف متحيرًا أمام بعض الأحاديث الضعيفة التي تخالف العقل فيقول:
جاءت أحاديث إن صحت فإن لها شأنًا ولكن فيها ضعف إسناد
_________________
(١) تجديد ذكرى أبي العلاء (٢٣٩) .
(٢) تاريخ الفكر العربي (٤٤٨) .
(٣) لزوم ما لا يلزم (١/٣٦٦) .
[ ٢ / ٣٥ ]
فشاور العقل واترك غيره هدرًا فالعقل خير مشير ضمه النادي (١)
أي لا تتعب نفسك بدراسة علم الحديث ومصطلحه وإنما انبذ ذلك كله وشاور عقلك!.
ويقول:
عليك العقل وافعل ما رآه جميلًا فهو مشتار الشوار (٢)
وهو الإمام والقائد للإنسان
كذب الظن لا إمام سوى العقل مقيمًا في صبحه والمساء (٣)
ويبلغ الغلو في تمجيد العقل عند هذا الملحد إلى أن ينزله منازل الأنبياء! كما صنع المعتزلة بالنصوص فهو يقول:
أيها الغِر إن خُصصت بعقل فاسألنه فكل عقل نبي! (٤)
لم يكن أبو العلاء معتزليًا كما ذكر طه حسين، فهو عندما أشاد بالعقل وقدسه قد ذم المعتزلة في شعره كثيرًا وأعلن البراءة من مقولاتهم. خاصة قولهم بالقدر فهو يقول:
جنوا كبائر آثام وقد زعموا أن الصغائر تجني الخلد في النار (٥)
وينصح سامعه بأن لا يكون منهم:
لا تعش مجبرًا ولا قدريًا واجتهد في توسطٍ بين بينا (٦)
ويخبر عن نفسه أنه بمعزل عنهم:
ارجوا واعتزلوا فإني عن مقالتكم بمعزل (٧)
أي كونوا مرجئة أو معتزلة فلست معكم.
_________________
(١) المصدر السابق (١/٥٠٠) .
(٢) المصدر السابق (٢/٧٥٦) .
(٣) المصدر السابق (١/٦١) .
(٤) المصدر السابق (٣/١٧١٦) .
(٥) المصدر السابق (٢/٧٣٦) .
(٦) المصدر السابق (٣/١٥٧٩) .
(٧) المصدر السابق (٣/١٣٥٧) .
[ ٢ / ٣٦ ]
يقول الدكتور عمر فروخ «قد يعجب أحدنا فيقول إن المعري يهاجم المعتزلة مع أنهم يفضلون العقل على النقل كما يفعل هو. أجل إنه ليس معتزليًا وإن كان يرى رأي المعتزلة في تفضيل العقل على ما روي في الدين من أخبار وإنما هو يهاجم من المعتزلة أولئك الذين يضيعون أوقاتهم وأوقات غيرهم بالجدل العقيم لا الذين يحلون العقل مرتبة سامية» (١) . فهو يلتقي معهم في العقلانية دون أصولهم الأخرى. ودعاه إلى ذلك ما دعاهم – كما سبق – فإن النفوس والأهواء واحدة.
ثم تمضي الأيام وتتعاقب الليالي فيظهر في هذه الأمة عقلاني آخر اشتهر بشعره الفلسفي كالمعري. هو الشاعر العراقي جميل الزهاوي الذي كان أبوه مفتيًا لبغداد! ومن نسل خالد بن الوليد! وهذا الشاعر قد اشتهر عند الجمهور إضافة إلى عقلانيته بعداوته الشديدة للحجاب الإسلامي فهو صاحب القصيدة المشهورة.
مزقي يا ابنة العراق الحجابا واسفري فالحياة تبغي انقلابًا
مزقيه واحرقيه بلا ريث فقد كان حارسًا كذابًا
مزقيه وبعد ذلك أيضًا مزقيه حتى يكون هبابًا
وانزعيه بقوة وطئيه واجعلي في فم الحنيق ترابًا
وهي قصيدة طويلة وجريئة يستحق لأجلها على كل بيت من أبياتها أن يستتاب أو يعزر.
هذا في الحجاب (٢) وأما العقل فقد عرف هذا الملحد بمحاكاته لسلفه المعري في التعويل على العقل وتقديمه على النصوص الشرعية. وإليك شيئًا من أشعاره:
_________________
(١) تاريخ الفكر (٤٤٨) ويرى طه حسين أن المعري كان جبريًا لأن «حياته المادية وشعره في اللزوميات ينطقان بذلك»، تجديد ذكرى أبي العلاء (٢٦٢) .
(٢) وللزهاوي أيضًا كتاب في الرد على (الوهابية) ! حيث زعم أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ مجسّم! ويكفر المسلمين جميعهم. انظر: الزهاوي وديوانه المفقود – هلال ناجي (٣٣) (٥٦) . والطريف أنه بعد سنوات مدح الملك عبد العزيز! وهذا من التناقض الذي اشتهر به كالمعري.. رحم الله المسلمين.
[ ٢ / ٣٧ ]
على العقل في كل الأمور المعول ولولاه لم ينحل للمرء مشكل
وما العقل في الإنسان إلا ابن رأيه تولد فيه آخر وهو أول
وللعقل أنوار بها يهتدي الفتى وأبهج بأنوار لها العقل يرسل (١)
ويقول:
خضعت لعقلي في حياتي كلها وما كنت يومًا خاضعًا لعواطفي (٢)
وأيضًا:
دع المحال وكلم بلهجة المستدل
ما كنت أقبل إلا ما ليس يأباه عقلي (٣)
وأيضًا:
قالوا اترك العقل لا تعمل به حتى يؤيد حكمه المنقول
قلت اترك المنقول لا تعمل به حتى يؤيد حكمه المعقول (٤)