ولهذا آل الأمر بمن سلك هذا الطريق إلى أنهم لا يستفيدون من جهة الرسول شيئًا من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الله تعالى وأفعاله، بل وباليوم الآخر عند بعضهم، لاعتقادهم أن هذه فيها ما يُردّ بتكذيب أو تأويل وما لا يرد، وليس لهم قانون يرجعون إليه في هذا الأمر من جهة الرسالة، بل هذا يقول: ما أثبته عقلك فأثبته، وإلا فلا، وهذا يقول: ما أثبته كشفك فأثبته، وإلا فلا، فصار وجود الرسول - ﷺ - عندهم كعدمه في المطالب الإلهية وعلم الربوبية، بل وجوده – على قولهم – أضر من عدمه، لأنهم لم يستفيدوا من جهته شيئًا، واحتاجوا إلى أن يدفعوا ما جاء به: إما بتكذيب، وإما بتفويض، وإما بتأويل.
الوجه التاسع: أنه إذا علم صحة السمع وأن ما أخبر به الرسول - ﷺ - فهو حق فإما أن يعلم أنه أخبر بمحل النزاع أو يظن أنه أخبر به أو لا يعلم ولا يظن، فإن علم أنه أخبر به امتنع أن يكون في العقل ما ينافي المعلوم بسمع أو غيره فإن ما علم ثبوته أو انتفاؤه لا يجوز أن يقوم دليل يناقض ذلك. وإن كان مظنونًا أمكن أن يكون في العقل علم ينفيه وحينئذٍ فيجب تقديم العلم على الظن لا لكونه معقولًا أو مسموعًا بل لكونه علمًا، كما يجب تقديم ما علم بالسمع على ما ظن بالعقل وإن كان الذي عارضه من العقل ظنيًا. فإن تكافئا وقف الأمر، وإلا قدّم الراجح، وإن لم يكن في السمع علم ولا ظن فلا معارضة حينئذٍ، فتبين أن الجزم بتقديم العقل مطلقًا خطأ وضلال.
الوجه العاشر: أن يقال: إذا تعارض الشرع والعقل وجب تقديم الشرع؛ لأن العقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، والشرع لم يصدق العقل في كل ما أُخبر به، ولا العلم بصدقه موقوف على كل ما يخبر به العقل.
[ ٤ / ٨ ]
ومعلوم أن هذا إذا قيل أوجه من قولهم، كما قال بعضهم: يكفيك من العقل أن يعلمك صدق الرسول ومعاني كلامه. وقال بعضهم: العقل متول، وَلَّي الرسول ثم عزل نفسه، لأن العقل دل على أن الرسول - ﷺ - يجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر.
والعقل يدل على صدق الرسول دلالة عامة مطلقة. وهذا كما أن العامي إذا علم عين المفتي ودل غيره وبين له أنه عالم مفتٍ، ثم اختلف العامي الدال والمفتي وجب على المستفتي أن يقدم قول المفتي، فإذا قال له العامي: أنا الأصل في علمك بأنه مفت، فإذا قدمت قوله على قولي عند التعارض قدحت في الأصل الذي به علمت أنه مفت، قال له المستفتي: أنت لما شهدت بأنه مفت، ودللت على ذلك، شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك، كما شهد به دليلك، وموافقتي لك في هذا العلم المعين لا يستلزم أني أوافقك في العلم بأعيان المسائل، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت، وأنت إذا علمت أنه مفت باجتهاد واستدلال، ثم خالفته باجتهاد واستدلال كنت مخطئًا في الاجتهاد والاستدلال الذي خالفت به من يجب عليك تقليده واتباع قوله، وإن لم تكن مخطئًا في الاجتهاد والاستدلال الذي به علمت أنه عالم مفت يجب عليك تقليده. هذا مع علمه بأن المفتي يجوز عليه الخطأ، والعقل يعلم أن الرسول - ﷺ - في خبره عن الله تعالى، لا يجوز عليه الخطأ، فتقديمه قول المعصوم على ما يخالفه من استدلاله العقلي أولى من تقديم العامي قول المفتي على قوله الذي يخالفه.
[ ٤ / ٩ ]
وكذلك أيضًا إذا علم الناس وشهدوا أن فلانًا خبير بالطب أو بالقيافة أو الخرص أو تقويم السلع ونحو ذلك، وثبت عند الحاكم أنه عالم بذلك دونهم، أو أنه أعلم منهم بذلك، ثم نازع الشهود الشاهدون لأهل العلم بالطب والقيافة والخرص والتقويم أهل العلم بذلك. وجب تقديم قول أهل العلم بالطب والقيافة والخرص والتقويم على قول الشهود الذين شهدوا لهم، وإن قالوا: نحن زكينا هؤلاء، وبأقوالنا ثبتت أهليتهم، فالرجوع في محل النزاع إليهم دوننا يقدح في الأصل الذي ثبت به قولهم.
كما قال بعض الناس: إن العقل مزكي الشرع ومعدله، فإذا قدم الشرع عليه كان قدحًا فيمن زكاه وعدله، فيكون قدحًا فيه.
قيل لهم: أنتم شهدتهم بما علمتم من أنه من أهل العلم بالطب أو التقويم أو الخرص أو القيافة ونحو ذلك، وأن قوله في ذلك مقبول دون قولكم، فلو قدمنا قولكم عليه في هذه المسائل لكان ذلك قدحًا في شهادتكم وعلمكم بأنه أعلم منكم بهذه الأمور، وإخباركم بذلك لا ينافي قبول قوله دون أقوالكم في ذلك، إذ يمكن إصابتكم في قولكم: هو أعلم منا، وخطؤكم في قولكم: نحن أعلم ممن هو أعلم منا فيما ينازعنا فيه من المسائل التي هو أعلم بها منا، بل خطؤكم في هذا أظهر.
والإنسان قد يعلم أن هذا أعلم منه بالصناعات كالحراثة والنساجة والبناء والخياطة وغير ذلك من الصناعات، وإن لم يكن عالمًا بتفصيل تلك الصناعة، فإذا تنازع هو وذلك الذي هو أعلم منه لم يكن تقديم قول الأعلم منه في موارد النزاع قدحًا فيما علم به أنه أعلم منه.
[ ٤ / ١٠ ]
ومن المعلوم أن ما بينه الرسول - ﷺ - لذوي العقول أعظم من مباينة أهل العلم بالصناعات العلمية والعملية والعلوم العقلية الاجتهادية كالطب والقيافة والخرص والتقويم لسائر الناس، فإن من الناس من يمكنه أن يصير عالمًا بتلك الصناعات العلمية والعملية كعلم أربابها بها، ولا يمكن من لم يجعله الله رسولًا إلى الناس أن يصير بمنزلة من جعله الله تعالى رسولًا إلى الناس، فإن النبوة لا تنال بالاجتهاد، كما هو مذهب أهل الملل، وعلى قول من يجعلها مكتسبة من أهل الإلحاد من المتفلسفة وغيرهم فإنها عندهم أصعب الأمور، فالوصول إليها أصعب بكثير من الوصول إلى العلم بالصناعات والعلوم العقلية.
وإذا كان الأمر كذلك فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله، وعلم أنه أخبر بشيء، ووجد في عقله ما ينازعه في خبره – كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، وأن لا يقدم رأيه على قوله، ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه، وأنه أعلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته واليوم الآخر منه، وأن التفاوت الذي بينهما في العلم بذلك أعظم من التفاوت الذي بين العامة وأهل العلم بالطب.
فإذا كان عقله يوجب أن ينقاد لطبيب يهودي فيما أخبره به من مقدرات من الأغذية والأشربة والأضمدة والمسهلات، واستعمالها على وجه مخصوص، مع ما في ذلك من الكلفة والألم، لظنه أن هذا أعلم بهذا مني، وأني إذا صدقته كان ذلك أقرب إلى حصول الشفاء لي، مع علمه بأن الطبيب يخطئ كثيرًا، وأن كثيرًا من الناس لا يشفى بما يصفه الطبيب، بل قد يكون استعماله لما يصفه سببًا في هلاكه، ومع هذا فهو يقبل قوله ويقلده، وإن كان ظنه واجتهاده يخالف وصفه، فكيف حال الخلق مع الرسل عليهم الصلاة والسلام؟ !.
[ ٤ / ١١ ]
والرسل صادقون مصدوقون لا يجوز أن يكون خبرهم على خلاف ما أخبروا به قط، والذين يعارضون أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل والضلال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال، فكيف يجوز أن يعارض ما لم يخطئ قط بما لم يصب في معارضته له قط؟ .
الوجه الحادي عشر: أن يقال: تقديم المعقول على الأدلة الشرعية ممتنع متناقض، وأما تقديم الأدلة الشرعية فهو ممكن مؤتلف، فوجب الثاني دون الأول، وذلك لأن كون الشيء معلومًا بالعقل، أو غير معلوم بالعقل، ليس هو صفة لازمة لشيء من الأشياء، بل هو من الأمور النسبية الإضافية، فإن زيدًا قد يعلم بعقله مالا يعلمه بكر بعقله، وقد يعلم الإنسان في حال يعقله ما يجهله في وقت آخر.
والمسائل التي يقال إنه قد تعارض فيها العقل والشرع جميعها مما اضطرب فيه العقلاء، ولم يتفقوا فيها على أن موجب العقل كذا، بل كل من العقلاء يقول: إن العقل أثبت، أو أوجب، أو سوغ ما يقول الآخر: إن العقل نفاه، أو أحاله، أو منع منه، بل قد آل الأمر بينهم إلى التنازع فيما يقولون إنه من العلوم الضرورية، فيقول هذا: نحن نعلم بالضرورة العقلية ما يقول الآخر: إنه غير معلوم بالضرورة العقلية.
كما يقول أكثر العقلاء: نحن نعلم بالضرورة العقلية امتناع رؤية مرئي من غير معاينة ومقابلة، ويقول طائفة من العقلاء: إن ذلك ممكن.
ويقول أكثر العقلاء: إن كون الموصوف عالمًا بلا علم قادرًا بلا قدرة حيًا بلا حياة ممتنع في ضرورة العقل، وآخرون ينازعون في ذلك.
ويقول أكثر العقلاء: إن كون الشيء الواحد أمرًا نهيًا خبرًا ممتنع في ضرورة العقل، وآخرون ينازعون في ذلك.
ويقول أكثر العقلاء: إن كون العقل والعاقل والمعقول، والعشق والعاشق والمعشوق، الوجود والموجود والوجوب والعناية أمرًا واحدًا، هو ممتنع في ضرورة العقل، وآخرون ينازعون في ذلك.
[ ٤ / ١٢ ]
ويقول جمهور العقلاء: إن الوجود ينقسم إلى واجب وممكن وقديم ومحدث، وإن لفظ الوجود يعمهما ويتناولهما، وإن هذا معلوم بضرورة العقل، ومن الناس من ينازع في ذلك.
ويقول جمهور العقلاء: إن حدوث الأصوات المسموعة من العباد بالقرآن أمر معلوم بضرورة العقل، ومن الناس من ينازع في ذلك.
وجمهور العقلاء يعلمون أن كون نفس الإنسان هي العالمة بالأمور العامة الكلية، والأمور الخاصة الجزئية معلوم بضرورة العقل، ومن الناس من نازع في ذلك، وهذا باب واسع.
فلو قيل بتقديم العقل على الشرع، وليست العقول شيئًا واحدًا بينًا بنفسه، ولا عليه دليل معلوم للناس، بل فيها هذا الاختلاف والاضطراب؛ لوجب أن يحال الناس على شيء لا سبيل إلى ثبوته ومعرفته، ولا اتفاق للناس عليه.
وأما الشرع فهو في نفسه قول الصادق، وهذه صفة لازمة له، لا تختلف باختلاف أحوال الناس، والعلم بذلك ممكن، ورد الناس إليه ممكن، ولهذا جاء التنزيل برد الناس عند التنازع إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلًا) فأمر الله تعالى المؤمنين عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، وهذا يوجب تقديم السمع، وهذا هو الواجب، إذ لو ردوا إلى غير ذلك من عقول الرجال وآرائهم ومقاييسهم وبراهينهم لم يزدهم هذا الرد إلا اختلافًا واضطرابًا، وشكًا وارتيابًا.
[ ٤ / ١٣ ]
ولذلك قال تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين منذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) فأنزل الله الكتاب حاكمًا بين الناس فيما اختلفوا فيه، إذ لا يمكن الحكم بين الناس في موارد النزاع والاختلاف على الإطلاق إلا بكتاب منزّل من السماء، ولا ريب أن بعض الناس قد يعلم بعقله ما لا يعلمه غيره، وإن لم يمكنه بيان ذلك لغيره، ولكن ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع ألبته، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط.
الوجه الثاني عشر: أن يقال: المسائل التي يقال: إنه قد تعارض فيها العقل والسمع ليست من المسائل البينة المعروفة بصريح العقل، كمسائل الحساب والهندسة والطبيعيات الظاهرة والإلهيات البينة ونحو ذلك، بل لم ينقل أحد بإسناد صحيح عن نبينا - ﷺ - شيئًا من هذا الجنس، ولا في القرآن شيء من هذا الجنس؛ ولا يوجد ذلك إلا في حديث مكذوب موضوع يعلم أهل النقل أنه كذب، أو في دلالة ضعيفة غلط المستدل بها على الشرع.
[ ٤ / ١٤ ]
فالأول: مثل حديث عرق الخيل الذي كذبه بعض الناس على أصحاب حمّاد بن سلمة، قالوا: إنه كذبه بعض أهل البدع، واتهموا بوضعه محمد بن شجاع الثلجي (١)، وقالوا: إنه وضعه ورمى به بعض أهل الحديث، ليقال عنهم أنهم يروون مثل هذا، وهو الذي يقال في متنه: «إنه خلق خيلًا فأجراها، فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق» (٢) تعالى الله عن فرية المفترين وإلحاد الملحدين؛ وكذلك حديث نزوله عشية عرفة إلى الموقف على جمل أورق، ومصافحته للركبان، ومعانقته للمشاة، وأمثال ذلك: هي أحاديث مكذوبة موضوعة باتفاق أهل العلم، فلا يجوز لأحد أن يدخل هذا وأمثاله في الأدلة
_________________
(١) هو محمد بن شجاع الثلجي البغدادي أبو عبد الله، فقيه العراق في وقته من أصحاب أبي حنيفة، وكان فيه ميل إلى الاعتزال، واحتج لفقه أبي حنيفة بالحديث وقواه به، وله مؤلفات منها: «النوادر» و«المضاربة» و«الرد على المشبهة» ولرجال الحديث فيه مطاعن كما نقل الفتني عن ابن عدي أنه كان يضع أحاديث في التشبيه ينسبها إلى المحدثين، انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ ٢/١٨٤؛ تهذيب التهذيب ٩/٢٢٠؛ الجواهر المضيئة ٢/٦٠،٤٣٨؛ ميزان الاعتدال ٣/٧١؛ تاريخ بغداد ٥/٣٥٠؛ الوافي بالوفيات ٣/١٤٧-١٤٨؛ الفهرست لابن النديم، ص٢٠٦-٢٠٧، تذكرة الموضوعات، ص٢٩١، لسان الميزان ٦/٦٩٢، الأعلام ٧/٢٨.
(٢) أورد السيوطي هذا الحديث ضمن الأحاديث الموضوعة في اللآلئ المصنوعة ١/٣ عن الحاكم عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله مم ربنا؟ قال: «من ماء مرور لا من أرض ولا من سماء، خلق خيلًا فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق»، ثم ذكر السيوطي قول الحاكم بأنه موضوع، واتهم بوضعه محمد بن شجاع الثلجي، قال الحاكم: ولا يضع مثل هذا مسلم، زاد السيوطي: «ولا عاقل»، ثم نقل كلام الذهبي عن ابن شجاع. وذكر ابن عراق هذا الحديث في تنزيه الشريعة ١/١٤٣، وذكره محمد بن طاهر الهندي الفتني في تذكرة الموضوعات، ص ٢٩١.
[ ٤ / ١٥ ]
الشرعية.
والثاني: مثل الحديث الذي في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يقول الله تعالى: عبدي مرضتُ فلم تعدني، فيقول: رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض، فلو عدته لوجدتني عنده، عبدي جُعْتُ فلم تطعمني، فيقول: رب كيف أطعمك، وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي» (١) .
فإنه لا يجوز لعاقل أن يقول: إن دلالة هذا الحديث مخالفة لعقل ولا سمع، إلا من يظن أنه قد دل على جواز المرض والجوع على الخالق ﷾، ومن قال هذا فقد كذب على الحديث. ومن قال إن هذا ظاهر الحديث أو مدلوله أو مفهومه فقد كذب، فإن الحديث قد فسره المتكلم به، وبيّن مراده بيانًا زالت به كل شبهة، وبيّن فيه أن العبد هو الذي جاع وأكل ومرض وعاده العوّاد، وأن الله سبحانه لم يأكل ولم يُعَد.
_________________
(١) ورد هذا الحديث في صحيح مسلم بألفاظ مختلفة ٤/٩٩٠.
[ ٤ / ١٦ ]
بل غير هذا الباب من الأحاديث، كالأحاديث المروية في فضائل الأعمال على وجه المجازفة، كما يروى مرفوعًا: «أنه من صلى ركعتين في يوم عاشوراء يقرأ فيها بكذا وكذا كُتب له ثواب سبعين نبيًا» (١) ونحو ذلك، هو عند أهل الحديث من الأحاديث الموضوعة، فلا يعلم حديث واحد يخالف العقل أو السمع الصحيح إلا وهو عند أهل العلم ضعيف، بل موضوع، بل لا يعلم حديث صحيح عن النبي - ﷺ - في الأمر والنهي أجمع المسلمون على تركه، إلا أن يكون له حديث صحيح يدل على أنه منسوخ، ولا يعلم عن النبي - ﷺ - حديث صحيح أجمع المسلمون على نقيضه، فضلًا عن أن يكون نقيضه معلومًا بالعقل الصريح البيّن لعامة العقلاء، فإن ما يُعلم بالعقل الصريح البيّن أظهر مما لا يعلم إلا بالإجماع ونحوه من الأدلة السمعية.
فإذا لم يوجد في الأحاديث الصحيحة ما يعلم نقيضه بالأدلة الخفية كالإجماع ونحوه، فأن لا يكون فيها ما يعلم نقيضه بالعقل الصريح الظاهر أولى وأحرى، ولكن عامة موارد التعارض هي من الأمور الخفية المشتبهة التي يحار فيها كثير من العقلاء، كمسائل أسماء الله وصفاته وأفعاله، وما بعد الموت من الثواب والعقاب والجنة والنار والعرش والكرسي، وعامة ذلك من أنباء الغيب التي تقصر عقول أكثر العقلاء عن تحقيق معرفتها بمجرد رأيهم، ولهذا كان عامة الخائضين فيها بمجّرد رأيهم إما متنازعين مختلفين، وإما حيارى منهوكين، وغالبهم يرى أن إمامة أحذق في ذلك منه.
_________________
(١) ذكر محمد بن طاهر الهندي في تذكرة الموضوعات ص ٤٣ الحديث التالي «من صلى يوم عاشوراء أربعين ركعة بعد الظهر يقرأ في كل ركعة آية الكرسي عشر مرات، والإخلاص إحدى عشرة مرة، والمعوذتين خمس مرات» . وقال: إنه موضوع. وفي الآلئ: «فضل أربع ركعات بالفاتحة والإخلاص خمسين مرة يوم عاشوراء» . وقال إنه موضوع. وانظر: الفوائد المجموعة، ص ٤٧.
[ ٤ / ١٧ ]
ولهذا تجدهم عند التحقيق مقلدين لأئمتهم فيما يقولون إنه من العقليات المعلومة بصريح العقل، فنجد أتباع أرسطو طاليس يتبعونه فيما ذكره من المنطقيات والطبيعيات مع أن كثيرًا منهم قد يرى بعقله ما قاله أرسطو، وتجده لحسن ظنه به يتوقف في مخالفته، أو ينسب النقص في الفهم إلى نفسه، مع أنه يعلم أهل العقل المتصفون بصريح العقل أن في المنطق من الخطأ البيّن ما لا ريب فيه.
وأما كلامه وكلام أتباعه: كالإسكندر الأفروديسي (١)، وبرقلس (٢)، وناسطيوس (٣)
_________________
(١) من أعظم شراح أرسطو، ولد في أفروديسيا من أعمال آسيا الصغرى، وتولى تدريس الفلسفة الأرسطية في أثينا ما بين سنتي ١٩٨، ٢١١م. انظر: تاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم، ص٣٢، ط. القاهرة، ١٩٥٨. وانظر ترجمته ومصنفاته في: طبقات الأطباء ١/١٠٥-١٠٧؛ الفهرست لابن النديم، ص٢٥٢-٢٥٣؛ الملل والنحل ٢/١٠٣٧-١٠٤٠ وقد نشر له الدكتور عبد الرحمن بدوي بعض مقالاته في كتابه «أرسطو عند العرب» .
(٢) هو آخر وأشهر ممثلي الأفلاطونية الجديدة، ولد بالقسطنطينية سنة ٤١٢م. وتلقى الفسلفة في الإسكندرية ثم في أثينا حيث صار زعيم مدرستها الفلسفية، وقد كان برقلس من القائلين بقدم العالم، توفي سنة ٤٨٥م. ترجم له ابن النديم في الفهرست (ص ٢٥٢) وذكر مصنفاته، وأورد الشهرستاني في الملل والنحل ٢/١٠٢٥-١٠٣٢ أدلته على قدم العالم. وقد نشر الدكتور عبد الرحمن بدوي رسالة له في قدم العالم (مع رسائل أخرى) في كتابه «الأفلاطونية المحدثة عند العرب» القاهرة، ١٩٥٥.
(٣) من شراح أرسطو مع أنه كان أفلاطونيًا محدثًا. ولد سنة ٣١٧م. وعاش في القسطنطينية وأيد الإمبراطور جوليان في العمل على بعث الوثيقة وتوفي سنة ٣٨٨م. انظر: يوسف كرم، المرجع السابق ٣٠٣. وانظر ترجمته والكلام عن آرائه ومصنفاته في: الفهرست لابن النديم، ص٢٥٣، ابن القفطي، ص١٠٧؛ الملل والنحل ٢/١٠٣٣-١٠٣٦. وقد نشر له الدكتور عبد الرحمن بدوي مقالة وشطرا من شرحه لمقالة (اللام) في كتابه «أرسطو عند العرب» .
[ ٤ / ١٨ ]
، والفارابي، وابن سينا، والسهروردي المقتول، وابن رشد الحفيد، وأمثالهم في الإلهيات، فما فيه من الخطأ الكثير والتقصير العظيم ظاهر لجمهور عقلاء بني آدم، بل في كلامهم من التناقض مالا يكاد يُستقصى.
وكذلك أتباع رؤوس المقالات التي ذهب إليها من ذهب من أهل القبلة، وإن كان فيها ما فيها من البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ففيها أيضًا من مخالفة العقل الصريح ما لا يعلمه إلا الله، كأتباع أبي الهذيل العلاّف، وأبي إسحاق النّظام، وأبي القاسم الكعبي، وأبي علي وأبي هاشم، وأبي الحسين البصري، وأمثالهم.
وكذلك أتباع من هو أقرب إلى السنة من هؤلاء، كأتباع حسين النّجار، وضرار بن عمرو، مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث الذي ناظر أحمد بن حنبل، ومثل حفص الفرد الذي كان يناظر الشافعي، وكذلك أتباع متكلمي أهل الإثبات كأتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاب، وأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن كرام، وأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وغيرهم.
بل هذا موجود في أتباع أئمة الفقهاء وأئمة شيوخ العبادة، كأصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم، تجد أحدهم دائمًا يجد في كلامهم ما يراه هو باطلًا، وهو يتوقف في رد ذلك، لاعتقاده أن إمامه أكمل منه عقلًا وعلمًا ودينًا، هذا مع علم كل من هؤلاء أن متبوعه ليس بمعصوم، وأن الخطأ جائز عليه، ولا تجد أحدًا من هؤلاء يقول: إذا تعارض قولي وقول متبوعي قدّست قولي مطلقًا، لكنه إذا تبيّن له أحيانًا الحق في نقيض قول متبوعه، أو أن نقيضه أرجح منه قدّمه، لاعتقاده أن الخطأ جائز عليه.
[ ٤ / ١٩ ]
فكيف يجوز أن يقال: إن في كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة الثابتة عنه ما يعلم زيد وعمرو بعقله أنه باطل؟ وأن يكون كل من اشتبه عليه شيء مما أخبر به النبي - ﷺ - قدّم رأيه على نص الرسول - ﷺ - في أنباء الغيب التي ضلّ فيها عامة من دخل فيها لمجرد رأيه، بدون الاستهداء بهدي الله، والاستضاءة بنور الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه، مع علم كل أحد بقصوره وتقصيره في هذا الباب، وبما وقع فيه من أصحابه وغير أصحابه من الاضطراب؟.
ففي الجملة: النصوص الثابتة في الكتاب والسنة لا يعارضها معقول بَيّن قط، ولا يعارضها إلا ما فيه اشتباه واضطراب، وما علم أنه حق، لا يعارضه ما فيه اضطراب واشتباه لم يعلم أنه حق.
بل نقول قولًا عامًا كليًا: إن النصوص الثابتة عن الرسول - ﷺ - لم يعارضها قط صريح معقول، فضلًا عن أن يكون مقدمًا عليها، وإنما الذي يعارضها شبه وخيالات، مبناها على معان متشابهة وألفاظ مجملة، فمتى وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبه سوفسطائية، لا براهين عقلية. ومما يوضح هذا:
الوجه الثالث عشر: وهو أن يقال: القول بتقديم الإنسان لمعقوله على النصوص النبوية قول لا ينضبط، وذلك لأن أهل الكلام، والفلسفة الخائضين المتنازعين فيما يسمُّونه عقليات، كل منهم يقول: إنه يعلم بضرورة العقل أو بنظره ما يدعي الآخر أن المعلوم بضرورة العقل أو بنظره نقيضه.
وهذا من حيث الجملة معلوم؛ فالمعتزلة ومن اتبعهم من الشيعة يقولون: إن أصلهم المتضمن نفي الصفات والتكذيب بالقدر –الذي يسمونه التوحيد والعدل- معلوم بالأدلة العقلية القطعية، ومخالفوهم من أهل الإثبات يقولون: إن نقيض ذلك معلوم بالأدلة القطعية العقلية.
[ ٤ / ٢٠ ]
بل الطائفتان ومن ضاهاها يقولون: إن علم الكلام المحض هو ما أمكن علمه بالعقل المجرد بدون السمع، كمسألة الرؤية والكلام وخلق الأفعال، وهذا هو الذي يجعلونه قطعيًا، ويؤثمون المخالف فيه.
وكلٌ من طائفتي النفي والإثبات فيهم من الذكاء والعقل والمعرفة ما هم متميزون به على كثير من الناس؛ وهذا يقول: إن العقل الصريح دل على النفي، والآخر يقول: العقل الصريح دل على الإثبات.
وهم متنازعون في المسائل التي دلت عليها النصوص، كمسائل الصفات والقدر. وأما المسائل المولدة كمسألة الجوهر الفرد وتماثل الأجسام وبقاء الأعراض وغير ذلك ففيها من النزاع بينهم ما يطول استقصاؤه، وكل منهم يدعي فيها القطع العقلي.
ثم كل من كان عن السنة أبعد كان التنازع والاختلاف بينهم في معقولاتهم أعظم، فالمعتزلة أكثر اختلافًا من متكلمة أهل الإثبات، وبين البصريين والبغداديين منهم من النزاع ما يطول ذكره. والبصريون أقرب إلى السنة والإثبات من البغداديين، ولهذا كان البصريون يثبتون كون البارئ سميعًا بصيرًا مع كونه حيًا عليمًا قديرًا، ويثبتون له الإرادة، ولا يوجبون الأصلح في الدنيا، ويثبتون خبر الواحد والقياس، ولا يؤثمون المجتهدين، وغير ذلك. ثم بين المشايخية (١) والحسينية – أتباع أبي الحسين البصري- من التنازع ما هو معروف.
وأما الشيعة فأعظم تفرقًا واختلافًا من المعتزلة، لكونهم أبعد عن السنة منهم، حتى قيل: إنهم يبلغون اثنتين وسبعين فرقة.
_________________
(١) قال الأستاذ رشاد سالم –﵀-: لم أجد فرقة من الفرق تدعى المشايخية، ويبدو أن ابن تيمية يشير إلى مشايخ المعتزلة البغداديين الذين خالفهم أبو الحسين البصري. وانظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي، ص ٤٥؛ الملل والنحل ١/١٠٧٨. وانظر أيضًا: المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري (ط. دمشق، ١٣٨٤/١٩٦٤) الفهرست: مادة شيوخكم (المعتزلة)، شيوخنا البغداديون.
[ ٤ / ٢١ ]
وأما الفلاسفة فلا يجمعهم جامع، بل هم أعظم اختلافًا من جميع طوائف المسلمين واليهود والنصارى. والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وابن سينا إنما هي فلسفة المشائين أتباع أرسطو صاحب التعاليم، وبينه وبين سلفه من النزاع والاختلاف ما يطول وصفه، ثم بين أتباعه من الخلاف ما يطول وصفه. وأما سائر طوائف الفلاسفة، فلو حكي اختلافهم في علم الهيئة وحده لكان أعظم من اختلاف كل طائفة من طوائف أهل القبلة، والهيئة علم رياضي حسابي هو من أصح علومهم، فإذا كان هذا اختلافهم فيه فكيف باختلافهم في الطبيعيات أو المنطق؟ فكيف بالإلهيات؟ .
واعتبر هذا بما ذكره أرباب المقالات عنهم في العلوم الرياضية والطبيعية، كما نقله الأشعري عنهم في كتابه في «مقالات غير الإسلاميين» .
فكلامهم في العلم الرياضي – الذي هو أصح علومهم العقلية – قد اختلفوا فيه اختلافًا لا يكاد يحصى، ونفس الكتاب الذي اتفق عليه جمهورهم- وهو كتاب «المجسطي» لبطليموس (١) – فيه قضايا كثيرة لا يقوم عليها دليل صحيح، وفيه قضايا ينازعه غيره فيها، وفيه قضايا مبنية على أرصاد منقولة عن غيره تقبل الغلط والكذب.
وكذلك كلامهم في الطبيعيات في الجسم، وهل هو مركب من المادة والصورة، أو الأجزاء التي لا تنقسم، أو ليس بمركب لا من هذا ولا من هذا؟.
_________________
(١) بطليموس القلوذي العالم المشهور صاحب كتاب المججسطي في الفلك إمام في الرياضة، كان في أيام اندرياسيوس وفي أيام أنطمبوس من ملوك الروم وبعد أيرقس بمائتين وثمانين سنة. فأما كتاب المجسطي فهو ثلاث عشرة مقالة. وأول من عني بتفسيره وإخراجه إلى العربية يحيى بن خالد بن برمك. انظر عنه: تاريخ الحكماء ص ٩٥-٩٨، طبقات الأطباء ص ٣٥-٣٨؛ الفهرست لابن النديم، ص٢٦٧-٢٦٨؛ خطط المقريزي ١/١٥٤. وانظر منهاج السنة ١/١٢٧.
[ ٤ / ٢٢ ]
وكثير من حذاق النظار حار في هذه المسائل، حتى أذكياء الطوائف كأبي الحسين البصري، وأبي المعالي الجويني، وأبي عبد الله بن الخطيب – حاروا في مسألة الجوهر الفرد، فتوقفوا فيها تارة، وإن كانوا قد يجزمون بها أخرى، فإن الواحد من هؤلاء تارة يجزم بالقولين المتناقضين في كتابين أو كتاب واحد، وتارة يحار فيها، مع دعواهم أن القول الذي يقولونه قطعي برهاني عقلي لا يحتمل النقيض!
وهذا كثير في مسائل الهيئة ونحوها من الرياضيات، وفي أحكام الجسم وغيره من الطبيعيات، فما الظن بالعلم الإلهي؟ وأساطين الفلسفة يزعمون أنهم لا يصلون فيه إلى اليقين، وإنما يتكلمون فيه بالأولى والأحرى والأخلق.
الوجه الرابع عشر: أن يعارض دليلهم بنظير ما قالوه، فيقال: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل، لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع، لأن العقل قد دل على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول - ﷺ -، فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضًا للنقل، لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء، فكان تقديم العقل موجبًا عدم تقديمه، فلا يجوز تقديمه.
وهذا بين واضح؛ فإن العقل هو الذي دل على صدق السمع وصحته وأن خبره مطابق لخبره، فإن جاز أن تكون هذه الدلالة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون العقل دليلًا صحيحًا، وإذا لم يكن دليلًا صحيحًا لم يجز أن يتبع بحال، فضلًا عن أن يقدم؛ فصار تقديم العقل على النقل قدحًا في العقل بانتفاء لوازمه ومدلوله، وإذا كان تقديمه على النقل يستلزم القدح فيه، والقدح فيه يمنع دلالته، والقدح في دلالته يقدح في معارضته، كان تقديمه عند المعارضة مبطلًا للمعارضة، فامتنع تقديمه على النقل، وهو المطلوب. وأما تقديم النقل عليه فلا يستلزم فساد النقل في نفسه.
ومما يوضح هذا أن يقال:
[ ٤ / ٢٣ ]
معارضة العقل لما دل العقل على أنه حق دليل على تناقض دلالته، وذلك يوجب فسادها، وأما السمع فلم يعلم فساد دلالته ولا تعارضها في نفسها، وإن لم يعلم صحتها. وإذا تعارض دليلان أحدهما علمنا فساده والآخر لم نعلم فساده كان تقديم ما لم يعلم فساده، أقرب إلى الصواب من تقديم ما يعلم فساده كالشاهد الذي علم أنه يصدق ويكذب، والشاهد المجهول الذي لم يعلم كذبه، فإن تقديم قول الفاسق المعلوم كذبه على قول المجهول الذي لم يعلم كذبه لا يجوز، فكيف إذا كان الشاهد هو الذي شهد بأنه قد كذب في بعض شهاداته؟!
والعقل إذا صدق السمع في كل ما يخبر به ثم قال: إنه أخبر بخلاف الحق، كان هو قد شهد للسمع بأنه يجب قبوله، وشهد له بأنه لا يجب قبوله، وشهد بأن الأدلة السمعية حق، وأن ما أخبر به السمع فهو حق، وشهد بأن ما أخبر به السمع فليس بحق، فكان مثله مثل من شهد لرجلٍ بأنه صادق لا يكذب، وشهد له بأنه قد كذب، فكان هذا قدحًا في شهادته مطلقًا وتزكيته، فلا يجب قبول شهادته الأولى ولا الثانية، فلا يصلح أن يكون معارضًا للسمع بحال.
ولهذا تجد هؤلاء الذي تتعارض عندهم دلالة العقل والسمع في حيرةٍ وشك واضطراب، إذ ليس عندهم معقول صريح سالم عن معارض مقاوم، كما أنهم أيضًا في نفس المعقول الذي يعارضون به السمع في اختلاف وريب واضطراب وذلك كله مما يبين أنه ليس في المعقول الصريح ما يمكن أن يكون مقدمًا على ما جاءت به الرسل، وذلك لأن الآيات والبراهين دالة على صدق الرسل، وأنهم لا يقولون على الله إلا الحق، وأنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الخبر والطلب، لا يجوز أن يستقر في خبرهم عن الله شيء من الخطأ، كما اتفق على ذلك جميع المقرين بالرسل من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم.
[ ٤ / ٢٤ ]
فوجب أن جميع ما يخبر به الرسول عن الله صدق وحق، لا يجوز أن يكون في ذلك شيء مناقض لدليل عقلي ولا سمعي. فمتى علم المؤمن بالرسول أنه أخبر بشيء من ذلك جزم جزمًا قاطعًا أنه حق، وأنه لا يجوز أن يكون في الباطن بخلاف ما أخبر به، وأنه يمنع أن يعارضه دليل قطعي، لا عقلي ولا سمعي، وأن كل ما ظن أنه عارضه من ذلك فإنما هو حجج داحضة، وشبه من جنس شبه السوفسطائية.
وإذا كان العقل العالم بصدق الرسول قد شهد له بذلك، وأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل صحيح، كان هذا العقل شاهدًا بأن كل ما خالف خبر الرسول فهو باطل، فيكون هذا العقل والسمع جميعًا شهد ببطلان العقل المخالف للسمع.
فإن قيل: فهذا يوجب القدح في شهادة العقل، حيث شهد بصدق الرسول، وشهد بصدق العقل المناقض لخبره.
قيل له: عن هذا جوابان:
أحدهما: إنا نحن يمتنع عندنا أن يتعارض العقل والسمع القطعيان، فلا تبطل دلالة العقل، وإنما ذكرنا هذا على سبيل المعارضة، فمن قدّم دلالة العقل على السمع يلزمه أن يقدّم دلالة العقل الشاهد بتصديق السمع، وأنه إذا قدم دلالة العقل لزم تناقضها وفسادها، وإذا قدم دلالة السمع لم يلزم تناقضها في نفسها، وإن لزمه أن لا يعلم صحتها، وما علم فساده أولى بالرد مما لم تعلم صحته ولا فساده.
والجواب الثاني: أن نقول: الأدلة العقلية التي تعارض السمع غير الأدلة العقلية التي يعلم بها أن الرسول صادق، وإن كان جنس المعقول يشملها. ونحن إذا أبطلنا ما عارض السمع إنما أبطلنا نوعًا مما يسمى معقولًا، لم نبطل كل معقول، ولا أبطلنا المعقول الذي علم به صحة المنقول، وكان ما ذكرناه موجبًا لصحة السمع وما علم به صحته من العقل.
[ ٤ / ٢٥ ]
ولا مناقضة في ذلك، ولكن حقيقته أنه قد تعارض العقل الدال على صدق الرسول والعقل المناقض لخبر الرسول، فقدّمنا ذلك المعقول على هذا المعقول، كما نقدّم الأدلة على صدق الرسول على الحجج الفاسدة والقادحة في نبوات الأنبياء، وهي حجج عقلية. بل شبهات المبطلين القادحين في النبوات قد تكون أعظم من كثير من الحجج العقلية التي يعارض بها خبر الأنبياء عن أسماء الله وصفاته وأفعاله ومعاده، فإذا كان تقديم الأدلة العقلية الدالة على أنهم صادقون في قولهم: «أن الله أرسلهم» مقدمة على ما يناقض ذلك من العقليات، كذلك تقديم هذه الأدلة العقلية المستلزمة لصدقهم فيما أخبروا به على ما يناقض ذلك من العقليات، وعاد الأمر إلى تقديم جنس من المعقولات على جنس.
وهذا متفق عليه بين العقلاء، فإن الأدلة العقلية إذا تعارضت فلابد من تقديم بعضها على بعض، ونحن نقول: لا يجوز أن يتعارض دليلان قطعيان: لا عقليان ولا سمعيان، ولا سمعي وعقلي، ولكن قد ظن من لم يفهم حقيقة القولين تعارضهما لعدم فهمه لفساد أحدهما.
فإن قيل: نحن نستدل بمخالفة العقل للسمع على أن دلالة السمع المخالفة له باطلة، إما لكذب الناقل عن الرسول، أو خطئه في النقل، وإما لعدم دلالة قوله على ما يخالف العقل في محل النزاع.
قيل: هذا معارض بأن يقال: نحن نستدل بمخالفة العقل للسمع على أن دلالة العقل المخالفة له باطلة لبطلان بعض مقدماتها، فإن مقدمات الأدلة العقلية المخالفة للسمع فيها من التطويل والخفاء والاشتباه والاختلاف والاضطراب ما يوجب أن يكون تطرق الفساد إليها أعظم من تطرقه إلى مقدمات الأدلة السمعية.
ومما يبين ذلك أن يقال: دلالة السمع على مواقع الإجماع مثل دلالته على موارد النزاع، فإن دلالة السمع على علم الله تعالى وقدرته وإرادته وسمعه وبصره، كدلالته على رضاه ومحبته وغضبه واستوائه على عرشه ونحو ذلك، وكذلك دلالته على عموم مشيئته وقدرته كدلالته على عموم علمه.
[ ٤ / ٢٦ ]
فالأدلة السمعية لم يردها من ردها لضعف فيها وفي مقدماتها، لكن لاعتقاده أنها تخالف العقل، بل كثير من الأدلة السمعية التي يردّونها تكون أقوى بكثير من الأدلة السمعية التي يقبلونها، وذلك لأن تلك لم يقبلوها لكون السمع جاء بها، لكن لاعتقادهم أن العقل دل عليها، والسمع جعلوه عاضدًا للعقل، وحجة على من ينازعهم من المصدّقين بالسمع، لم يكن هو عمدتهم ولا أصل علمهم، كما صرح بذلك أئمة هؤلاء المعارضين لكتاب الله وسنة رسوله بآرائهم.
وإذا كان كذلك، تبين أن ردهم الأدلة السمعية المعلومة الصحة بمجرّد مخالفة عقل الواحد، أو لطائفة منهم، أو مخالفة ما يسمونه عقلًا لا يجوز، إلا أن يبطلوا الأدلة السمعية بالكلية، ويقولون: إنها لا تدل على شيء، وإن أخبار الرسول عما أخبر به لا يفيد التصديق بثبوت ما أخبر به، وحينئذٍ فما لم يكن دليلًا لا يصلح أن يُجْعل معارضًا.
والكلام هنا إنما هو لمن علم أن الرسول صادق، وأن ما أخبر به ثابت، وأن إخباره لنا بالشيء يفيد تصديقًا بثبوت ما أخبر به، فمن كان هذا معلومًا له امتنع أن يجعل العقل مقدمًا على خبر الرسول - ﷺ - بل يضطره الأمر إلى أن يجعل الرسول يكذب أو يخطئ في الخبريات، ويصيب أو يخطئ أخرى في الطلبيات. وهذا تكذيب للرسول، وإبطال لدلالة السمع، وسد لطريق العلم بما أخبر به الأنبياء والمرسلون، وتكذيب بالكتاب وبما أرسل الله تعالى به رسله.
وغايته إن أحسن المقال: أن يجعل الرسول مُخبرًا بالأمور على خلاف حقائقها لأجل نفع العامة. ثم إذا قال ذلك امتنع أن يستدل بخبر الرسول على شيء، فعاد الأمر جذعًا؛ لأنه إذا جوز على خبر الرسول التلبيس كان كتجويزه عليه الكذب. وحينئذٍ فلا يكون مجرّد إخبار الرسول موجبًا للعلم بثبوت ما أخبر به، وهذا –وإن كان زندقة وكفرًا وإلحادًا – فهو باطل في نفسه.
[ ٤ / ٢٧ ]
الوجه الخامس عشر: أن ما يسميه الناس دليلًا من العقليات والسمعيات ليس كثير منه دليلًا، وإنما يظنه الظان دليلًا. وهذا متفق عليه بين العقلاء، فإنهم متفقون على أن ما يسمى دليلًا من العقليات والسمعيات قد لا يكون دليلًا في نفس الأمر.
فنقول: أما المتبعون للكتاب والسنة – من الصحابة والتابعين وتابعيهم –فهم متفقون على دلالة ما جاء به الشرع في باب الإيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته واليوم الآخر وما يتبع ذلك، لم يتنازعوا في دلالته على ذلك، والمتنازعون في ذلك بعدهم لم يتنازعوا في أن السمع يدل على ذلك، وإنما تنازعوا: هل عارضه من العقل ما يدفع موجبه؟ وإلا فكلهم متفقون على أن الكتاب والسنة مثبتان للأسماء والصفات، مثبتان لما جاءا بها من أحوال الرسالة والمعاد.
والمنازعون لأهل الإثبات من نفاة الأفعال والصفات لا ينازعون في أن النصوص السمعية تدل على الإثبات، وأنه ليس في السمع دليل ظاهر على النفي.
فقد اتفق الناس على دلالة السمع على الإثبات، وإن تنازعوا في الدلالة: هل هي قطعية أو ظنية؟ .
وأما المعارضون لذلك من أهل الكلام والفلسفة فلم يتفقوا على دليل واحد من العقليات، بل كل طائفة تقول في أدلة خصومها: إن العقل يدل على فسادها، لا على صحتها، فالمثبتة للصفات يقولون: إنه يعلم بالعقل فساد قول النفاة، كما يقول النفاة: إنه يعلم بالعقل فساد قول المثبتة.
ومثبتة الرؤية يقولون: إنه يعلم بالعقل إمكان ذلك، كما تقول النفاة: إنه يعلم بالعقل امتناع ذلك.
والمتنازعون في الأفعال هل تقوم به؟ يقولون: إنه علم بالعقل قيام الأفعال به، وإن الخلق والإبداع والتأثير أمر وجودي قائم بالخالق المبدع الفاعل.
[ ٤ / ٢٨ ]
وكذلك القول في العقليات المحضة كمسألة الجوهر الفرد، وتماثل الأجسام، وبقاء الأعراض، ودوام الحوادث في الماضي أو المستقبل أو غير ذلك، كل هذه مسائل عقلية قد تنازع فيها العقلاء، وهذا باب واسع، فأهل العقليات من أهل النفي والإثبات كل منهم يدعي أن العقل دل على قوله المناقض لقول الآخر، وأما السمع فدلالته متفق عليها بين العقلاء.
وإذا كان كذلك قيل: السمع دلالته معلومة متفق عليها، وما يقال إنه معارض لها من العقل ليست دلالته معلومة متفقًا عليها، بل فيها نزاع كثير، فلا يجوز أن يعارض ما دلالته معلومة باتفاق العقلاء، بما دلالته المعارضة له متنازع فيها بين العقلاء.
واعلم أن أهل الحق لا يطعنون في جنس الأدلة العقلية، ولا فيما علم العقل صحته، وإنما يطعنون فيما يدعي المعارض أنه يخالف الكتاب والسنة، وليس في ذلك – ولله الحمد – دليل صحيح في نفس الأمر، ولا دليل مقبول عند عامة العقلاء، ولا دليل لم يقدح فيه بالعقل.
الوجه السادس عشر: إن كل ما عارض الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده، وإن لم يعارض العقل، وما علم فساده بالعقل لا يجوز أن يعارض به لا عقل ولا شرع. وهذه الجملة تفصيلها هو الكلام على حجج المخالفين للسنة من أهل البدع بأن نبين بالعقل فساد تلك الحجج وتناقضها، وهذا –ولله الحمد- ما زال الناس يوضحونه؛ ومن تأمل ذلك وجد في المعقول مما يعلم به فساد المعقول المخالف للشرع ما لا يعلمه إلا الله.
الوجه السابع عشر: أن يقال: الأمور السمعية التي يقال: «إن العقل عارضها» كإثبات الصفات والمعاد ونحو ذلك، هي مما علم بالاضطرار أن الرسول - ﷺ - جاء بها، وما كان معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام امتنع أن يكون باطلًا، مع كون الرسول - ﷺ - حقًا، فمن قدح في ذلك وادعى أن الرسول لم يجئ به، كان قوله معلوم الفساد بالضرورة من دين المسلمين.
[ ٤ / ٢٩ ]
الوجه الثامن عشر: أن يقال: إن أهل العناية بعلم الرسول، العالمين بالقرآن، وتفسير الرسول - ﷺ -، والصحابة والتابعين لهم بإحسان، والعالمين بأخبار الرسول والصحابة والتابعين لهم بإحسان، عندهم من العلوم الضرورية بمقاصد الرسول ومراده ما لا يمكنهم دفعه عن قلوبهم، ولهذا كانوا كلهم متفقين على ذلك من غير تواطؤ ولا تشاعر، كما اتفق أهل الإسلام على نقل حروف القرآن، ونقل الصلوات الخمس والقبلة، وصيام شهر رمضان. وإذا كانوا قد نقلوا مقاصده ومراده عنه بالتواتر، كان ذلك كنقلهم حروفه وألفاظه بالتواتر.
ومعلوم أن النقل المتواتر يفيد العلم اليقيني، سواء كان التواتر لفظيًا أو معنويًا، كتواتر شجاعة خالد وشعر حسّان، وتحديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، وفقه الأئمة الأربعة، وعدل العمرين، ومغازي النبي - ﷺ - مع المشركين وقتاله أهل الكتاب، وعدل كسرى، وطب جالينوس، ونحو سيبويه. يبين هذا أن أهل العلم والإيمان يعلمون من مراد الله ورسوله بكلامه أعظم مما يعلمه الأطباء من كلام جالينوس، والنحاة من كلام سيبويه، فإذا كان من ادعى في كلام سيبويه وجالينوس ونحوهما ما يخالف ما عليه أهل العلم بالطب والنحو الحساب من كلامهم كان قوله معلوم البطلان، فمن ادعى في كلام الله ورسوله خلاف ما عليه أهل الإيمان كان قوله أظهر بطلانًا وفسادًا، لأن هذا معصوم محفوظ.
[ ٤ / ٣٠ ]
وجماع هذا: أن يعلم أن المنقول عن الرسول - ﷺ - شيئان: ألفاظه وأفعاله، ومعاني ألفاظه ومقاصده بأفعاله، وكلاهما منه ما هو متواتر عند العامة والخاصة، ومنه ما هو متواتر عند الخاصة، ومنه ما يختص بعلمه بعض الناس، وإن كان عند غيره مجهولًا أو مظنونًا أو مكذوبًا، وأهل العلم بأقواله كأهل العلم بالحديث والتفسير المنقول والمغازي والفقه يتواتر عندهم من ذلك ما لا يتواتر عند غيرهم ممن لم يشركهم في علمهم، وكذلك أهل العلم بمعاني القرآن والحديث والفقه في ذلك يتواتر عندهم من ذلك ما لا يتواتر عند غيرهم من معاني الأقوال والأفعال المأخوذة عن الرسول، كما يتواتر عند النحاة من أقوال الخليل وسيبويه والكِسَائي والفراء وغيرهم ما لا يعلمه غيرهم، ويتواتر عند الأطباء من معاني أقوال أبقراط وجالينوس وغيرهما ما لا يتواتر عند غيرهم، وتواتر عند كل أحد من أصحاب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأحمد وأبي داود وأبي ثور وغيرهم من مذاهب هؤلاء الأئمة ما لا يعلمه غيرهم، ويتواتر عند اتباع رؤوس أهل الكلام والفلسفة من أقوالهم ما لا يعلمه غيرهم، ويتواتر عند أهل العلم بنقلة الحديث من أقوال شعبة ويحيى بن سعيد وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وأبي زرعة وأبي حاتم والبخاري وأمثالهم في الجرح والتعديل ما لا يعلمه غيرهم، بحيث يعلمون بالاضطرار اتفاقهم على تعديل مالك والثوري وشعبة وحماد بن زيد والليث بن سعد وغير هؤلاء، وعلى تكذيب محمد بن سعيد المصلوب وأبي البختري ووهب بن وهب القاضي وأحمد بن عبد الله الجويباري وأمثالهم.
[ ٤ / ٣١ ]
الوجه التاسع عشر: أن يقال: كون الدليل عقليًا أو سمعيًا ليس هو صفة تقتضي مدحًا ولا ذمًا، ولا صحة ولا فسادًا، بل ذلك يبين الطريق الذي به علم، وهو السمع أو العقل، وإن كان السمع لابد معه من العقل، وكذلك كونه عقليًا أو نقليًا، وأما كونه شرعيًا فلا يقابل بكونه عقليًا، وإنما يقابل بكونه بدعيًا: إذ البدعة تقابل الشرّعة، وكونه شرعيًا صفة مدح، وكونه بدعيًا صفة ذم، وما خالف الشريعة فهو باطل.
ثم الشرعي قد يكون سمعيًا وقد يكون عقليًا، فإن كون الدليل شرعيًا يراد به كون الشرع أثبته ودل عليه، ويراد به كون الشرع أباحه وأذن فيه، فإذا أريد بالشرعي ما أثبته الشرع، فإما أن يكون معلومًا بالعقل أيضًا، ولكن الشرع نبه عليه ودل عليه، فيكون شرعيًا عقليًا.
وهذا كالأدلة التي نبه الله تعالى عليها في كتابه العزيز، من الأمثال المضروبة وغيرها الدالة على توحيده وصدق رسله وإثبات صفاته وعلى المعاد، فتلك كلها أدلة عقلية يعلم صحتها بالعقل، وهي براهين ومقاييس عقلية، وهي مع ذلك شرعية.
وإما أن يكون الدليل الشرعي لا يعلم إلا بمجرد خبر الصادق، فإنه إذا أخبر بما لا يعلم إلا بخبره كان ذلك شرعيًا سمعيًا.
وكثير من أهل الكلام يظن أن الأدلة الشرعية منحصرة في خبر الصادق فقط، وأن الكتاب والسنة لا يدلان إلا من هذا الوجه. ولهذا يجعلون أصول الدين نوعين: العقليات، والسمعيات، ويجعلون القسم الأول مما لا يعلم بالكتاب والسنة.
وهذا غلط منهم، بل القرآن دل على الأدلة العقلية وبيّنها ونبّه عليها، وإن كان من الأدلة العقلية ما يعلم بالعيان ولوازمه، كما قال تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنه الحقْ أو لم يكفِ بربك أنه على كل شيءٍ شهيد) .
وأما إذا أريد بالشرعي ما أباحه الشرع وأذن فيه، فدخل في ذلك ما أخبر به الصادق، وما دل عليه ونبه عليه القرآن، وما دلت عليه وشهدت به الموجودات.
[ ٤ / ٣٢ ]
والشارع يحرم الدليل لكونه كذبًا في نفسه، مثل أن تكون إحدى مقدماته باطلة، فإنه كذب، والله يحرم الكذب، لا سيما عليه، كقوله تعالى: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه) ويحرمه لكون المتكلم به يتكلم بلا علم، كما قال تعالى: (ولا تقفُ ما ليس لك به علم) وقوله تعالى: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) وقوله: (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجّون فيما ليس لكم به علم) ويحرمه لكون جدالًا في الحق بعد ما تبين، كقوله تعالى: (يجادلونك في الحق بعدما تبين) وقوله تعالى: (ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق) .
وحينئذ فالدليل الشرعي لا يجوز أن يعارضه دليل غير شرعي، ويكون مقدمًا عليه، بل هذا بمنزلة من يقول: إن البدعة التي لم يشرعها الله تعالى تكون مقدمة على الشرعة التي أمر الله بها، أو يقول: الكذب مقدم على الصدق، أو يقول: خبر غير النبي - ﷺ - يكون مقدمًا على خبر النبيﷺ -، أو يقول: ما نهى الله عنه يكون خيرًا مما أمر الله به، ونحو ذلك، وهذا كله ممتنع.
وأما الدليل الذي يكون عقليًا أو سمعيًا من غير أن يكون شرعيًا، فقد يكون راجحًا تارة ومرجوحًا أخرى، كما أنه قد يكون دليلًا صحيحًا تارة، ويكون شبهة فاسدة أخرى، فما جاءت به الرسل عن الله تعالى إخبارًا أو أمرًا لا يجوز أن يعارض بشيء من الأشياء، وأما ما يقوله الناس فقد يعارض بنظيره، إذ قد يكون حقًا تارة باطلًا أخرى، وهذا مما لا ريب فيه، لكن من الناس من يدخل في الأدلة الشرعية ما ليس منها، كما أن منهم من يخرج منها ما هو داخل فيها، والكلام هنا على جنس الأدلة، لا على أعيانها.
[ ٤ / ٣٣ ]
الوجه العشرون: أن يقال: غاية ما ينتهي إليه هؤلاء المعارضون لكلام الله ورسوله بآرائهم، من المشهورين بالإسلام، هو التأويل أو التفويض أو الرد فأما الذين ينتهون إلى أن يقولوا الأنبياء أوهموا وخيلوا ما لا حقيقة له في نفس الأمر، فهؤلاء معروفون عند المسلمين بالإلحاد والزندقة.
والتأويل المقبول: هو ما دل على مراد المتكلم، والتأويلات التي يذكرونها لا يعلم أن الرسول أرادها، بل يعلم بالاضطرار في عامة النصوص أن المراد منها نقيض ما قاله الرسول، كما يعلم ذلك في تأويلات القرامطة والباطنية من غير أن يحتاج ذلك إلى دليل خاص.
وحينئذ فالمتأول إن لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم، كان تأويله للفظ بما يحتمله من حيث الجملة في كلام من تكلم بمثله من العرب، هو من باب التحريف والإلحاد، لا من باب التفسير وبيان المراد.
وأما التفويض: فإن من المعلوم أن الله تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن، وحضّنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟.
وأيضًا، فالخطاب الذي أُريد به هدانا والبيان لنا، وإخراجنا من الظلمات إلى النور، إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر، ولم يرد منا أن نعرف لا ظاهره ولا باطنه، أو أريد منا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك، فعلى التقديرين لم نخاطب بما بيّن فيه الحق، ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب باطل وكفر.
وحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا: أنه لم يبيّن الحق، ولا أوضحه، مع أمره لنا أن نعتقده، وأن ما خاطبنا به وأمرنا باتباعه والرد إليه لم يبيّن به الحق ولا كشفه، بل دل ظاهره على الكفر والباطل، وأراد منا أن لا نفهم منه شيئًا، أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه فيه. وهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله ورسوله عنه، وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد.
[ ٤ / ٣٤ ]
وبهذا احتج الملاحدة، كابن سينا وغيره، على مثبتي المعاد، وقالوا: القول في نصوص المعاد كالقول في نصوص التشبيه والتجسيم، وزعموا أن الرسول - ﷺ - لم يبين ما الأمر عليه في نفسه، لا في العلم بالله تعالى ولا باليوم الآخر، فكان الذي استطالوا به على هؤلاء هو موافقتهم لهم على نفي الصفات، وإلا فلو آمنوا بالكتاب كله حق الإيمان لبطلت معارضتهم ودحضت حجتهم.
ولهذا كان ابن النفيس المتطبب الفاضل يقول: ليس إلا مذهبان: مذهب أهل الحديث، أو مذهب الفلاسفة، فأما هؤلاء المتكلمون فقولهم ظاهر التناقض والاختلاف، يعني أن أهل الحديث أثبتوا كل ما جاء به الرسول، وأولئك جعلوا الجميع تخييلًا وتوهيمًا. ومعلوم بالأدلة الكثيرة السمعية والعقلية فساد مذهب هؤلاء الملاحدة، فتعين أن يكون الحق مذهب السلف أهل الحديث والسنة والجماعة.
ثم إن ابن سينا وأمثاله من الباطنية المتفلسفة والقرامطة يقولون: إنه أراد من المخاطبين أن يفهموا الأمر على خلاف ما هو عليه، وأن يعتقدوا ما لا حقيقة له في الخارج، لما في هذا التخييل والاعتقاد الفاسد لهم من المصلحة.
والجهمية والمعتزلة وأمثالهم يقولون: إنه أراد أن يعتقدوا الحق على ما هو عليه، مع علمهم بأنه لم يبين ذلك في الكتاب والسنة، بل النصوص تدل على نقيض ذلك، فأولئك يقولون: أراد منهم اعتقاد الباطل وأمرهم به، وهؤلاء يقولون: أراد اعتقاد ما لم يدلهم إلا على نقيضه.
والمؤمن يعلم بالاضطرار أن كلا القولين باطل، للنفاة أهل التأويل من هذا أو هذا: وإذا كان كلاهما باطلًا كان تأويل النفاة للنصوص باطلًا: فيكون نقيضه حقًا وهو إقرار الأدلة الشرعية على مدلولاتها ومن خرج عن ذلك لزمه من الفساد ما لا يقوله إلا أهل الإلحاد.
[ ٤ / ٣٥ ]
الوجه الحادي والعشرون: أن يقال: الذي يعارضون الكتاب والسنة بما يسمونه عقليات من الكلاميات والفلسفيات ونحو ذلك إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوال مشتبهة مجملة تحتمل معاني متعددة ويكون ما فيها من الاشتباه لفظًا ومعنى يوجب تناولها لحق وباطل فبما فيها من الحق يقبل ما فيها من الباطل لأجل الاشتباه والالتباس ثم يعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا وهو منشأ البدع فإن البدعة لو كانت باطلًا محضًا لظهرت وبانت وما قبلت ولو كانت حقًا محضًا لا شوب فيه لكانت موافقة للسنة، فإن السنة لا تناقض حقًا محضًا لا باطل فيه لكن البدعة تشتمل على حق وباطل، والبدع التي يعارض بها الكتاب والسنة التي يسميها أهلها كلاميات وعقليات وفلسفيات، أو ذوقيات ووجديات وحقائق وغير ذلك، لابد أن تشمل على لبس حق بباطل وكتمان حق، وهذا أمر موجود يعرفه من تأمله، فلا تجد قط مبتدعًا إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه، ويبغضها، ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها، ويبغض من يفعل ذلك، كما قال بعض السلف: ما ابتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة الحديث من قلبه. ثم إن قوله الذي يعارض به النصوص لابد له أن يلبس فيه حقًا بباطل، بسبب ما يقوله من الألفاظ المجملة المتشابهة.
الوجه الثاني والعشرون: أن يقال: إن هؤلاء الذين يدعون العقليات التي تعارض السمعيات هم من أبعد الناس عن موجب العقل ومقتضاه كما هم من أبعد الناس عن متابعة الكتاب المنزل والنبي المرسل وإن نفس ما به يقدحون في أدلة الحق التي توافق ما جاء به الرسول لو قدحوا به فيما يعارض ما جاء به الرسول لسلموا من التناقض وصح نظرهم وعقلهم واستدلالهم ومعارضتهم صحيح المنقول وصريح المعقول بالشبهات الفاسدة.
[ ٤ / ٣٦ ]
الوجه الثالث والعشرون: أن يقال: ما سلكوه من معارضة النصوص الإلهية بآرائهم هو بعينه الذي احتج به الملاحدة الدهرية عليهم في إنكار ما أخبر الله به عباده من أمور اليوم الآخر، حتى جعلوا ما أخبرت به الرسل عن الله وعن اليوم الآخر لا يستفاد منه علم، ثم نقلوا ذلك إلى ما أمروا به من الأعمال: كالصلوات الخمس، الزكاة، والصيام، والحج، فجعلوها للعامة دون الخاصة، فآل الأمر بهم إلى أن ألحدوا في الأصول الثلاثة التي اتفقت عليها الملل، كما قال تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . فأفضى الأمر بمن سلك سبل هؤلاء إلى الإلحاد في الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وسرى ذلك في كثير من الخائضين في الحقائق، من أهل النظر والتأله من أهل الكلام والتصوف، حتى آل الأمر بملاحدة المتصوفة كابن عربي صاحب «فصوص الحكم» وأمثاله إلى أن جعلوا الوجود واحدًا، وجعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق، وهذا تعطيل للخالق.
وحقيقة قولهم فيه مضاهاة لقول الدهرية الطبيعية الذين لا يقرون بواجب أبدع الممكن، وهو قول فرعون، ولهذا كانوا معظمين لفرعون. ثم إنهم جعلوا أهل النار يتنعمون فيها، كما يتنعم أهل الجنة في الجنة، فكفروا بحقيقة اليوم الآخر، ثم ادّعو أن الولاية أفضل من النبوة، وأن خاتم الأولياء – وهو شيء لا حقيقة له – زعموا أنه أفضل من خاتم الأنبياء، بل ومن جميع الأنبياء، وأنهم كلهم يستفيدون من مشكاته العلم بالله، الذي حقيقته عندهم أن وجود المخلوق هو وجود الخالق.
وكان قولهم كما يقال لمن قال: فخر عليهم السقف من تحتهم، لا عقل ولا قرآن، فإن المتأخر يستفيد من المتقدم دون العكس، والأنبياء أفضل من غيرهم، فخالفوا الحس والعقل مع كفرهم بالشرع.
[ ٤ / ٣٧ ]
الوجه الرابع والعشرون: أن يقال: معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال، وتقديم ذلك عليها، هو من فعل المكذبين للرسل، بل هو جماع كلّ كفر، فإن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه، وبيّن أن المتبعين لما أنزله هم أهل الهدى والفلاح، والمعرضين عن ذلك هم أهل الشقاء والضلال.
كما قال تعالى: (قال اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى)
وقال تعالى: (يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)
وقد أخبر عن أهل النار أنهم إنما دخلوها لمخالفة الرسل، قال تعالى: (ويوم يحشرهم جميعًا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس) إلى قوله: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين) .
وقال تعالى: (وسيق الذين كفروا إلى جنهم زمرًا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسلٌ منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) .
وقال تعالى: (كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير. قالوا بلى قد جاءنا نذيرٌ فكذبنا وقلنا ما نزّل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير) .
ومعلوم أن الكلام الذي جاءت به الرسل عن الله نوعان: إما إنشاء وإما إخبار والإنشاء يتضمن الأمر والنهي والإباحة، فأصل السعادة تصديق خبره، وطاعة أمره، وأصل الشقاوة معارضة خبره وأمره بالرأي والهوى، وهذا هو معارضة النص بالرأي، وتقديم الهوى على الشرع.
[ ٤ / ٣٨ ]
ولهذا كان ضلال من ضل من أهل الكلام والنظر في النوع الخبري، بمعارضة خبر الله عن نفسه وعن خلقه بعقلهم ورأيهم، وضلال من ضل من أهل العبادة الفقه في النوع الطلبي، بمعارضة أمر الله الذي هو شرعه بأهوائهم وآرائهم.
والمقصود هنا أن معارضة أقوال الرسل بأقوال غيرهم من فعل الكفّار، كما قال تعالى: (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد) إلى قوله: (وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب) .
وقال تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق) . وقوله تعالى: (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا) مصدق لقول النبي - ﷺ -: «مراء في القرآن كفر» .
ومن المعلوم أن كل من عارض القرآن، وجادل في ذلك بعقله ورأيه، فهو داخل في ذلك، وإن لم يزعم تقديم كلامه على كلام الله ورسوله، بل إذا قال ما يوجب المرية والشك في كلام الله، فقد دخل في ذلك، فكيف بمن يزعم أن ما يقوله بعقله ورأيه مقدّم على نصوص الكتاب والسنة؟ ! .
وقال تعالى: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كِبر ما هم ببالغيه) . وقال: (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتًا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) . والسلطان هو الكتاب المنزل من السماء، كما ذكر ذلك غير واحد من المفسرين وشواهده كثيرة كقوله تعالى: (أم أنزلنا عليهم سلطانًا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون) وقوله: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) فمن عارض آيات الله المنزلة برأيه وعقله من غير سلطان أتاه، دخل في معنى هذه الآية.
وهذا مما يبيّن أنه لا يجوز معارضة كتاب الله إلا بكتاب الله، لا يجوز معارضته بغير ذلك.
[ ٤ / ٣٩ ]
وكتاب الله نوعان: خبر وأمر، كما تقدم. أما الخبر فلا يجوز أن يتناقض، ولكن قد يُفسر أحد الخبرين الآخر ويبيّن معناه. وأما الأمر فيدخله النسخ، ولا ينسخ ما أنزل الله إلا بما أنزله الله، فمن أراد أن ينسخ شرع الله، الذي أنزله، برأيه وهواه كان ملحدًا، وكذلك من دفع خبر الله برأيه ونظره كان ملحدًا.
الوجه الخامس والعشرون: وهو أن يقال: إن الله سبحانه ذم من ذمه من أهل الكفر على أنهم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا.
كما قال تعالى: (قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون. قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجًا وأنتم شهداء وما الله بغافلٍ عما تعملون) وقال تعالى: (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجًا واذكروا إذ كنتم قليلًا فكثركم) الآية. وقال: (ألا لعنة الله على الظالمين. الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا) وقال: (وويل للكافرين من عذاب شديد. الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله) ومعلوم أن سبيل الله هو ما بعث به رسله مما أمر به وأخبر عنه، فمن نهى الناس نهيًا مجردًا عن تصديق رسل الله وطاعتهم، فقد صدهم عن سبيل الله، فكيف إذا نهاهم عن التصديق بما أخبرت به الرسل، وبين أن العقل يناقض ذلك، وأنه يجب تقديمه على ما أخبرت به الرسل؟!.
ومعلوم أن من زعم أن العقل الصريح الذي يجب اتباعه، يناقض ما جاء به الرسل، وذلك هو سبيل الله، فقد بغى سبيل الله عوجًا، أي طلب لها العوج، فإنه طلب أن يبين اعوجاج ذلك وميله عن الحق، وأن تلك السبيل الشرعية السمعية المروية عن الأنبياء عوجا لا مستقيمة، وأن المستقيم هو السبيل التي ابتدعها من خالف سبيل الأنبياء. ويوضح هذا:
[ ٤ / ٤٠ ]
الوجه السادس والعشرون: وهو أن يقال: من المعلوم أن الله أخبر أنه أرسل رسله بالهدى والبيان، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، فقال تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) وقال تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم. صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض) . وقال تعالى: (كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد. الله الذي له ما في السموات وما في الأرض) إلى قوله: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبيّن لهم) .
وقد قال تعالى: (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) وقال: (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) وقال: (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه أولئك هم المفلحون) وقال تعالى: (قد جاءكم من الله نورٌ وكتاب مبين. يهدي به الله من اتبع رضوانه سبلَ السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) وقال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزل إليهم) وقال تعالى: (ما كان حديثًا يُفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) وقال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) وقال تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) ونظائر هذا في القرآن كثيرة.
وإذا كان كذلك فيقال: أمر الإيمان بالله واليوم الآخر: إما أن يكون الرسول تكلم فيه بما يدل على الحق، أو بما يدل على الباطل، أو لم يتكلم: لا بما يدل على حق، ولا بما يدل على باطل.
[ ٤ / ٤١ ]
ومعلوم أنه إذا قدر في شخص من الأشخاص أنه لم يتكلم في أمر الإيمان بالله واليوم الآخر: لا بحق ولا بباطل، ولا هدى ولا ضلال، بل سكت عن ذلك، لم يكن قد هدى الناس، ولا أخرجهم من الظلمات إلى النور، ولا بيّن لهم، ولا كان معه ما يستضئ به السالك المستدل.
فإن قدّر أن هذا الشخص تكلم بما يُفهم منه نقيض الحق، وبما يدل على ضد الصواب، وكان مدلول كلامه في ذلك معلوم الفساد بصريح العقل –لكان هذا الشخص قد أضل بكلامه وما هدى، وكان مخرجًا لمن اتبعه بكلامه من النور إلى الظلمات، كحال الطاغوت الذين قال الله فيهم: (والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) .
ومن زعم أن ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة، قد عارضه صريح المعقول الذي يجب تقدمه عليه، فقد جعل الرسول شبيهًا بالشخص الثاني الذي أضل بكلامه من وجه، ويجعله بمنزلة من جعله كالساكت الذي لم يضل ولم يهد من وجه آخر.
فإنه إذا زعم أن الحق والهدى هو قول نفاة الصفات الذي يعلم بالعقل عنده، فمعلوم أن كلام الله ورسوله لم يدل على قول النفاة دلالة يحصل بها الهدى والبيان للمخاطبين بالقرآن. إن كان قول النفاة هو الحق.
ومعلوم أن كلام الله ورسوله دل على إثبات الصفات المناقض لقول النفاة، دلالة بيّنة بقول جمهور الناس: إنها دلالة قطعية على ذلك.
والمعتزلة ونحوهم من النفاة معترفون بأنها دلالة ظاهرة، فإذا كان الرسول لم يظهر للناس إلا إثبات الصفات دون نفيها، وكان الحق في نفس الأمر نفيها، لكان بمنزلة الشخص الذي كتم الحق وذكر نقيضه.
وهذا خلاف ما نعته الله في كتابه، فدل على أن هذه الطريق التي يسوغ فيها تقديم عقول الرجال –في أصول التوحيد والإيمان- على كلام الله ورسوله. تناقض دين الرسول مناقضة بينة، بل مناقضة معلومة بالاضطرار من دين الإسلام، لمن تدبر حقيقة هذا القول، وعرف غائلته ووباله.
[ ٤ / ٤٢ ]
الوجه السابع والعشرون: إنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرجل لو قال للرسول: هذا القرآن أو الحكمة الذي بلّغته إلينا قد تضمن أشياء كثيرة تناقض ما علمناه بعقولنا، ونحن إنما علمنا صدقك بعقولنا، فلو قبلنا جميع ما تقوله، مع أن عقولنا تناقض ذلك، لكان ذلك قدحًا فيما علمنا به صدقك، فنحن نعتقد موجب الأقوال المناقضة لما ظهر من كلامك، وكلامك نعرض عنه، لا نتلقى منه هدى ولا علم –لم يكن مثل هذا الرجل مؤمنًا بما جاء به الرسول، ولم يرض الرسول منه بهذا بل يعلم أن هذا لو ساغ، لأمكن كل أحد أن لا يؤمن بشيء مما جاء به الرسول، إذ العقول متفاوتة، والشبهات كثيرة، والشيطان لا يزال يلقي الوساوس في النفوس، فيمكن حينئذ أن يلقي في قلب غير واحدٍ من الأشخاص، ما يناقض عامة ما أخبر به الرسول وما أمر به.
وقد ظهر ذلك في القرامطة الباطنية، الذين ردُّوا عامة الظاهر الذي جاء به من الأمر والخبر، وزعموا أن العقل ينافي هذا الظاهر الذي بيّنه الرسول.
ثم قد يقولون: الظاهر خطاب للجمهور والعامة، حتى يصل الشخص إلى معرفة الحقيقة التي يزعمون أنها تناقض ما بينه الرسول، وحينئذ فتسقط عنه طاعة أمره، ويسوغ له تكذيب خبره.
ومن المعلوم لعامة المسلمين أن قول الباطنية، الذي يتضمن مخالفة الرسول، معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام.
وكذلك ما أخبر به في المعاد، قد قال متكلمة المسلمين: إن قول الفلاسفة المناقض لذلك معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام. وهكذا ما أخبر به الرسول من أسماء الله وصفاته، يعلم أهل الإثبات أن قول النفاة فيه معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام. وأصل هذا الإلحاد جواز معارضة ما جاءت به الأنبياء بالعقول والآراء.
الوجه الثامن والعشرون: وهو أن الله ﷾ قد بيّن في كتابه أن معارضة مثل هذا فعل الشياطين المعادين للأنبياء.
[ ٤ / ٤٣ ]
قال تعالى: (اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين. ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظًا وما أنت عليهم بوكيل. ولا تسبوا الذي يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم كذلك زينا لكل أمةٍ عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون. وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون. ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) أي: وما يشعركم أن الآيات إذا جاءت لا يؤمنون. ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة. فقوله: (نقلب أفئدتهم) معطوف على قوله: (لا يؤمنون)، وكلاهما داخل في معنى قوله: (وما يشعركم) وبهذا تزول شبهة من لم يفهم الآية، فظن أن (أن) بمعنى (لعل) لتوهمه أن قوله: (ونقلب) فعل مبتدأ، إلى قوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون. ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون. أفغير الله أبتغي حكمًا وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلًا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين. وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) .
ومن تدبر هؤلاء الآيات علم أنها منطبقة على من يعارض كلام الأنبياء بكلام غيرهم بحسب حاله، فإن هؤلاء هم أعداء ما جاءت به الأنبياء.
وأصل العداوة البغض، كما أن أصل الولاية الحب، ومن المعلوم أنك لا تجد أحدًا ممن يرد نصوص الكتاب والسنة بقوله إلا وهو يبغض ما خالف قوله، ويود أن تلك الآية لم تكن نزلت، وأن ذلك الحديث لم يرد، ولو أمكنه كشط ذلك من المصحف لفعله.
[ ٤ / ٤٤ ]
قال بعض السلف: ما ابتدع أحد بدعة إلا خرجت حلاوة الحديث من قلبه. وقيل عن بعض رؤوس الجهمية –إما بشر المريسي، أو غيره-: أنه قال: ليس شيء أنقض لقولنا من القرآن، فأقروا به في الظاهر، ثم صرفوه بالتأويل. ويقال إنه قال: إذا احتجوا عليكم بالحديث فغالطوهم بالتكذيب، وإذا احتجوا بالآيات فغالطوهم بالتأويل.
ولهذا تجد الواحد من هؤلاء لا يحب تبليغ النصوص النبوية، بل قد يختار كتمان ذلك والنهي عن إشاعته وتبليغه، خلافًا لما أمر الله به ورسوله من التبليغ عنه. كما قال: «ليبلغ الشاهد الغائب» (١) وقال: «بلّغوا عني ولو آية» (٢) وقال: «نضّر الله امرأ سمع منا حديثًا فبلّغه إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (٣) .
وقد ذم الله في كتابه الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى، وهؤلاء يختارون كتمان ما أنزل الله، لأنه معارض لما يقولونه، وفيهم جاء الأثر المعروف عن عمر: قال: إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم السنن أن يحفظوها، وتفلّتت منهم أن يعوها، وسئلوا فقالوا في الدين برأيهم، فذكر أنهم أعداء السنن.
وبالجملة، فكل من أبغض شيئًا من الكتاب والسنة ففيه من عداوة النبي بحسب ذلك، وكذلك من أحب ذلك ففيه من الولاية بحسب ذلك.
قال عبد الله بن مسعود: لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله. وعدو الأنبياء هم شياطين الإنس والجن.
كما قال النبي - ﷺ - لأبي ذر: «تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجن» . فقال: أو للإنس شياطين؟ فقال: «نعم شر من شياطين الجن، وهؤلاء يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا» .
_________________
(١) البخاري (١/٢٠) .
(٢) البخاري (٤/١٧٠) .
(٣) رواه الترمذي وصححه الألباني في المشكاة (٢٣٠) .
[ ٤ / ٤٥ ]
والزخرف هو الكلام المزين، كما يزين الشيء بالزخرف، وهو المذهب، وذلك غرور لأنه يغر المستمع، والشبهات المعارضة لما جاءت به الرسل هي كلام مزخرف يغر المستمع.
(ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة) فهؤلاء المعارضون لما جاءت به الرسل تصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، كما رأيناه وجربناه. ثم قال: (أفغير الله أبتغي حكمًا وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلًا) وهذا يبين أن الحكم بين الناس هو الله تعالى بما أنزله من الكتاب المفصل. كما قال تعالى في الآية الأخرى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) وقال تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)، وقوله تعالى: (وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلًا) جملة في موضع الحال. وقوله: (أفغير الله أبتغي حكمًا) استفهام إنكار، يقول: كيف أطلب حكمًا غير الله، وقد أنزل كتابًا مفصلًا يحكم بيننا؟
وقوله: (مفصلًا) يبين أن الكتاب الحاكم مفصل مبين، بخلاف ما يزعمه من يعارضه بآراء الرجال، ويقول: إنه لا يفهم معناه، ولا يدل على مورد النزاع، فيجعله: إما مجملًا لا ظاهر له، أو مُؤوّلًا لا يعلم معناه، ولا دليل يدل على عين المعنى المراد به.
ولهذا كان المعرضون عن النصوص، المعارضون لها، كالمتفقين على أنه لا يعلم عين المراد به، وإنما غايتهم أن يذكروا احتمالات كثيرة، ويقولون: يجوز أن يكون المراد واحدًا منها. ولهذا أمسك من أمسك منهم عن التأويل، لعدم العلم بعين المراد.
فعلى التقديرين لا يكون عندهم الكتاب الحاكم مفصّلًا، بل مجملًا ملتبسًا أو مؤوّلًا بتأويل لا دليل على إرادته.
[ ٤ / ٤٦ ]
ثم قال: (والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق) وذلك أن الكتاب الأول مصدق للقرآن، فمن نظر فيما بأيدي أهل الكتاب من التوراة والإنجيل، علم علمًا يقينًا لا يحتمل النقيض أن هذا وهذا جاء من مشكاة واحدة، لا سيما في باب التوحيد والأسماء والصفات، فإن التوراة مطابقة للقرآن موافقة له موافقة لا ريب فيها.
وهذا مما يبين أن ما في التوراة من ذلك، ليس هو من المبدل الذي أنكره عليهم القرآن، بل هو من الحق الذي صدقهم عليه. ولهذا لم يكن النبي - ﷺ - وأصحابه ينكرون ما في التوراة من الصفات، ولا يجعلون ذلك مما بدّله اليهود، ولا يعيبونهم بذلك ويقولون هذا تشبيه وتجسيم، كما يعيبهم بذلك كثير من النفاة، ويقولون: إن هذا مما حرّفوه، بل كان الرسول إذا ذكروا له شيئًا من ذلك صدّقهم عليه، كما صدقهم في خبر الحبر، كما هو في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود، وفي غير ذلك. ثم قال: (وتمت كلمت ربك صدقًا وعدلًا)، فقرر أن ما أخبر الله به فهو صدق، وما أمر به فهو عدل.
وهذا يقرر أن ما في النصوص من الخبر فهو صدق علينا أن نصدّق به، لا نعرض عنه ولا نعارضه، ومن دفعه لم يصدق به، وإن قال: أنا أصدق الرسول تصديقًا مجملًا، فإن نفس الخبر الذي أخبر به الرسول، وعارضه هو بعقله ودفعه، لم يصدق به تصديقًا مفصلًا، ولو صدق الرجل الرسول تصديقًا مجملًا، ولم يصدقه تصديقًا مفصلًا، فيما علم أنه أخبر به، لم يكن مؤمنًا له، ولو أقر بلفظه مع إعراضه عن معناه الذي بينه الرسول، أو صرفه إلى معانٍ لا يدل عليها مجرى الخطاب بفنون التحريف، بل لم يُردها الرسول، فهذا ليس بتصديق في الحقيقة، بل هو إلى التكذيب أقرب.
الوجه التاسع والعشرون: وهو أن يقال: إن الله ذمّ أهل الكتاب على كتمان ما أنزل الله، وعلى الكذب فيه، وعلى تحريفه، وعلى عدم فهمه.
[ ٤ / ٤٧ ]
قال تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون. وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون. أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون. ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون. فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) .
فذمَّ المحرِّفين له، والأميين الذين لا يعلمونه إلا أمانيّ، والذين يكذبون فيقولون لما يكتبونه هو من عند الله، وما هو من عند الله، كما ذم الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب، وقد ذمّ الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب في غير هذا الموضع.
وهذه الأنواع الأربعة موجودة في الذين يعرضون عن كتاب الله ويعارضونه بآرائهم وأهوائهم، فإنهم تارة يكتمون الأحاديث المخالفة لأقوالهم، ومنهم طوائف يضعون أحاديث نبوية توافق بدعهم، كالحديث الذي تحتج به الفلاسفة: أول ما خلق الله العقل.
والحديث الذي يحتجون به في نفي الرؤية: لا ينبغي لأحد أن يرى الله في الدنيا ولا في الآخرة.
والحديث الذي يحتجون به في نفس العلو، كالحديث الذي رواه ابن عساكر فيما أملاه في نفي الجهة عن شيخه ابن عبد الله العوسجي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الذي أَيَّنَ الأين فلا يقال له: أين»، وعارض به حديث ابن إسحاق الذي رواه أبو داود وغيره، الذي قال فيه: «يستشفع بك على الله ويستشفع بالله عليك»، وأكثر فيه في القدح في ابن إسحاق، مع احتجاجه بحديث أجمع العلماء على أنه من أكذب الحديث، وغاية ما قالوا فيه: إنه غريب.
[ ٤ / ٤٨ ]
والأحاديث التي تحتج بها الاتحادية من هؤلاء وغيرهم، مثل: قولهم عن النبيﷺ - أنه قال: «ربي زدني فيك تحيُّرًا» .
ومثل الأحاديث التي يحتج بها الواصفون له بالنقائص، كحديث الجمل الأورق ونزوله عشية عرفة إلى الأرض يصافح الركبان ويعانق المشاة، ونزوله إلى بطحاء مكة، وقعوده على كرسي بين السماء والأرض، ونزوله على صخرة بيت المقدس، وأمثال ذلك.
وكذلك ما يضعونه من الكتب بآرائهم وأذواقهم ويدّعون أن هذا هو دين الله الذي يجب اتباعه.
وأما تحريفهم للنصوص بأنواع التأويلات الفاسدة التي يحرّفون بها الكلم عن مواضعه، فأكثر من أن يذكر، كتأويلات القرامطة الباطنية، والجهمية، والقدرية، وغيرهم.
وأما عدم الفهم، فإن النصوص التي يخالفونها، تارة يحرّفونها بالتأويل، وتارة يعرضون عن تدبرها وفهم معانيها، فيصيرون كالأميين الذي لا يعلمون الكتاب إلا أمانيَّ، ولهذا تجد هؤلاء معرضين عن القرآن والحديث، فمنهم طوائف لا يقرّون القرآن، مثل كثير من الرافضة والجهمية، لا تحفظ أئمتهم القرآن، وسواء حفظوه أو لم يحفظوه لا يطلبون الهدى منه، بل إما أن يعرضوا عن فهمه وتدبّره، كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أمانيَّ، وإما أن يحرفوه بالتأويلات الفاسدة.
وأما الحديث: فمنهم من لا يعرفه ولم يسمعه، وكثير منهم لا يصدق به، ثم إذا صدقوا به كان تحريفهم له وإعراضهم عنه، أعظم من تحريف القرآن والإعراض عنه، حتى أن منهم طوائف يقرّون بما أخبر به القرآن من الصفات، وأما الحديث إذا صدّقوا به فهم لا يقرّون بما أخبر به.
[ ٤ / ٤٩ ]
وإذا تبين أن من أعرض عن الكتاب وعارضه بالمعقولات، لابد له من كتمان أو كذب أو تحريف أو أمية، مع عدم علم، وهذه الأمور كلها مذمومة – دل ذلك على أن هؤلاء مذمومون في كتاب الله، كما ذم الله أشباههم من أهل الكتاب، وأن هؤلاء وأمثالهم دخلوا في قوله - ﷺ -، الذي ثبت عنه في الصحيح، الذي قال فيه: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القُذّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» . قالوا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟» (١) .
الوجه الثلاثون: وهو أن يقال: الذين يعارضون كلام الله وكلام رسوله بعقولهم: إن كانوا من ملاحدة الفلاسفة والقرامطة. قالوا: إن الرسل أبطنت خلاف ما أظهرت لأجل مصلحة الجمهور. حتى يؤول الأمر بهم إلى إسقاط الواجبات واستحلال المحرمات: إما للعامة. وإما للخاصة دون العامة. ونحو ذلك مما يعلم كل مؤمن أنه فاسد مخالف لما علم بالاضطرار من دين الإسلام. وإن كانوا من أهل الفقه والكلام والتصوّف الذين لا يقولون ذلك. فلابد لهم من التأويل الذي هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح.
ولفظ «التأويل» يراد به التفسير، كما يوجد في كلام المفسرين: ابن جرير وغيره ويراد به حقيقة ما يؤول إليه الكلام. وهو المراد بلفظ التأويل في القرآن.
وهذان الوجهان لا ريب فيهما. والتأويل بمعنى التفسير والبيان كان السلف يعلمونه ويتكلمون فيه.
وأما بالمعنى الثاني. فمنه ما لا يعلمه إلا الله. ولهذا كانوا يثبتون العلم بمعاني القرآن.وينفون العلم بالكيفية. كقول مالك وغيره الاستواء معلوم. والكيف مجهول.
فالعلم بالاستواء من باب التفسير، وهو التأويل الذي نعلمه. وأما الكيف فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، وهو المجهول لنا.
_________________
(١) البخاري (٤/١٦٩) .
[ ٤ / ٥٠ ]
ويراد بالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، وهذا هو الذي تدعيه نفاة الصفات والقدر ونحو ذلك من نصوص الكتاب والسنة.
وهؤلاء قولهم متناقض، فإنهم على أصلين فاسدين: فإنهم يقولون لابد من تأويل بعض الظواهر كما في قوله: «جعت فلم تطعمني» . وقوله: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، ونحو ذلك. ثم أي نص خالف رأيهم جعلوه من هذا الباب، فيجعلون تارة المعنى الفاسد هو الظاهر، ليجعلوا في موضع آخر المعنى الظاهر فاسدًا، وهم مخطئون في هذا وهذا.
ومضمون كلامهم أن كلام الله ورسوله في ظاهره كفر وإلحاد، من غير بيان من الله ورسوله للمراد.
وهذا قول ظاهر الفاسد، وهو أصل قول أهل الكفر والإلحاد. أما النصوص التي يزعمون أن ظاهرها كفر، فإذا تدبرت النصوص وجدتها قد بيّنت المراد، وأزالت الشبهة، فإن الحديث الصحيح لفظه: «عبدي، مرضت فلم تعدني. فيقول: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض، فلو عدته لوجدتني عنده» .
فنفس ألفاظ الحديث نصوص في أن الله نفسه لا يمرض. وإنما الذي مرض عبده المؤمن. ومثل هذا لا يقال ظاهره أن الله يمرض، فيحتاج إلى تأويل؛ لأن اللفظ إذا قرن به ما بيّن معناه، كان ذلك هو ظاهره كاللفظ العام، إذا قرن به استثناء أو غاية أو صفة، كقوله: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا) وقوله: (فصيام شهرين متتابعين) ونحو ذلك، فإن الناس متفقون على أنه حينئذ ليس ظاهره ألفًا كاملة ولا شهرين، سواء كانا متفرّقين أو متتابعين (١) .
_________________
(١) أي أن الناس متفقون على أن نوحًا لم يعش ألف سنة كاملة بل أقل من ذلك لوجود الاستثناء في الآية. ومتفقون على أنه لا يجب صيام شهرين متتابعين على كل مسلم، بل على من لم يجد رقبة مؤمنة يحررها كفارة لخطئه في قتله من قتل من مؤمن أو معاهد لعسرته بثمنها (وانظر تفسير الطبري للآية الكريمة) .
[ ٤ / ٥١ ]
وأما قوله: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فهو أولًا: ليس من الحديث الصحيح الثابت عن النبي - ﷺ -، فلا نحتاج أن ندخله في الباب. ولكن هؤلاء يقرنون بالأحاديث الصحيحة أحاديث كثيرة موضوعة، ويقولون بتأول الجميع، كما فعل بشر المريسي ومحمد بن شجاع الثلجي وأبو بكر بن فورك في كتاب «مشكل الحديث» حتى أنهم يتأولون حديث عرق الخيل وأمثاله من الموضوعات.
فحديث: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، هو معروف من كلام ابن عباس، ورُوى مرفوعًا، وفي رفعه نظر. ولفظ الحديث: الحجر الأسود يمين الله في الأرض. فمن صافحة أو قبّله فكأنما صافح الله وقبل يمينه. ففي لفظ هذا الحديث أنه يمين الله في الأرض، وأن المصافح له كأنما صافح الله وقبل يمينه. ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به. فهذا صريح في أنه ليس هو نفس صفة الله، فلا يمكن أحد أن يأتي بنص صحيح صريح يدل على معنى فاسد. من غير بيان للنص أصلًا. فالحمد لله الذي سلّم كلامه وكلام رسوله من كل نقص وعيب. وسبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب. والحمد لله رب العالمين.
وأما الخطأ الثاني فيأتون إلى نصوص صحيحة دالة على معانٍ دلالة بينة، بل صريحة قطعية، كأحاديث الرؤية ونحوها، مما فيه إثبات الصفات. فيقولون: هذه تحتاج إلى التأويل كتلك، وقد تبين استغناء كل من الصنفين عن التحريف، وأن التفسير الذي به يعرف الصواب قد ذكر ما يدل عليه في نفس الخطاب: إما مقرونًا به، وإما في نص آخر.
[ ٤ / ٥٢ ]
ولهذا لما لم يكن لهم قانون قويم، وصراط مستقيم، في النصوص، لم يوجد أحد منهم يمكنه التفريق بين النصوص التي تحتاج إلى تأويل والتي لا تحتاج إليه، إلا بما يرجع إلى نفس المتأول المستمع للخطاب، لا بما يرجع إلى نفس المتكلم بالخطاب، فنجد من ظهر له تناقض أقوال أهل الكلام والفلاسفة، كأبي حامد وأمثاله، ممن ينظنون أن في طريقة التصفية نيل مطلوبهم، يعوّلون في هذا الباب على ذوقهم وكشفهم، فيقولون: إن ما عرفته بنور بصيرتك فقّرره، وما لم تعرفه فأوّله.
ومن ظن أن في كلام المتكلمين ما يهدي إلى الحق، يقول: ما ناقض دلالة العقل وجب تأويله، وإلا فلا.
ثم المعتزلي –والمتفلسف الذي يوافقه – يقول: إن العقل يمنع إثبات الصفات وإمكان الرؤية.
ويقول المتفلسف الدهري: إنه يمنع إثبات معاد الأبدان، وإثبات أكل وشربٍ في الآخرة، ونحو ذلك.
فهؤلاء، مع تناقضهم، لا يجعلون الرسول نفسه نصب في خطابه دليلًا يفرق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، بل يجعلون الفارق هو ما يختلف باختلاف الناس من أذواقهم وعقولهم.
ومعلوم أن هذا نسبة للرسول إلى التلبيس وعدم البيان، بل إلى كتمان الحق وإضلال الخلق، بل إلى التكلم بكلام لا يعرف حقه من باطله، ولهذا كان حقيقة أمرهم الإعراض عن الكتاب والرسول، فلا يستفيدون من كتاب الله وسنة رسوله شيئًا من معرفة صفات الله تعالى، بل الرسول معزول عندهم عن الإخبار بصفات الله تعالى نفيًا وإثباتًا، وإنما ولايته عندهم في العمليات – أو بعضها- مع أنهم متفقون على أن مقصوده العدل بين الناس وإصلاح دنياهم.
ثم يقولون مع ذلك: إنه أخبرهم بكلام عن الله وعن اليوم الآخر: صار ذلك الكلام سببًا للشر بينهم والفتن والعداوة والبغضاء، مع ما فيه عندهم من فساد العقل والدين، فحقيقة أمرهم أنه أفسد دينهم ودنياهم. وهذا مناقض لقولهم: إنه أعقل الخلق وأكملهم، أو من أعقلهم وأكملهم، وأنه قصد العدل ومصلحة دنياهم.
[ ٤ / ٥٣ ]
فهم مع قولهم المتضمن للكفر والإلحاد، يقولون قولًا مختلفًا، يؤفك عنه من أفك، متناقض غاية التناقض، فاسد غاية الفساد.
الوجه الحادي والثلاثون: وهو أن يقال: حقيقة قول هؤلاء الذين يجوزون أن تعارض النصوص الإلهية النبوية بما يناقضها من آراء الرجال، أن لا يحتج بالقرآن والحديث على شيء من المسائل العلمية، بل ولا يستفاد التصديق بشيء من أخبار الله ورسوله، فإنه إذا جاز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله في الكتاب والسنة أخبار يعارضها صريح العقل، ويجب تقديمه عليها من غير بيان من الله ورسوله للحق الذي يطابق مدلول العقل، ولا لمعاني تلك الأخبار المناقضة لصريح العقل، فالإنسان لا يخلو من حالين، وذلك لأن الإنسان إذا سمع خطاب الله ورسوله الذي يخبر فيه عن الغيب: فإما أن يقدر أن له رأيًا مخالفًا للنص، أو ليس له رأي يخالفه، فإن كان عنده مما يسميه معقولًا ما يناقض خبر الله ورسوله، وكان معقوله هو المقدّم، قدّم معقوله وألغى خبر الله ورسوله وكان حينئذٍ كل من اقتضى عقله مناقضة خبر من أخبار الله ورسوله قدم عقله على خبر الله ورسوله، ولم يكن مستدلًا بما أخبر الله به ورسوله على ثبوت مخبره، بل ولم يستفد من خبر الله ورسوله فائدة علمية، بل غايته أن يستفيد إتعاب قلبه فيما يحتمله ذلك اللفظ من المعاني التي لا يدل عليها الخطاب إلا دلالة بعيدة ليصرف إليها اللفظ.
[ ٤ / ٥٤ ]
ومعلوم أن المقصود بالخطاب الإفهام، وهذا لم يستفد من الخطاب الإفهام، فإن الحق لم يستفده من الخطاب بل من عقله، والمعنى الذي دلّ عليه الخطاب الدلالة المعروفة لم يكن المقصود بالخطاب إفهامه، وذلك المعنى البعيد الذي صرف الخطاب إليه، قد كان عالمًا بثبوته بدون الخطاب، ولم يدله عليه الخطاب الدلالة المعروفة، بل تعب تعبًا عظيمًا حتى أمكنه احتمال الخطاب له، مع أنه لا يعلم أن المخاطب أفاده بالخطاب، فلم يكن في خطاب الله ورسوله على قول هؤلاء، لا إفهام ولا بيان، بل قولهم يقتضي أن خطاب الله ورسوله إنما أفاد تضليل الإنسان، وإتعاب الأذهان، والتفريق بين أهل الإيمان، وحصول العداوة بينهم والشنآن، وتمكين أهل الإلحاد والطغيان، من الطعن في القرآن والإيمان.
وأما إن لم يكن عنده ما يعارض النص، مما يسمى رأيًا ومعقولًا وبرهانًا ونحو ذلك، فإنه لا يجزم بأنه ليس في عقول جميع الناس ما يناقض ذلك الخبر الذي أخبر الله به ورسوله.
ومن المعلوم أن الدلالات التي تسمى عقليات، ليس لها ضابط، ولا هي منحصرة في نوع معين، بل ما من أمةٍ إلا ولهم ما يسمونه معقولات.
واعتبر ذلك بأمتنا، فإنه ما من مدة إلا وقد يبتدع بعض الناس بدعًا: يزعم أنها معقولات.
ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة عليّ، والمرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، لا يدّعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص.
ثم أتباع هذه الطوائف يحدثون من الحجج العقلية على قول متبوعهم ما لم تكن عند متبوعهم، فيكون –بزعمهم- قد تبين لهم من العقليات النافية ما لم يتبين لمتبوعهم.
واعتبر ذلك بما تجده من الحجج لأبي الحسين البصري وأمثاله مما لم يسبقه إليها شيوخه، وما تجده لأبي هاشم، ولأبي علي الجبائي، وعبد الجبار بن أحمد مما لم يسبقهم إليها شيوخهم.
[ ٥ / ١ ]
بل أبو المعالي الجويني، ونحوه ممن انتسب إلى الأشعري، ذكروا في كتبهم من الحجج العقليات النافية للصفات الخبرية ما لم يذكره ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابهما، كالقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثاله، فإن هؤلاء متفقون على إثبات الصفات الخبرية، كالوجه واليد، والاستواء.
فتبين أن من جوز على خبر الله، أو خبر رسوله، أن يناقضه شيء من المعقول الصريح، لم يمكنه أن يصدق بعامة ما أخبر الله به ورسوله من الغيب، لا سيما والأمور الغائبة ليس للمخبرين بها خبرة يمكنهم أن يعلموا بعقولهم ثبوت ما أخبر به، أو انتفاء جميع ما تتخيله النفوس من المعارضات له.
بل إذا كانت الأمور المشاهدة الحسية، وما يبنى عليها من العلوم العقلية، قد وقع فيها شبهات كثيرة عقلية تعارض ما علم بالحس أو العقل، وكثير من هذه الشبه السوفسطائية يعسر على كثير من الناس –أو أكثرهم- حلها، وبيان وجه فسادها، وإنما يعتصمون في ردها بأن هذا قدح فيما علم بالحس أو الضرورة فلا يستحق الجواب، فيكون جوابهم عنها أنها معارضة للأمر المعلوم الذي لا ريب فيه، فيعلم أنها باطلة من حيث الجملة، وإن لم يذكر بطلانها على وجه التفصيل.
ولو قال قائل: هذه الأمور المعلومة لا تثبت إلا بالجواب عما يعارضها من الحجج السوفسطائية، لم يثبت لأحدٍ علم بشيء من الأشياء، إذ لا نهاية لما يقوم بنفوس بعض الناس من الحجج السوفسطائية.
فهكذا تصديق خبر الله ورسوله، قد علم علمًا يقينيًا أنه صدق مطابق لمخبره، وعلمنا بثبوت جميع ما أخبر به أعظم من علمنا بكل فردٍ من علومنا الحسية والعقلية، وإن كنا جازمين بجنس ذلك، فإن حسنا وعقلنا قد يعرض له من الغلط ما يقدح في بعض إدراكاته كالشبه السوفسطائية.
[ ٥ / ٢ ]
وأما خبر الله ورسوله فهو صدق، موافق لما الأمر عليه في نفسه، لا يجوز أن يكون شيء من أخباره باطلًا، ولا مخالفًا لما هو الأمر عليه في نفسه، ويعلم من حيث الجملة أن كل ما عارض شيئًا من أخباره وناقضه، فإنه باطل من جنس حجج السوفسطائية، وإن كان العالم بذلك قد لا يعلم وجه بطلان تلك الحجج المعارضة لأخباره.
وهذه حال المؤمنين للرسول، الذي علموا أنه رسول الله الصادق فيما يخبر به، يعلمون من حيث الجملة أن ما ناقض خبره فهو باطل، وأنه لا يجوز أن يعارض خبره دليل صحيح: لا عقلي، ولا سمعي، وأن ما عارض أخباره من الأمور التي يحتج بها المعارضون ويسمونها عقليات، أو برهانيات، أو وجديات، أو ذوقيات، أو مخاطبات، أو مكاشفات، أو مشاهدات، أو نحو ذلك من الأمور الدهّاشات، أو يسمون ذلك تحقيقًا، أو توحيدًا، أو عرفانًا، أو حكمة حقيقية، أو فلسفة، أو معارف يقينية، ونحو ذلك من الأسماء التي يسميها بها أصحابها، فنحن نعلم علمًا يقينيًا لا يحتمل النقيض أن تلك جهليات، وضلالات، وخيالات، وشبهات مكذوبات، وحجج سوفسطائية، وأوهام فاسدة، وأن تلك الأسماء ليست مطابقة لمسمّاها، بل هي من جنس تسمية الأوثان آلهة وأربابًا، وتسمية مسيلمة الكذاب وأمثاله أنبياء: (إن هي إلا أسماءٌ سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) . والمقصود أنه من جوز أن يكون فيما علمه بحسه وعقله حجج صحيحة تعارض ذلك، لم يثق بشيء من علمه، ولم يبق له طريق إلى التصديق بشيء من ذلك.
فهكذا من جوّز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله حجج صحيحة تعارض ذلك لم يثق بشيء من خبر الله ورسوله، ولم يبق له طريق إلى التصديق بشيء من أخبار الله ورسوله.
[ ٥ / ٣ ]
ولهذا كان هؤلاء المعرضين عن الكتاب، المعارضين له، سوفسطائية منتهاهم السفسطة في العقليات، والقرمطة في السمعيات، يتأولون كلام الله وكلام رسوله بتأويلات يعلم بالاضطرار أن الله ورسوله لم يردها بكلامه، وينتهون في أدلتهم إلى ما يعلم فساده بالحس والضرورة العقلية.
ثم إن فضلاءهم يتفطّنون لما بهم من ذلك فيصيرون في الشك والحيرة والارتياب، وهذا منتهى كل من عارض نصوص الكتاب.
وإذا كان قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن التصديق الجازم بما أخبر به الرسول حق واجب، وطريق هؤلاء تناقضه، علم بالضرورة من دين الإسلام أن طريق هؤلاء فاسدة في دين الإسلام، وهذه هي طريقة أهل الإلحاد في أسماء الله وآياته.
وإذا كان ما أوجب الشك والريب ليس بدليل صحيح، وإنما الدليل ما أفاد العلم واليقين، وطريق هؤلاء لا يفيد العلم واليقين، بل يفيد الشك والحيرة، علم أنها فاسدة في العقل، كما أنها إلحاد ونفاق في الشرع.
الوجه الثاني والثلاثون: أن يقال: العقل ملزوم لعلمنا بالشرع ولازم له. ومعلوم أنه إذا كان اللزوم من أحد الطرفين، لزم من وجود الملزوم وجود اللازم، ومن نفي اللازم نفي الملزوم، فكيف إذا كان التلازم من الجانبين؟ .
فإن هذا التلازم يستلزم أربع نتائج: فيلزم من ثبوت هذا اللازم ثبوت هذا، ومن نفيه نفيه، ومن ثبوت الملازم الآخر ثبوت ذلك، ومن نفيه نفيه.
وهذا هو الذي يسميه المنطقيون: الشرطي المتصل، ويقولون: استثناء عين المقدم ينتج عين التالي، واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم، فإذا كان التلازم من الجانبين كان استثناء عين كل من المتلازمين ينتج عين الآخر، واستثناء نقيض كل منهما ينتج نقيض الآخر.
وبيان ذلك هاهنا: أنه إذا كان العقل هو الأصل الذي به عرف صحة الشرع، كما قد ذكروا هم ذلك، وقد تقدم أنه ليس المراد بكونه أصلًا له أنه أصل في ثبوته في نفسه، وصدقه في ذاته، بل هو أصل في علمنا به، أي دليل لنا على صحته.
[ ٥ / ٤ ]
فإذا كان كذلك، فمن المعلوم أن الدليل يجب طرده، وهو ملزوم للمدلول عليه، فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه، ولا يجب عكسه، فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه.
وهذا كالمخلوقات، فإنها آية للخالق، فيلزم من ثبوتها ثبوت الخالق، ولا يلزم من وجود الخالق وجودها.
وكذلك الآيات الدالات على نبوة النبي، وكذلك كثير من الأخبار والأقيسة الدالة على بعض الأحكام: يلزم من ثبوتها ثبوت الحكم، ولا يلزم من عدمها عدمه، إذ قد يكون الحكم معلومًا بدليل آخر، اللهم إلا أن يكون الدليل لازمًا للمدلول عليه، فيلزم من عدم اللازم عدم الملزوم، وإذا كان لازمًا له أمكن أن يكون مدلولًا له، إذ المتلازمان، يمكن أن يستدل بكل منهما على الآخر، مثل الحكم الشرعي الذي لا يثبت إلا بدليل شرعي، فإنه يلزم من عدم دليله عدمه.
وكذلك ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، إذا لم ينقل لزم من عدم نقله عدمه، ونقله دليل عليه، وإذا كان من المعقول ما هو دليل على صحة الشرع، لزم من ثبوت ذلك المعقول ثبوت الشرع، ولم يلزم من ثبوت الشرع ثبوته في نفس الأمر.
لكن نحن إذا لم يكن لنا طريق إلى العلم بصحة الشرع إلا ذلك العقل، لزم من علمنا بالشرع علمنا بدليله العقلي الدال عليه، ولزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا به، فإن العلم بالدليل يستلزم العلم بالمدلول عليه.
وهذا هو معنى كون النظر يفيد العلم. وهذا التلازم فيه قولان: قيل: إنه بطريق العادة التي يمكن خرقها. وقيل: بطريق اللزوم الذاتي الذي لا يمكن انفصاله، كاستلزام العلم للحياة، والصفة لموصوفٍ وكاستلزام جنس العرض لجنس الجوهر، لامتناع ثبوت صفةٍ وعرض، بدون موصوفٍ وجوهر.
المقصود هنا: أنه إذا كان صحة الشرع لا تعلم إلا بدليل عقلي، فإنه يلزم من علمنا بصحة الشرع، علمنا بالدليل العقلي الدال عليه، ويلزم من علمنا بذلك الدليل العقلي، علمنا بصحة الشرع.
[ ٥ / ٥ ]
وهكذا الأمر في كل ما لا يعلم إلا بالدليل، ويلزم أيضًا من ثبوت ذلك الدليل المعقول في نفس الأمر ثبوت الشرع، ولا يلزم من ثبوت الشرع ثبوت ذلك الدليل.
وإذا كان العلم بصحة الشرع لازمًا للعلم بالمعقول الدال عليه، وملزومًا له، ولازمًا لثبوت ذلك المعقول في نفس الأمر، كما أن ثبوت ذلك المعقول في نفس الأمر، مستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر، فمن الممتنع تناقض اللازم والملزوم، فضلًا عن تعارض المتلازمين، فإن المتعارضين هما المتنافيان اللذان يلزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر، كالضدين والنقيضين.
والمتلازمان يلزم من ثبوت كل منهما ثبوت الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه، فكيف يمكن أن يكون المتلازمان متعارضين متنافيين متناقضين، أو متضادين؟
وإذا قال القائل: نحن إنما قدحنا في القدر الذي خالف العقل من الشرع، لم نقدح في كل الشرع.
قيل: ومن قدم الشرع إنما قدح في ذلك القدر مما يقال إنه عقل، لم يقدح في كل عقل، ولا في العقل الذي هو أصل يعلم به صحة الشرع. وإنما قلنا: «مما يقال إنه عقل» لأنه ليس بمعقول صحيح، وإن سمّاه أصحابه معقولًا.
فإن من خالف الرسل عليهم الصلاة والسلام، ليس معه لا عقل صريح ولا نقل صحيح، وإنما غايته أن يتمسك بشبهات عقلية أو نقلية، كما يتمسك المشركون والصابئون من الفلاسفة وغيرهم بشبهات عقلية فاسدة، وكما يتمسك أهل الكتاب المبدل المنسوخ بشبهات نقلية فاسدة.
قال الله تعالى: (والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات) وقال تعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا) .
ولهذا كان من قدم العقل على الشرع لزمه بطلان العقل والشرع، ومن قدّم الشرع لم يلزمه بطلان الشرع، بل سَلِمَ له الشرع. ومعلوم أن سلامة الشرع للإنسان، خير له من أن يبطل عليه العقل والشرع جميعًا. وذلك لأن القائل الذي قال: العقل أصل الشرع، به علمت صحته، فلو قدّمنا عليه الشرع للزم القدح في أصل الشرع.
[ ٥ / ٦ ]
يقال له: ليس المراد بكونه أصلًا له: أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر، بل هو أصل في علمنا به، لكونه دليلًا لنا على صحة الشرع.
ومعلوم أن الدليل مستلزم لصحة المدلول عليه، فإذا قدر بطلان المدلول عليه لزم بطلان الدليل، فإذا قدر عند التعارض أن يكون العقل راجحًا والشرع مرجوحًا، بحيث لا يكون خبره مطابقًا لمخبره، لزم أن يكون الشرع باطلًا، فيكون العقل الذي دلّ عليه باطلًا، لأن الدليل مستلزم للمدلول عليه، فإذا انتفى المدلول اللازم وجب انتفاء الدليل الملزوم وقطعًا. ولهذا يمتنع أن يقوم دليل صحيح على باطل، بل حيث كان المدلول باطلًا لمن يكن الدليل عليه إلا باطلًا.
إما إذا قدّم الشرع، كان المقدم له قد ظفر بالشرع، ولو قدر مع ذلك بطلان الدليل العقلي، لكان غايته أن يكون الإنسان قد صدق بالشرع بلا دليل عقلي، وهذا مما ينتفع به الإنسان، بخلاف من لم يبق عنده لا عقل ولا شرع، فإن هذا قد خسر الدنيا والآخرة. فكيف والشرع يمتنع أن يناقض العقل المستلزم لصحته؟! وإنما يناقض شيئًا آخر ليس هو دليل صحته، بل ولا يكون صحيحًا في نفس الأمر.
وأيضًا فلو قدر أنه ناقض دليلًا خاصًا عقليًا يدل على صحته، فالأدلة العقلية الدالة على صحة الشرع متنوعة متعددة، فلا يلزم من بطلان واحدٍ منها بطلان غيره، بخلاف الشرع المدلول عليه، فإنه إذا قدر بطلانه لزم بطلان جميع ما يدل عليه من المعقولات.
وأيضًا فإن هؤلاء المعارضين للشرع بالعقل، هم يدعون في معقولات معينة أنه عرفوا بها الشرع، كدعوى الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم أن الشرع إنما تعلم صحته بالدليل الدال على حدوث الأجسام، المبني على أن الأجسام مستلزمة للأعراض، والأعراض حادثة لامتناع حوادث لا أول لها.
[ ٥ / ٧ ]
وهذا الدليل يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العلم بصدق الرسول ليس موقوفًا عليه، لأن الذين آمنوا بالله ورسوله، وشهد لهم القرآن بالإيمان، من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، لم يستدلوا على صدق الرسول بهذا الدليل. وحينئذ فلو قُدر أن هذا الدليل صحيح، لم يلزم من عدم الاستدلال به بطلان الإيمان بالرسول، بل يمكن الاستدلال على صدق الرسول بالأدلة الأخرى، كالأدلة التي استدل بها السلف وجماهير الأمة. وحينئذ إذا قدر أن هذا المعقول المعين مناقض لخبر الرسول، لم يلزم من تقديم خبر الرسول عليه، القدح في أصل السمع الذي لا يعلم إلا به، فكيف إذا كان هذا الدليل باطلًا؟!. فإنه حينئذ لا يجوز أن يعتمد عليه في إثبات شيء ولا نفيه، فثبت أنه على كل تقدير لا يجب تقديمه على الشرع.
ومن زعم من أهل الكلام أنه لا طريق إلى معرفة الصانع وصدق رسوله إلا هذا، فإنه من أجهل الناس شرعًا وعقلًا. أما الشرع فقد علم أن السابقين الأولين لم يستدلوا به.
وأما العقل، فإن قول القائل: إنه لا دليل إلا هذا، قضية كلية سالبة، وشهادة على النفي العام، وأنه ليس لأحدٍ من بني آدم علم يعلم به صدق الرسول إلا هذا، وهذا مما لم يقيموا عليه دليلًا، بل لا يمكن أحدٌ العلم بهذا النفي لو كان حقًا، فكيف إذا كان باطلًا؟! .
وكذلك جميع ما يعارضون به الشرع من العقليات، فإنه لا تخلو من أمرين: إن كانت صحيحة فلم تصح الدلالة في المسلك العقلي، ولا يلزم من بطلانه بطلان دليل الشرع، إذ كان للشرع أدلة عقلية تدل عليه غير ذلك المعيّن العقلي، وإن كانت باطلة فهي من العقليات الباطلة، وليست أصلًا للشرع، فجيب أن يعرف معنى كون العقل أصلًا للشرع: أن المراد به أنه دليل.
ونحن قد بيّنا أن كل ما عارض الشرع من العقليات فليس هو دليلًا صحيحًا، فضلًا عن أن يكون هو الدليل على صحة الشرع.
[ ٥ / ٨ ]
فإن قيل: نحن إذا قدّمنا العقل لم يبطل الشرع، بل نفوضه أو نتأوله.
قيل: إن لم يكن الشرع دالًا على نقيض ما سميتموه معقولًا، فليس هو محل النزاع، وإن كان الشرع دالًا فتفويضه تعطيل لدلالة الشرع، وذلك إبطال له، وإذا دل الشرع على شيء، فالإعراض عن دلالته كالإعراض عن دلالة العقل.
فلو قال القائل: أنا قد علمت مراد الشارع، وأما المعقول فأفوضه، لأني لم أفهم صحته ولا بطلانه، فما أنا جازم بمخالفته لما دل عليه الشرع، وقد رأيت المدعين للمعقولات مختلفين، فما أنا واثق بهذا المعقول المناقض للشرع- كان هذا أقرب من قول من يقول: إن الله ورسوله لم يبين الحق، بل تكلم بباطل يدل على الكفر، ولم يبين مراده، فإن المقدّم للمعقول عند التعارض لابد أن يقول: إن الشرع يدل على خلاف العقل: إما نصًا، وإما ظاهرًا.
وإلا فإذا لم يكن له دلالة بحال تخالف العقل امتنعت المعارضة، وحينئذ فحقيقة قوله: إن الله –ورسوله- أظهر ما هو باطل وضلال وكفر ومحال، لم يبين الحق ولا هدى الخلق، وإنما الخلق عرفوا الحق بعقولهم.
والمقدّم للشرع يقول: إن الله – ورسوله- بيّن المراد، وهدى العباد، وأظهر سبيل الرشاد، ولكن هؤلاء المخالفون له ضلُّوا، وهم الذين قال الله فيهم: (وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد) فأنا أطعن فيما خالفوا به الرسول، ونبذوا به كتاب الله وراء ظهورهم، وخالفوا به الكتاب والسنة والإجماع، لا أطعن في العقليات الصحيحة الصريحة، الدالة على أن الرسول صادق بلّغ البلاغ المبين، فإن هذه المعقولات يمتنع معها أن يكون الرسول هو الرسول الذي وصفوه.
[ ٥ / ٩ ]
فهذا القائل قد صدّق بالمعقول الصريح والمنقول الصحيح، وصدّق بموجب الأدلة العقلية والنقلية. وأما ذاك القائل فإنه لم يتقبل بموجب الدليل العقلي الدال صدق الرسول وتبليغه وبيانه وهداه للخلق، ولا قام بموجب الدليل الشرعي الذي دل عليه ما دل عليه نصًا أو ظاهرًا، بل طعن في دلالة الشرع، وفي دلالة العقل الذي يدل على صحة الشرع. فتبين أن ذلك المقدم للشرع هو المتبع للشرع وللعقل الصحيح، دون هذا الذي ليس معه لا سمع ولا عقل.
ومما يوضح هذا: أن ما به عرف صدق الرسول - ﷺ - فيما يبلغه عن الله تعالى، وأنه لا يكون فيه كذب ولا خطأ يدل على ثبوت ذلك كله، لا يميز بين خبر وخبر، بل الدليل الدال على صدقه يقتضي ثبوت جميع ما أخبر به. وإذا كان ذلك الدليل عقليًا، فهذا الدليل العقلي يمنع ثبوت بعض أخباره دون بعض، فمن أقرَّ ببعض ما أخبر به الرسول دون بعض، فقد أبطل الدليل العقلي الدال على صدق الرسول وقد أبطل الشرع، فلم يبق معه لا عقل ولا شرع.
وهذا حال من آمن ببعض الكتاب دون بعض قال تعالى: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا. أولئك هم الكافرون حقًا وأعتدنا للكافرين عذابًا مُهينًا) .
ولا ريب أن من قدّم على كلام الله ورسوله ما يعارضه من معقول أو غيره، وترك ما يلزمه من الإيمان به، كما آمن بما يناقضه، فقد آمن ببعضٍ وكفر ببعض.
[ ٥ / ١٠ ]
وهذا حقيقة حال أهل البدع، كما في كتاب «الرد على الزنادقة والجهمية» لأحمد بن حنبل وغيره من وصفهم بأنهم: «مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب» . وقوله: «مختلفون في الكتاب» يتضمن الاختلاف المذموم المذكور في قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينان وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) فهذا الاختلاف يحمد فيه المؤمنون، ويذم فيه الكافرون.
وأما الاختلاف في الكتاب الذي يذم فيه المختلفون كلهم، فمثل أن يؤمن هؤلاء ببعض دون بعض، وهؤلاء ببعض دون بعض، كاختلاف اليهود والنصارى، وكاختلاف الثنتين وسبعين فرقة. وهذا هو الاختلاف المذكور في قوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك)، وفي قوله تعالى: (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظًا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء) فأغرى بينهم العداوة والبغض، بسبب ما تركوه من الإيمان بما أنزل عليهم. وهذا هو الوصف الثاني فيما تقدم من قول أحمد: «مخالفون للكتاب» فإن كلًا منهم يخالف الكتاب.
وأما قوله بأنهم: «متفقون على مخالفة الكتاب» فهذا إشارة إلى تقديم غير الكتاب على الكتاب، كتقديم معقولهم وأذواقهم وآرائهم ونحو ذلك على الكتاب، فإن هذا اتفاق منهم على مخالفة الكتاب.
[ ٥ / ١١ ]
ومتى تركوا الاعتصام بالكتاب والسنة فلابد أن يختلفوا، فإن الناس لا يفصل بينهم إلا كتاب منزلٌ من السماء، كما قال تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم) .
وكما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلًا) وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرةٍ من النار فأنقذكم منها) .
[ ٥ / ١٢ ]
الوجه الثالث والثلاثون: أن يقال: إن الشرع لا يمكن أن يخالفه العقل الدال على صحته، بل هما متلازمان في الصحة، وهذا القدر لا يمكن مؤمن بالله ورسوله أن ينازع فيه، بل لا ينازع مؤمن بالله ورسوله أن العقل لا يناقض في نفس الأمر، لكن الذي تقوله الجهمية والقدرية وغيرهم من أهل البدع أن تصديق الرسول - ﷺ - مبني على الأدلة النافية للصفات والقدر، كما يقولونه من أن صدق الرسول موقوف على قيام المعجزة الدالة على صدقه، وقيام المعجزة موقوف على أن الله لا يؤيد الكذاب بالمعجزة، وذلك موقوف على أن فعل الله قبيح، والله لا يفعل القبيح، وتنزيهه عن فعل القبيح موقوف على أنه غنُّي عنه عالم بقبحه، والغني عن القبيح العالم بقبحه لا يفعله، وغناه عنه موقوف على أن ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على نفي صفاته وأفعاله، لأن الموصوف بالصفات والأفعال جسم، ونفي ذلك موقوف على ما دل على حدوث الجسم، فلو بطل الدال على حدوث الجسم بطل ما دل على صدق الرسول فهذا أصل قولهم، ومن وافقهم في نفي بعض الصفات أو الأفعال قال بما يناسب مطلوبه من هذا الكلام، فحقيقة قولهم إنه لا يمكن التصديق بكل ما في الشرع، بل لا يمكن تصديق البعض إلا بعدم تصديق البعض الآخر. وحينئذ فدليلهم العقلي ليس دالًا على صدق الرسول إلا على هذا الوجه، فلا يمكنهم قبول ما يناقضه من نصوص الكتاب والسنة.
وحينئذ فيقال لهم: لا نسلم أن مثل هذا هو الأصل الذي به علم صدق الرسول - ﷺ -، بل هذا معارضة لقول الرسول بما لا يدل على صدقه، فبطل قول من يقول: إنّا إذا قدَّمنا الشرع كان ذلك طعنًا في أصله. وهذه المقدمات التي ذكروها عامتها ممنوعة.
وإذا قال أحدهم: نحن لا نعلم صدق الرسول إلا بهذا، أو لا نعلم دليلًا يدل على صدق الرسول إلا هذا.
[ ٥ / ١٣ ]
قيل: لا نسلّم صحة هذا النفي، وعدم العلم ليس علمًا بالمعلوم، وأنتم مكذّبون لبعض ما جاء به الشرع، وتدّعون أنه لا دليل على صدق الرسول سوى طريقكم، فقد جمعتم بين تكذيبٍ ببعض الشرع، وبين نفيّ لا دليل عليه، فخالفتم الشرع بغير حجة عقلية أصلًا.
الوجه الرابع والثلاثون: أن يُقال: القول بتقديم غير النصوص النبوية عليها، من عقل أو كشف أو غير ذلك، يوجب أن لا يستدل بكلام الله ورسوله على شيء من المسائل العلمية، ولا يصدق بشيء من أخبار الرسول لكون الرسول أخبر به، ولا يستفاد من أخبار الله ورسوله هدى ولا معرفة بشيء من الحقائق، بل ذلك مستلزم لعدم الإيمان بالله ورسوله، وذلك متضمن للكفر والنفاق والزندقة والإلحاد، وهو معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام، كما أنه في نفسه قول فاسد متناقض في صريح العقل.
[ ٥ / ١٤ ]
وهذا لازم لكل من سلك هذه الطريق، كما يجد ذلك من اعتبره، وذلك لأنه إذا جوّز أن يكون ما أخبر الله به ورسوله، وبلّغه الرسول - ﷺ - إلى أمته من القرآن والحديث، وما فيه من ذكر صفات الله تعالى، وصفات ملائكته وعرشه، والجنة والنار، والأنبياء وأممهم، وغير ذلك مما قصّه الله في كتابه، أو أمر به من التوحيد والعبادات والأخلاق، ونهى عنه من الشرك والظلم والفواحش وغير ذلك، إذا جوّز المجوّز أن يكون في الأدلة العقلية القطعية، التي يجب اتباعها وتقديمها عليه عند التعارض، ما يناقض مدلول ذلك ومفهومه ومقتضاه، لم يمكنه أن يعرف ثبوت شيء مما أخبر به الرسول، إن لم يعلم انتفاء المعارض المذكور، وهو لا يمكنه العلم بانتفاء هذا المعارض، إن لم يعلم بدليل آخر عقلي ثبوت ما أخبر به الرسول، وإلا فإذا لم يعلم بدليل عقلي ثبوته، وليس معه ما يدله على ثبوته إلا إخبار الله ورسوله –وهذا عنده مما يجوز أن يعارضه عقلي تقدم عليه – فلا طريق له إلى العلم بانتفاء المعارضات العقلية، إلا أن يحيط علمًا بكل ما يخطر ببال بني آدم، مما يظن أنه دليل عقلي.
وهذا أمر لا ينضبط، وليس له حد، فإنه لا يزال يخطر لبني آدم من الخواطر، ويقع لهم من الآراء والاعتقادات، ما يظنونه دلائل عقلية، وهذه تتولد مع بني آدم كما يتولد الوسواس وحديث النفس، فإذا جوّز أن يكون فيها ما هو قاطع عقلي معارض للنصوص مستحق للتقديم عليها، لم يمكنه الجزم بانتفاء هذا المعارض أبدًا، فلا يمكنه الجزم بشيء مما أخبر به الرسول –بمجرد إخباره- أبدًا، فلا يؤمن بشيء مما أخبر به الرسول، لكونه الرسول أخبر به أبدًا، ولا يستفيد من خبر الله ورسوله علمًا ولا هدي، بل ولا يؤمن بشيء من الغيب الذي أخبر به الرسول إذا لم يعلم ثبوته بعقله أبدًا.
[ ٥ / ١٥ ]
وحقيقة هذا سلب الإيمان برسالة الرسول وعدم تصديقه. ثم إن لم يقم عنده المعارض المقدّم بقي لا مصدقًا بما جاء به الرسول ولا مكذبًا به، وهذا كفر باتفاق أهل الملل، وبالاضطرار من دين الإسلام. وإن قام عنده المعارض المقدّم كان مكذبًا للرسول، فهذا في الكفر الذي هو جهل مركب، وذلك في الكفر الذي هو جهل بسيط.
ويتناول كلًا منهما قوله تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلًا. يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا. لقد أضلّني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولًا. وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا. وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدوًا من المجرمين وكفى بربك هاديًا ونصيرًا) . وقال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا. ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون. ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) وأمثال ذلك.
ولهذا كان هذا الأصل الفاسد مستلزمًا للزندقة والإلحاد في آيات الله وأسمائه، فمن طرده أدّاه إلى الكفر والنفاق والإلحاد، ومن لم يطرده تناقض وفارق المعقول الصريح، وظهر ما في قوله من التناقض والفساد.
ومن هذا الباب دخلت الملاحدة والقرامطة الباطنية على كل فرقة من الطوائف الذين وافقوهم على بعض هذا الأصل، حتى صار من استجاب لهم إلى بعضه دعوه إلى الباقي إن أمكنة الدعوة، وإلا رضوا منه بما أدخلوه فيه من الإلحاد، فإن هذا الأصل مناقض معارض لدين جميع الرسل صلوات الله عليهم وسلامه.
[ ٥ / ١٦ ]
الوجه الخامس والثلاثون: أن يقال: نحن نعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه أوجب على الخلق تصديقه فيما أخبر به، وقطعهم بثبوت ما أخبرهم به، وأنه من لم يكن كذلك لم يكن مؤمنًا به، بل إذا أقر أنه رسول الله، وأنه صادق فيما أخبر، ولم يقر بما أخبر به من أنباء الغيب –لجواز أن يكون ذلك متيقنًا في نفس الأمر بدليل لم يعلمه المستمع، ولا يمكن إثبات ما أثبته الرسول بخبره إلا بعد العلم بذلك – فإن هذا ليس مؤمنًا بالرسول.
وإذا كان هذا معلومًا بالاضطرار، كان قول هؤلاء المعارضين لخبره بآرائهم معلوم الفساد بالضرورة من دينه، وحينئذ فإما أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله فيصدّقه في كل ما أخبر به، ويعلم أنه يمتنع أن يكون ذلك منتفيًا في نفس الأمر، وأنه لا دليل يدل على انتفائه، وإمّا أن يكون الرجل غير مصدّق للرسول في شيء مما أخبر به، إلا أن يعلم ذلك بدليل منفصل غير خبر الرسول، ومن لم يقرّ بما أخبر به الرسول إلا بدليل منفصل لم يكن مؤمنًا به، بل كان مع الرسول كالفقهاء بعضهم مع بعض: إن قام دليل على قوله وافقه، وإلا لم يوافقه.
ومعلوم أن هذا حال الكفار بالرسل، لا المؤمنين بهم، ورؤوس هؤلاء الذين قال الله فيهم: (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتى رسل الله. الله أعلم حيث يجعل رسالته) .
الوجه السادس والثلاثون: أن الذين يعارضون الشرع بالعقل. ويقدمون رأيهم على ما أخبر به الرسول، ويقولون: إن العقل أصل الشرع، فلو قدمناه عليه للزم القدح في أصل الشرع – إنما يصح منهم هذا الكلام إذا أقرُّوا بصحة الشرع بدون المعارض، وذلك بأن يقروا بنبوة الرسول، وبأنه قال هذا الكلام، وبأنه أراد به كذا، وإلا فمع الشك في واحدةٍ من هذه المقدمات، لا يكون معهم عن الرسول من الخبر ما يعلمون به تلك القضية المتنازع فيها بدون معارضة العقل، فيكف مع معارضة العقل؟!.
[ ٥ / ١٧ ]
أما النبوة: فمن لم يعلم أن الرسول عالم بهذه القضية التي أخبر بها، وأنه معصوم أن يقول فيها غير الحق، لم يمكن أن يعلم حكمها بخبره، فمتى جوز أن يكون غير عالم مع خبره بها، يجوز عليه أن يخطئ فيما يخبر به عن الله واليوم الآخر أو أن يكذب، لم يستفد بخبره علمًا، ومن كانت النبوة عنده مكتسبة، من جنس نبي الفلاسفة، وأن خاصة النبي قوة ينال بها العلم، وقوة يتصرف بها في العالم، وقوة تجعل المعقولات في نفسه خيالات ترى وتسمع، فتكون تلك الخيالات ملائكة الله وكلامه، كما يقوله ابن سينا وأتباعه من المتفلسفة – لم يمكنه أن يجزم بأن الرسول عالم بما يقوله، معصوم أن يقول غير الحق، فكيف إذا كان يقول: إن الرسول قد يقول ما يعلم خلافه؟!. فهؤلاء يمتنع أن يستفيدوا بخبر الرسول علمًا، فكيف يتكلمون في المعارضة؟ وكذلك من لم يعلم ثبوت الأخبار لم يتكلم في حصول العلم بموجبها، وكذلك من قال: إن الدليل السمعي لا يعلم به مراد المتكلم، كما يقول الرازي ومتبعوه الذين يزعمون أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين بمراد المتكلم، فهؤلاء ليس عندهم دليل شرعي يفيد العلم بما أخبر به الرسول، فكيف يعارضون ذلك المعقول؟ .
[ ٥ / ١٨ ]
وكذلك أيضًا من عرف أن معقولاتهم التي يعارضون بها الشرع باطلة، امتنع أن يعارض بها دليلًا ظنيًا عنده، فضلًا عن أن يعارض بها دليلًا يقينيًا عنده، ولهذا كان الذين صرحوا بتقديم الأدلة العقلية على الشرعية مطلقًا، ليس فيهم من يستفيد من الأنبياء علمًا بما أخبروا به، إذا لم يكونوا مقرّين بأن الرسول بلّغ البلاغ المعصوم، بل إيمانهم بالنبوة فيه ريب: إما لتجويز أن يقول خلاف ما يعلم وإما لتجويز أن لا يكون عالمًا بذلك، وإما لأنه جائز في النبوة –لم يجزم بعد بأن النبي معصوم فيما يقوله، وأنه بلّغ البلاغ المبين، فلا تجد أحدًا ممن يقدّم المعقول مطلقًا على خبر الرسول إلا وفي قلبه مرض في إيمانه بالرسول، فهذا محتاج أولًا إلى أن يعلم أن محمدًا رسول الله الصادق المصدوق، الذي لا يقول على الله إلا الحق، وأنه بلّغ البلاغ المبين، وأنه معصوم عن أن يقرّه الله على خطأ فيما بلّغه وأخبر.
الوجه السابع والثلاثون: أن يقال: قول هؤلاء متناقض، والقول المتناقض فاسد. وذلك أن هؤلاء يوجبون التأويل في بعض السمعيات دون بعض، وليس في المنتسبين إلى القبلة، بل ولا في غيرهم، من يمكنه تأويل جميع السمعيات.
وإذا كان كذلك قيل لهم: ما الفرق بين ما جوزتم تأويله، فصرفتموه عن مفهومه الظاهر ومعناه البيّن وبين ما أقررتموه؟ .
فهم بين أمرين: إما أن يقولوا ما يقوله جمهورهم: إن ما عارضه عقلي قاطع تأولناه، وما لم يعارضه عقلي قاطع أقررناه.
فيقال لهم: فحينئذ لا يمكنكم نفي التأويل عن شيء، فإنه لا يمكنكم نفي جميع المعارضات العقلية، كما تقدّم بيانه.
[ ٥ / ١٩ ]
وأيضًا فعدم المعارض العقلي القاطع لا يوجب الجزم بمدلول الدليل السمعي، فإنه –على قولكم-: إذا جوزتم على الشارع أن يقول قولًا له معنى مفهوم، وهو لا يريد ذلك، لأن في العقليات الدقيقة التي لا تخطر ببال أكثر الناس، أو لا تخطر للخلق في قرون كثيرة ما يخالف ذلك- جاز أن يريد بكلامه ما يخالف مقتضاه بدون ذلك، لجواز أن يظهر في الآخرة ما يخالف ذلك، أو لكون ذلك ليس معلومًا بدليل عقلي ونحو ذلك، فإنه إذا جاز أن يكون موقوفًا على أمثاله من الشروط، إذ الجميع يشترك في أن الوقف على مثل هذا الشرط، يوجب أن لا يستدل بشيء من أخباره على العلم بما أخبر به.
وإن قالوا بتأول كل شيء، إلا ما علم بالاضطرار أنه أراده، كان ذلك أبلغ، فإن ما من نص واردٍ، إلا ويمكن الدافع له أن يقول: ما يعلم بالاضطرار أنه أراد هذا. فإن كان للمثبت أن يقول: أنا أعلم بالاضطرار أنه أراده. كان لمن أثبت ما ينازعه فيه هذا المثبت أن يقول أيضًا مثل ذلك.
فعلم أن قولهم باطل، وأن قولهم: لا نتأول إلا ما عارضه القطعي –قول باطل، ومع بطلان قولهم قد يصرحون بلازمه، وأنه لا يستفاد من السمعيات علم، مع أنهم يستفيدون منها علمًا، فيتناقضون، ومن لم يتناقض منهم فعليه أن يقول: أخبار الرسول ثلاثة أقسام: ما علم ثبوته بدليل منفصل صدق به، وما علم أنه عارضه العقل القاطع كان مأولًا، وما لا يعلم بدليل منفصل لا يمكن لا ثبوته ولا انتفاؤه، وكان مشكوكًا فيه موقوفًا.
[ ٥ / ٢٠ ]
الوجه الثامن والثلاثون: أن يقال: هم إذا أعرضوا عن الأدلة الشرعية لم يبق معهم إلا طريقان: إما طريق النظار: وهي الأدلة القياسية العقلية، وإما طريق الصوفية: وهي الطريقة العبادية الكشفية، وكل من جرب هاتين الطريقين علم أن ما لم يوافق الكتاب والسنة منهما فيه من التناقض والفساد ما لا يحصيه إلا ربّ العباد، ولهذا كان من سلك إحداهما إنما يؤول به الأمر إلى الحيرة والشك، إن كان له نوع عقل وتمييز، وإن كان جاهلًا دخل في الشطح والطامات التي لا يصدّق بها إلا أجهل الخلق.
فغاية هؤلاء الشك، وهو عدم التصديق بالحق، وغاية هؤلاء الشطح، وهو التصديق بالباطل، والأول يشبه حال اليهود، والثاني يشبه حال النصارى، فحذّاق أهل الكلام والنظر يعترفون بالحيرة والشك، كما هو معروف عن غير واحد منهم، كالذي كان يتكلم على المنبر فأخذ ينكر العلو على العرش، ويقول: كان الله ولا عرش، وهو لم يتحول عما كان عليه: فقال إليه الشيخ أبو الفضل جعفر الهمذاني وقال: دعنا يا أستاذ من ذكر العرش واستواء الله عليه، يعني أن هذا يعلم بالسمع، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، ما قال عارف قط: يا الله، إلا ويجد قبل أن يتحرك لسانه في نفسه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فهل عندك من جواب على هذا؟ .
[ ٥ / ٢١ ]
الوجه التاسع والثلاثون: أنا نعلم بالاضطرار من دين النبي - ﷺ -، ودين أمته المؤمنين به، بطلان لوازم هذا القول، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، بل نعلم باضطرار أن من دينه أن لوازم هذا القول من أعظم الكفر والإلحاد، وذلك لأن لازم هذه المقالة وحقيقتها ومضمونها: أن الرسول - ﷺ - لا يكون فيما أخبر به عن الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر: لا علم ولا هدى، ولا كتاب منير، فلا يستفاد منه علمٌ بذلك، ولا هدى يعرف به الحق من الباطل، ولا يكون الرسول قد هدى الناس ولا بلّغهم بلاغًا بينًا، ولا أخرجهم من الظلمات إلى النور، ولا هداهم إلى صراط العزيز الحميد.
ومعلوم أن كثيرًا من خطاب القرآن، بل أكثره، متعلق بهذا الباب، فإن الخطاب العلمي في القرآن أشرف من الخطاب العملي قدرًا وصفة.
فإذا كان هذا الخطاب لا يستفيدون منه معرفةً، ولم يبيّن لهم الرسول مراده ومقصوده بهذا الخطاب، بل إنما يرجع أحدهم في معرفة الأمور التي ذكرها ووصفها وأخبرهم عنها، إلى مجرد رأيه وذوقه، فإن وافق خبر الرسول ما عنده صدّق بمفهوم ذلك ومقتضاه، وإلا أعرض عنه، كما يعرض المسلم عن الإسرائيليات المنقولة عن أهل الكتاب – كان هذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسول.
وهذا يعلمه كل من علم ما دعا إليه الرسول - ﷺ -، سواء كان مؤمنًا أو كافرًا، فإن كل من بلغته دعوة الرسول، وعرف ما كان يدعو إليه، علم أنه لم يكن يدعو الناس إلى أن يعتقدوا فيه هذه العقيدة.
فالمقصود أنه يعلم بالاضطرار أن هؤلاء مناقضون لدعوة الرسول، وأن هذا يعرفه كل من عرف حال الرسول من مؤمن وكافر، ولوازم هذا القول أنواع كثيرة من الكفر والإلحاد.
[ ٥ / ٢٢ ]
الوجه الأربعون: أن يقال: إذا كان الرسول - ﷺ - ما بيّن للناس أصول إيمانهم، ولا عرّفهم علمًا يهتدون به، في أعظم أمور الدين، وأجل مقاصد الدعوة النبوية، وأجل ما خلق الخلق له، وأفضل ما أدركه الخلق وحصّلوه وانتهوا إليه، بل إنما بين لهم الأمور العملية، فإذا كان كذلك فمن المعلوم أن من علّمهم وبيّن لهم أشرف القسمين، وأعظم النوعين، كان ما أتاهم به أفضل مما أتاهم به من لم يبين إلا القسم المفضول والنوع المرجوح.
وحينئذ فمذهب النفاة للصفات ليس من أئمته أحد من خيار هذه الأمة وسابقيها، وإنما أئمتهم الكبار: القرامطة الباطنية من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم، ومن يوافق هؤلاء من ملاحدة الفلاسفة، وملاحدة المتصوفة القائلين بالوحدة والحلول والاتحاد، كابن سينا، والفارابي، وابن عربي، وابن سبعين، وأمثال هؤلاء.
ثم من هو أمثل هؤلاء، كأئمة الجهمية: مثل الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وأبي الهذيل العلاف، وأبي إسحاق النظام وبشر المريسي، وثمامة بن أشرس، وأمثال هؤلاء، فيكون ما أتى به هؤلاء من العلم والهدى والمعرفة، أفضل وأشرف مما أتى به موسى بن عمران، ومحمد بن عبد الله سيد ولد آدم، وأمثالهم من الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، لأن هؤلاء عند النفاة الجهمية لم يبينوا أفضل العلم وأشرف المعرفة، وإنما بينها أولئك على قول النفاة.
ولازم هذا القول أن يكون عند النفاة الجهمية أولئك أفضل من الأنبياء والرسل في العلم بالله وبيان العلم بالله، وقد صرّح أئمة هؤلاء بهذا، فابن عربي وأمثاله يقولون: الأنبياء والرسل يستفيدون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء، وأن هذا الخاتم يأخذ العلم من المعدن الذي يأخذ منه الملك، الذي يوحي به إلى الرسول.
وابن سبعين يقول: إنه بيّن العلم الذي رمز إليه هرامس الدهور الأولية، ورامت إفادته الهداية النبوية. فعلى قوله: إن الأنبياء راموا إفادته وما أفادوه.
[ ٥ / ٢٣ ]
وطائفة من المتفلسفة يقولون: إن الفيلسوف أفضل من النبي وأكمل منه، وهكذا ملاحدة الشيعة من الإسماعيلية ونحوهم، يقولون إن أئمتهم، كمحمد بن إسماعيل بن جعفر ونحوه، أفضل من موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين.
الوجه الحادي والأربعون: أن يقال يلزم من هذا القول أن كلام الأنبياء وخطابهم في أشرف المعارف وأعظم العلوم يمرض ولا يشفي، ويضل ولا يهدي، ويضر ولا ينفع، ويفسد ولا يصلح، ولا يزكي النفوس ويعلمها الكتاب والحكمة، بل يدسي النفوس ويوقعها في الضلال والشبهة، بل يكون كلام من يسفسط تارةً ويبين أخرى، كما يوجد في كلام كثير من أهل الكلام الفلسفة، كابن الخطيب، وابن سينا، وابن عربي، وأمثالهم خيرًا من كلام الله وكلام رسله، فلا يكون خير الكلام كلام الله، ولا أصدق الحديث حديثه، بل يكون بعض قرآن مسيلمة الكذّاب، الذي ليس فيه كذب في نفسه، وإن كانت نسبته إلى الله كذب، ولكنه مما لا يفيد كقوله: الفيل وما أدراك ما الفيل، له زلوم طويل، إن ذلك من خلق ربنا لجليل – عند هؤلاء الملاحدة خيرًا من كلام الله، الذي وصف به نفسه، ووصف به ملائكته، واليوم الآخر، وخيرًا من كلام رسوله، لأن قرآن مسيلمة وإن لم تكن فيه فائدة ولا منفعة، فلا مضرة فيه ولا فساد، بل يضحك المستمع – كما يضحك الناس – من أمثاله.
وكلام الله ورسوله عند هؤلاء أضل الخلق وأفسد عقولهم، وأديانهم، وأوجب أن يعتقدوا نقيض الحق في الإيمان بالله ورسوله، أو يشكوا ويرتابوا في الحق، أو يكونوا – إذا عرفوا بعقلهم- تعبوا تعبًا عظيمًا في صرف الكلام عن مدلوله ومقتضاه، وصرف الخلق عن اعتقاد مضمونه وفحواه، ومعاداة من يقر بذلك، وهم السواد الأعظم من اتباع الرسل.
[ ٥ / ٢٤ ]
الوجه الثاني والأربعون: أن يقال: كل عاقل يعلم بالضرورة أن من خاطب الناس في الطب أو الحساب أو النحو أو السياسة والأخلاق أو الهيئة أو غير ذلك من الأمور، بكلام عظم قدره وكبر أمره، وذكر أنه بيّن لهم به وعلم. وهدى به وأفهم، ولم يكن في ذلك الكلام بيان تلك المعلومات، ولا معرفة لتلك المطلوبات، بل كانت دلالة الكلام على نقيض الحق أكمل، وهي على غير العلم أدلّ –كان هذا: إما مفرطًا في الجهل والضلالة، أو الكذب والشيطنة والنذالة، فكيف إذا كان قد تكلّم في الأمور الإلهية، والحقائق الربانية، التي هي أجل المطالب العالية، وأعظم المقاصد السامية، بكلام فضّله على كل كلامٍ، ونسبه إلى خالق الأنام، وجعل من خالفه شبيهًا بالأنعام، وجعلهم من شر الجهلة الضلال الكفار الطغاة، وذلك الكلام لم يدل على الحق في الأمور الإلهية، ولا أفاد علمًا في مثل هذه القضية، بل دلالته ظاهرة في نقيض الحق والعلم والعرفان، مفهمة لضد التوحيد والتحقيق الذي يرجع إليه ذوو الإيقان، فهل يكون مثل هذا المتكلم إلا في غاية الجهل والضلال، أو في غاية الإفك والبهتان والإضلال!؟..
فهذا حقيقة قول هؤلاء الملاحدة في رسل الله، الذين هم أفضل الخلق وأعلمهم بالله، وأعظمهم هدى لخلق الله، لا سيما خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم، الذي هو أعلم الخلق بالله، وأنصح الخلق لعباد الله، وأفصح الخلق في بيان هدى الله، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
ومن المعلوم أن من وصف الأمر على خلاف ما هو عليه، فإما أن يكون قد أُتي من علمه أو قصده أو عجزه، فإنه قد يكون جاهلًا بالحق، وقد لا يكون جاهلًا به، بل ليس مراده تعليم المخاطبين وهداهم وبيان الأمر لهم، كما يقصده أهل الكيد والخداع والنفاق وأمثالهم، وإما أن يكون علمه تامًا وقصده البيان والإيضاح.
[ ٥ / ٢٥ ]
فإن الفعل يتعذر لعدم العلم، أو لعدم القدرة، أو لعدم الإرادة، فأما إذا كان الفاعل له مريدًا له، وهو قادر عليه وعالم بما يريده، لزم حصول مطلوبه.
ومن المعلوم أن محمدًا - ﷺ - أعلم الخلق بالله وتوحيده وأسمائه وصفاته وملائكته ومعاده، وأمثال ذلك من الغيب، وهو أحرص الخلق على تعليم الناس وهدايتهم.
كما قال تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) .
ولهذا كان من شدة حرصه على هداهم يحصل له ألم عظيم إذا لم يهتدوا، حتى يُسلّيه ربه ويعزيه كقوله تعالى: (إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل) . وقال تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) وقال تعالى: (لعلك باخعٌ نفسك ألا يكونوا مؤمنين) وقال تعالى: (وإن كان كبُر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء فتأتيهم بآيةٍ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين) .
ثم إنه ﷾ أمره بالبلاغ المبين، فقال تعالى: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حُمل وعليكم ما حُملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغُ المبين) وقال تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين) وقال تعالى: (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) .
[ ٥ / ٢٦ ]
فإذا كان المخاطب أعلم الخلق بما يخبر به عنه، ويصفه ويخبر به، وأحرص الخلق على تفهيم المخاطبين وتعريفهم، وتعليمهم وهداهم، وأقدر الخلق على البيان والتعريف لما يقصده ويريده، كان من الممتنع بالضرورة أن لا يكون كلامه مبينًا للعلم والهدى والحق، فيما خاطب به، وأخبر عنه، وبينه ووصفه، بل وجب أن يكون كلامه أحق الكلام بأن يكون دالًا على العلم والحق والهدى، وأن يكون ما ناقض كلامه من الكلام، أحق الكلام بأن يكون جهلًا وكذبًا وباطلًا.
وهذا قول جميع من آمن بالله ورسوله، فتبين أن قول الذين يعرضون عن طلب الهدى والعلم في كلام الله ورسوله، ويطلبونه في كلام غيره، من أصناف أهل الكلام والفلسفة والتصوف وغيرهم، هم من أجهل الناس وأضلهم بطريق العلم، فكيف بمن يعارض كلامه بكلام هؤلاء الذين عارضوه وناقضوه، ويقول: إن الحق الصريح والعلم والهدى إنما هو في كلام هؤلاء المناقضين، المعارضين لكلام رسول رب العالمين، دون ما أنزله الله من الكتاب والحكمة، وبعث به رسوله من العلم والرحمة؟!.
[ ٥ / ٢٧ ]
الوجه الثالث والأربعون: أن يقال: كل من سمع القرآن من مسلم وكافر، علم بالضرورة أنه قد ضمن الهدى والفلاح لمن أتّبعه، دون من خالفه، كما قال تعالى: (آلم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) . وقال تعالى: (آلمص. كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين. أتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) وقال: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى. وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) . وقال تعالى: (وهذا كتابٌ أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون) . وقال تعالى: (وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم) . وقال تعال: (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد. الله الذي له ما في السموات وما في الأرض) . وكذلك نعلم أنه ذم من عارضه وخالفه، وجادل بما يناقضه، كقوله تعالى (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا) . وقال تعالى: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه) وأمثال ذلك.
وإذا كان كذلك، فقد علم بالاضطرار أن من جاء بالقرآن، أخبر أن من صدّق بمضمون أخباره فقد علم الحق واهتدى، ومن أعرض عن ذلك كان جاهلًا ضالًا، فكيف بمن عارض ذلك وناقضه؟! وحينئذ فكل من لم يقل بما أخبر به القرآن عن صفات الله واليوم الآخر وغيرها.
كان عند من جاء بالقرآن جاهلًا ضالًا، فكيف بمن قال بنقيض ذلك؟!
فالأول عند من جاء بالقرآن في الجهل البسيط، وهؤلاء في الجهل المركب.
[ ٥ / ٢٨ ]
ولهذا ضرب الله تعالى مثلًا لهؤلاء، ومثلًا لهؤلاء، فقال: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) فهذا مثل أهل الجهل المركب.
وقال تعالى: (أو كظلمات في بحر لُجي يغشاه موجٌ من فوقه موجٌ من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور)، فهذا مثل أهل الجهل البسيط.
ومن تمام ذلك أن يعرف أن الضلاّل تشابها في شيئين: أحدهما الإعراض عمّا جاء به الرسول - ﷺ -، والثاني معارضته بما يناقضه، فمن الثاني الاعتقادات المخالفة للكتاب والسنة.
فكل من أخبر بخلاف ما أخبر به الرسول عن شيء من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر أو غير ذلك فقد ناقضه وعارضه، سواء اعتقد ذلك بقلبه، أو قاله بلسانه.
وهذا حال كل بدعة تخالف الكتاب والسنة، وهؤلاء من أهل الجهل المركب، الذين أعمالهم كسراب بقيعة.
ومن لم يفهم خبر الرسول ويعرفه بقلبه، فهو من أهل الجهل البسيط، وهؤلاء من أهل الظلمات.
وأصل الجهل المركب هو الجهل البسيط، فإن القلب إذا كان خاليًا من معرفة الحق، واعتقاده والتصديق به، كان معرضًا لأن يعتقد نقيضه ويصدق به، لا سيما في الأمور الإلهية، التي هي غاية مطالب البرية، وهي أفضل العلوم وأعلاها، وأشرفها وأسماها، والناس الأكابر لهم إليه غاية التشوف والاشتياق، وإلى جهته تمتد الأعناق، فالمهتدون فيه أئمة الهدى، كإبراهيم الخليل وأهل بيته، وأهل الكذب فيه أئمة الضلال، كفرعون وقومه.
قال الله تعالى في أولئك: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين) . وقال تعالى في الآخرين: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون) . فمن لم يكن على طريق أئمة الهدى كان ثغر قلبه مفتوحًا لأئمة الضلال.
[ ٥ / ٢٩ ]
الوجه الرابع والأربعون: أن يقال: المعارضون للكتاب والسنة بآرائهم لا يمكنهم أن يقولوا: إن كل واحد من الدليلين المتعارضين هو يقيني، وقد تناقضا على وجهٍ لا يمكن الجمع بينهما، فإن هذا لا يقوله عاقل يفهم ما يقول، ولكن نهاية ما يقولونه: إن الأدلة الشرعية لا تفيد اليقين، وإن ما ناقضها من الأدلة البدعية – التي يسمونها العقليات- تفيد اليقين، فينفون اليقين عن الأدلة السمعية الشرعية، ويثبتونه لما ناقضها من أدلتهم المبتدعة، التي يدعون أنها براهين قطعية.
ولهذا كان لازم قولهم الإلحاد والنفاق، والإعراض عمّا جاء به الرسول، والإقبال على ما يناقض ذلك، كالذين ذكرهم الله تعالى في كتابه من مجادلي الرسل، كما قال: (وهمت كل أمةٍ برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب) . وقوله تعالى: (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد)، وقوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون. ولتصغى إليه أفئدةُ الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) . وأمثال ذلك.
الوجه الخامس والأربعون: أن يقال: العقليات التي يقال أنها أصل للسمع وأنها معارضة له ليست مما يتوقف العلم بصحة السمع عليها فامتنع أن تكون أصلًا له بل هي باطلة وقد اعترف بذلك أئمة أهل النظر من أهل الكلام والفلسفة.
[ ٥ / ٣٠ ]
الوجه السادس والأربعون: أنكم إذا اعتقدتم في الدليل السمعي أنه ليس بدليل في نفس الأمر بل اعتقاد دلالته على مخالف ما زعمتموه من العقل جهل أمكن أتباع الرسل المصدقين بما جاءوا به أن يعتقدوا في أدلتكم العقلية أنها ليست بأدلة في نفس الأمر وأن اعتقاد دلالتها جهل ويرمون أدلتكم بما رميتم به الأدلة السمعية ثم الترجيح من جانبهم من وجوه متعددة وكانوا في هذا الرمي أحسن حالًا منكم وأعذر، فإن معهم من البراهين الدالة على صحة ما أخبر به السمع إجمالًا وتفصيلًا من المعقول أصح مما معكم، ولا تذكرون معقولًا يعارض ما ورد به الوحي إلا ومعهم معقول أصح منه يصدقه.
الوجه السابع والأربعون: أن يقال: إن تقديم العقل على الشرع يتضمن القدح في العقل والشرع؛ لأن العقل قد شهد للوحي بأنه أعلم منه وأنه لا نسبة له إليه، وأن نسبة علومه ومعارضه إلى الوحي، أقل من خردلة بالإضافة إلى جبل أو تلك التي تَعْلق بالإصبع بالنسبة إلى البحر، فلو قدم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحًا في شهادته، وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله، فتقديم العقل على الوحي، يتضمن القدح فيه وفي الشرع وهذا ظاهر لا خفاء به يوضحه:
[ ٥ / ٣١ ]
الوجه الثامن والأربعون: وهو أن الشرع مأخوذ عن الله بواسطة الرسولين الملكي والبشري بينه وبين عباده مؤيدًا بشهادة الآيات وظهور البراهين على ما يوجبه العقل ويقتضيه تارة، ويستحسنه تارة، ويجوزه تارة، ويكع عن دركه تارة، ولا سبيل له إلى الإحاطة به، ولابد له من التسليم والانقياد لحكمه والإذعان والقبول، وهناك يسقط «لم»، ويبطل «كيف»، ويزول «هلا»، ويذهب «لو» «وليت» في الريح لأن هذه المواد عن الوحي محبوسة، واعتراض المعترض عليه مردود واقتراح المقترح ما يظن أنه أولى منه سفه وجهل، فالشريعة مشتملة على أعلى أنواع الحكمة علمًا وعملًا التي لو جمعت حكم جميع الأمم ونسبت إليها لم يكن لها إليها نسبة، وهي متضمنة لأعلى المطالب بأقرب الطرق وأتم البيان، فهي متكفلة بتعريف الخليقة بها وفاطرها المحسن إليها بأنواع الإحسان بأسمائه وصفاته وأفعاله وتعريف الطريق الموصل إلى رضاه وكرامته والداعي لديه، وتعريف حال السالكين بعد الوصول إليه، ويقابل هذه الثلاثة تعريفهم حال الداعي إلى الباطل، والطرق الموصلة إليه، وحال السالكين تلك الطرق وإلى أين تنتهي بهم، ولهذا تقبلها العقول الكاملة أحسن تقبل وقابلتها بالتسليم والإذعان واستدارت حولها بحماية حوزتها والذب عن سلطانها.
فبين ناصر باللغة السائغة، وحام بالعقل الصريح، وذاب عنه بالبراهين، ومجاهد بالسيف والرمح والسنان، ومتفقه في الحلال والحرام، ومعين بتفسير القرآن، وحافظ لمتون السنة وأسانيدها، ومفتش عن أحوال رواتها، وناقد لصحتها من سقيمها، ومعلولها من سليمها، فهي الشريعة ابتداؤها من الله، وانتهاؤها إليه، فمنه بدأت وإليه تعود.
[ ٥ / ٣٢ ]
الوجه التاسع والأربعون: أن الله سبحانه قد تمم الدين بنبيه - ﷺ - وأكمله به ولم يحوجه ولا أمته بعده إلى عقل ولا نقل سواه ولا رأي ولا منام ولا كشوف، قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) . وأنكر على من لم يكتف بالوحي عن غيره، فقال: (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقومٍ يؤمنون) . ذكر هذا جوابًا لطلبهم آية تدل على صدقه فأخبر أنه يكفيهم من كل آية فلو كان ما تضمنه من الإخبار عنه وعن صفاته وأفعاله واليوم الآخر يناقض العقل لم يكن دليلًا على صدقه فضلًا عن أن يكون كافيًا، وسيأتي في الوجه الذي بعد هذا بيان أن تقديم العقل على النقل يبطل كون القرآن آية وبرهانًا على صحة النبوة، والمقصود أن الله سبحانه تمم الدين وأكمله بنبيه وما بعثه به فلم يحوج أمته إلى سواه، فلو عارضه العقل، وكان أولى بالتقديم منه لم يكن كافيًا للأمة ولا كان تامًا في نفسه. في مراسيل أبي داود (١) أن الرسول - ﷺ - رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة فيها شيء من التوراة فقال: كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابًا غير كتابهم. أُنْزل على نبي غير نبيهم، فأنزل الله ﷿: (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون) . وقال سبحانه: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) . فأقسم سبحانه بنفسه أنا لا نؤمن حتى نحكم رسوله في جميع ما شجر بيننا، وتتسع صدورنا بحكمه، فلا يبقى منها حرج، ونسلم لحكمه تسليمًا فلا نعارضه بعقل ولا رأي ولا هوى ولا غيره، فقد أقسم الرب سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن هؤلاء الذي يقدمون العقل على ما جاء به الرسول وقد شهدوا هم على أنفسهم بأنهم غير مؤمنين بمعناه وإن
_________________
(١) حسنه الألباني في مشكاة المصابيح (١٧٧) لطرقه وشواهده.
[ ٥ / ٣٣ ]
آمنوا بلفظه، وقال تعالى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) . وهذا نص صريح في أن حكم جميع ما تنازعنا فيه مردود إلى الله وحده، وهو الحاكم فيه على لسان رسوله فلو قدم حكم العقل على حكمه لم يكن هو الحاكم بوحيه وكتابه وقال تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) فأمر باتباع الوحي المنزل وحده ونهى عن اتباع ما خالفه وأخبر سبحانه أن كتابه بينة وشفاء وهدى ورحمة ونور وفضل وبرهان وحجة وبيان، فلو كان للعقل ما يعارضه ويجب تقديمه على القرآن لم يكن فيه شيء من ذلك، بل كانت هذه الصفات للعقل دونه وكان عنها بمعزل فكيف يشفي ويهدي ويبين ويفصل ما يعارضه صريح العقل؟
الوجه الخمسون: أن الأدلة السمعية هي الكتاب والسنة، والإجماع. وهو إنما يصار إليه عند تعذر الوصول إليهما، فهو في المرتبة الأخيرة، ولهذا أخره عمر في كتابه إلى أبي موسى حيث كتب إليه: «اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله - ﷺ -، فإن لم يكن في السنة فبما قضى به الصالحون قبلك» (١) . وهذا السلوك هو كان سلوك الصحابة والتابعين، ومن درج على آثارهم الأئمة. أول ما يطلبون النازلة من القرآن، فإن أصابوا حكمها فيه لم يعدوه إلى غيره، وإن لم يصيبوها فيه طلبوها من سنة رسول الله - ﷺ - فإن أصابوها لم يعدوها إلى غيرها، وإن لم يصيبوها طلبوها من اتفاق العلماء، وقد صان الله الأمة أن تجمع على خطأ أو على ما يعلم بطلانه بصريح العقل، فإذا كان الإجماع معصومًا أن ينعقد على ما يخالف العقل الصريح، بل إذا وجدنا معقولًا يخالفه الإجماع علمنا قطعًا أنه معقول فاسد، فلأن يصان كتاب الله، وسنة رسوله عن مخالفة العقل الصريح أولى وأحرى.
_________________
(١) صحيح النسائي (٤٩٨٩) .
[ ٥ / ٣٤ ]
الوجه الحادي والخمسون: أنه إذا قدر تعارض العقل والكتاب فرد العقل الذي لم تضمن لنا عصمته إلى الكتاب المعلوم العصمة هو الواجب.
الوجه الثاني والخمسون: أن طالب الهدى في غير القرآن والسنة. قد شهد الله ورسوله له الضلال، فكيف يكون عقل الذي قد أضله الله مقدمًا على كتاب الله وسنة رسوله؟ قال تعالى في أرباب العقول التي عارضوا بها وحيه: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) . وقال: (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) .
وقال فيمن قدم عقله على ما جاء به: (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جآءهم من ربهم الهدى)، والقرآن مملوء بوصف من قدم عقله على ما جاء به بالضلال.
وروى الترمذي، وغيره من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنها ستكون فتنة» قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبارٍ قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: (إنا سمعنا قرآنًا عجبًا. يهدي إلى الرشد) من قال به صدق ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعي إليه هدي إلى صراط مستقيم» .
الوجه الثالث والخمسون: أن أصحاب القرآن والإيمان قد شهد الله لهم، وكفى به شهيدًا بالعلم واليقين والهدى، وأنهم على بصيرة وبينة من ربهم، وأنهم هم أولو العقل والألباب والبصائر، وأن لهم نورًا على نور؛ وأنهم المهتدون المفلحون.
[ ٥ / ٣٥ ]
قال تعالى في حق الذين يؤمنون بالغيب، ولا يعارضونه بعقولهم وآرائهم: (آلم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) . وقال: (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد) . وهذا دليل ظاهر أن الذي نراه معارضًا للعقل، ويقدم العقل عليه ليس من الذين أوتوا العلم في قبيل ولا دبير، ولا قليل ولا كثير.
وقال: (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى) وهذه شهادة من الله على عمى هؤلاء وهي موافقة لشهادتهم على أنفسهم بالحيرة والشك، وشهادة المؤمنين عليهم. وقال: (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجةٍ الزجاجة كأنها كوكبٌ دريٌ يوقد من شجرة مباركة زيتونةٍ لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نارٌ نورٌ على نور. يهدي الله لنوره من يشاء. ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم) .
[ ٥ / ٣٦ ]
فأخبر سبحانه عن مثل نور الإيمان به، وبأسمائه، وصفاته، وأفعاله وصدق رسله في قلوب عباده، وموافقة ذلك لنور عقولهم وفطرهم التي أبصروا بها نور الإيمان بهذا المثل المتضمن لأعلى أنواع المشهود وأنه نور على نور. نور الوحي ونور العقل. نور الشرعة، ونور الفطرة. نور الأدلة السمعية، ونور الأدلة العقلية. وقال تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا. وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم) . وقال تعالى: (أومن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها. كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون) وقال تعالى: (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) وقال تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) .
ثم أخبر سبحانه عن حال المعرضين عن النور المعارضين للوحي بالعقل بمثلين يتضمن أحدهما وصفهم بالجهل المركب، والآخر بالجهل البسيط، لأنهم بين ناظر وباحث ومقدر ومفكر، وبين مقلد يحسن الظن بهم. فقال في الطائفتين: (والذين كفروا أعمالهم كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه. والله سريع الحساب. أو كظلمات في بحرٍ لجي يغشاه موجٌ من فوقه موجٌ من فوقه سحاب. ظلماتٌ بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور) .
[ ٥ / ٣٧ ]
الوجه الرابع والخمسون: أن الآيات والبراهين اليقينية، والأدلة القطعية، قد دلت على صدق الرسل، وأنهم لا يخبرون عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه إلا بالحق المحض، فهم صادقون فيما يبلغونه عن الله في الطلب والخبر، وهذا أول درجات النقيضين أنه حق، وأنه لا يجوز أن يكون في الباطن بخلاف ما أخبر به، وأنه يمتنع أن يعارضه دليل قطعي لا عقلي ولا سمعي، فإن كل ما يظن أنه يعارضه من ذلك فهي حجج داحضة، وشبه فاسدة، من جنس شبه السفسطة والقرمطة وإذا كان العقل العالم بصدق الرسول، قد شهد له بذلك، وأنه ممتنع أن يعارض خبره دليلًا صحيحًا، كان هذا العقل شاهدًا بأن كل ما عارض ما أخبر به الرسول فهو باطل، فيكون هذا العقل الصحيح، والسمع قد شهدا ببطلان العقل المخالف للسمع.
الوجه الخامس والخمسون: وهو أن الله سبحانه اقتضت حكمته وعدله أن يفسد على العبد عقله الذي خالف به رسله، ولم يجعله منقادًا لهم، مسلمًا لما جاءوا به، مذعنًا له، بحيث يكون مع الرسول كمملوكة المنقاد من جميع الوجوه، فأول ما أفسد سبحانه عقل شيخهم القديم إبليس، حيث لم ينقد به لأمره، وعارض النص بالعقل، وذكر وجه المعارضة، فأفسد عليه عقله غاية الإفساد، حتى آل الأمر إلى أن صار إمام المبطلين، وقدوة الملحدين، وشيخ الكفار والمنافقين. ثم تأمل كيف أفسد عقول من أعرض عن رسله وعارض ما أرسلوا به، فآل بهم فساد تلك العقول إلى ما قصه الله عنهم في كتابه، ومن فساد تلك العقول أنهم لم يرضوا بنبي من النبيين، ورضوا بإلهٍ من الحجر، ومن فساد تلك العقول أنهم استحبوا العمى على الهدى، وآثروا عقوبة الدنيا والآخرة على سعادتهما، وبدلوا نعمة الله كفرًا، وأحلوا قومهم دار البوار.
[ ٥ / ٣٨ ]
وأفسد عقول أهل الكتابين بكفرهم بالرسول حتى آل أمرهم إلى مقالات الفلاسفة، التي قدموها على ما جاءت به الرسل، حتى قالوا ما أضحكوا به كافة العقلاء، وإن كانوا أصحاب صنائع وأفكار، واستنبطوها بعقولهم لعجز غيرهم عنها، لكن أفسد عليهم العقل الذي ينال به سعادة الأبد، حتى قالوا في فرية سلسلة الموجودات عن واجب الوجود، ما هو بسلسلة المجانين أشبه منه بكلام عقلاء الآدميين.
وجعلوا العالم الذي شهدت عليه شواهد الصنعة والاحتياج والافتقار من كون غالبه مسخرًا، مدبرًا، مقهورًا على حركة لا يمكنه الخروج منها، وعلى مكان لا يمكنه مفارقته، وعلى وضع لا يمكنه أن يزول عنه، وعلى ترتيب شهد العقل والفطرة أن غيره رتبه هذا الترتيب، ووضعه في هذا الموضع، وقهره على هذه الحركة.
وكون سافله منفعلًا غير فاعل، متأثرًا غير مؤثر كل وقت في مبدأ ومعاد، وشواهد الفقر والحاجة والحدوث ظاهرة على أجزائه وأنواعه، فجعلوه قديمًا غير مخلوق، ولا مصنوع، فعطلوه عن صانعه وخالقه، ثم عطلوا الرب الذي فطر السماوات والأرض عن صفات كماله، ونعوت جلاله، وأفعاله، فلم يثبتوا له ذاتًا ولا صفة، ولا فعلًا، ولا تصرفًا باختياره في ملكه ولا عالمًا بشيء مما في العالم العلوي والسفلي، وعاجزًا من إنشاء النشأة الأولى أن يعيدها مرة ثانية.
وفي الحقيقة لم يثبتوا ربًا أنشأ شيئًا، ولا ينشئه، ولا أثبتوا لله ملائكة، ولا رسلًا، ولا كلامًا، ولا إلهية، ولا ربوبية.
وأما الاتحادية فأفسد عقولهم فلم يثبتوا ربًا، وظنوا أن في الخارج إنسانًا كليًا، وحيوانًا كليًا، وجعلوا وجود الرب وجودًا مطلقًا، مجردًا عن الماهيات، وقالوا: لا وجود للمطلق في الخارج.
[ ٥ / ٣٩ ]
وبالجملة: فلم يصيبوا في الإلهيات في مسألة واحدة، بل قالوا في جميعها ما أضحكوا عليهم العقلاء. وأما متكلمو الجهمية، والمعتزلة، فأفسد عقولهم عليهم حتى قالوا ما يسخر العقلاء من قائله، كما تقدم التنبيه على اليسير منه، وقالوا: يتكلم الرب بغير كلام يقوم به، وخالق بلا خلق يقوم به، وسميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وحي بلا حياة، وقدير بلا قدرة، ومريد بلا إرادة، وفعال لما يريد، ولا فعل له ولا إرادة، وقالوا: الرب موجود قائم بنفسه، ليس في العالم ولا خارجه، ولا متصلًا به، ولا منفصلًا عنه، ولا فوقه، ولا تحته، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، وقالوا: إنه لم يزل معطلًا عن الفعل، والفعل ممتنع، ثم انقلب من الامتناع إلى الإمكان بغير تجدد سبب أصلًا، وقالوا: إن الأعراض لا تبقي زمانين، وأنكروا القوى، والطبائع، والغرائز، والأسباب، والحِكَم، وجعلوا الأجسام كلها متماثلة. وأثبتوا أحوالًا لا موجودة ولا معدومة، وأثبتوا مصنوعًا بلا صانع ومخلوقًا بلا خالق، إلى أضعاف ذلك مما يسخر منه العقلاء.
[ ٥ / ٤٠ ]
وكلما كان الرجل عن الرسول أبعد كان عقله أقل وأفسد، فأكمل الناس عقولًا أتباع الرسل، وأفسدهم عقولًا المعرض عنهم، وعما جاءوا به، ولهذا كان أهل السنة والحديث أعقل الأمة وهم في الطوائف كالصحابة في الناس، وهذه القاعدة مطردة في كل شيء عصي الرب –سبحانه- به، فإنه يفسده على صاحبه، فمن عصاه بماله أفسده عليه، ومن عصاه بجاهه أفسده عليه، ومن عصاه بلسانه أو قلبه أو عضو من أعضائه أفسده عليه، وإن لم يشعر بفساده، فأي فساد أعظم من فساد قلب خربٍ من محبة الله، وخوفه، ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والطمأنينة بذكره، والأنس به، والفرح بالإقبال عليه؟ وهل هذا القلب إلا قلب قد استحكم فساده؟ والمصاب لا يشعر، وأي فساد أعظم من فساد لسان تعطل عن ذكره، وما جاء به، وتلاوة كلامه، ونصيحة عباده وإرشادهم، ودعوتهم إلى الله، وأي فساد أعظم من فساد جوارح عطلت عن عبودية فاطرها وخالقها وخدمته، والمبادرة إلى مرضاته؟
وبالجملة فما عُصي الله بشيء إلا أفسده على صاحبه، ومن أعظم معصية العقل إعراضه عن كتابه ووحيه الذي هدى به رسوله، وأتباعه، والمعارضة بينه وبين كلام غيره، فأي فساد أعظم من فساد هذا العقل؟ وقد أرى الله سبحانه أتباع رسوله من فساد عقل هؤلاء ما هو من أقوى أسباب زيادة إيمانهم بالرسول، وبما جاء به، وموجبًا لشدة تمسكهم به، ولقد أحسن القائل:
وإذا نظرت إلى أميري زادني نظري له حبًا إلى الأمراء
[ ٥ / ٤١ ]
الوجه السادس والخمسون: أن هؤلاء عكسوا شرعة الله وحكمته، وضادوه في أمره، فإن الله سبحانه جعل الوحي إمامًا والعقل مؤتمًا به، وجعله حاكمًا والعقل محكومًا عليه، ورسولًا والعقل مرسلًا إليه، وميزانًا والعقل موزونًا به، وقائدًا والعقل منقادًا له، فصاحب الوحي مبعوث وصاحب العقل مبعوث إليه، والآتي بالشرع مخصوص بوحي من الله وصاحب العقل مخصوص ببحث عن رأي وفكرة، وصاحب الوحي مُلقى وصاحب العقل كادح طالب، هذا يقول أمرت ونهيت وأوحي إليّ، وقيل لي وما أقول شيئًا من تلقاء نفسي ولا من قبل عقلي ولا من جهة فكري ونظري، وذاك المتخلف يقول نظرت ورأيت وفكرت وقدرت واستحسنت واستنتجت، والمتخلف يقول معي آلة المنطق والكليات الخمس والمقولات العشر والمختلطات والموجهات اهتدى بها، والرسول يقول: معي كتاب الله وكلامه ووحيه، والمتخلف يقول معي العقل، والرسول يقول: معي نور خالق العقل به أهدى وأهتدي، والرسول يقول: قال الله كذا، قال جبريل عن الله كذا، والمتخلف يقول: قال أفلاطون قال بقراط، قال أرسطو كذا، قال ابن سينا، قال الفارابي: فيسمع من الرسول ظاهر التنزيل وصحيح التأويل وشرع سنة، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وخبر عن السماء والملائكة واليوم الآخر. ويسمع من الآخر الهيولي والصورة والطبيعة والاستقص والذاتي والعرض والجنس والنوع والفصل والخاصة والأيس والليس، وعكس النقيض والعكس المستوي، وما شاكل هذا (١) مما لا يسمع من مسلم ولا يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، إلا من رضي لنفسه بما يرضى به هؤلاء المتخلفون لأنفسهم ورغب فيما رغبوا فيه، وبالجملة فهما طريقان متباينان، فمن أراد أن يتمعقل بعقول هؤلاء، فليعزل نظره عن الوحي ويخلي بينه وبين أهله، ومن أحب أن يكون من أهل العقل والوحي فليعتصم بالوحي ويستمسك بغرز من جاء به، ويسلم إليه أعظم من تسليم
_________________
(١) انظر لتعريف هذه الألفاظ: الصواعق المرسلة (٣/٨٩٢) .
[ ٥ / ٤٢ ]
الصبي لأستاذه ومعلمه بكثير، فإن التباين الذي بين النبي وبين صاحب المعقول أضعاف أضعاف التباين الذي بين الصبي والأستاذ.
ومن العجب، أن هؤلاء المقدمين عقولهم على الوحي، خاضعون لأئمتهم وسلفهم، مستسلمون لهم في أمور كثيرة، يقولون: هم أعلم بها منا، وعقولهم أكمل من عقولنا، فليس لنا أن نعترض عليهم فكيف يعترض على الوحي بعقله من نسبته إليه أدق وأقل من نسبة عقل الطفل إلى عقله؟ .
وجماع الأمر أن قضايا المعقول، مشتملة على العلم والظن والوهم، وقضايا الوحي كلها حق، فأين قضايا مأخوذة عن عقل قاصر عجز للخطأ، من قضايا مأخوذة عن خالق العقول وواهبها هي كلامه وصفاته؟!.
[ ٥ / ٤٣ ]
الوجه السابع والخمسون: أن المعارضة بين العقل ونصوص الوحي، لا تتأتى على قواعد المسلمين، المؤمنين بالنبوة حقًا، ولا على أصول أحد من أهل الملل، المصدقين بحقيقة النبوة، وليست هذه المعارضة من الإيمان بالنبوة في شيء، وإنما تتأتى هذه المعارضة، ممن يقر بالنبوة على قواعد الفلسفة، ويجريها على أوضاعهم وأن الإيمان بالنبوة عندهم، هو الاعتراف بموجود حكيم، له طالع مخصوص يقتضي طالعه أن يكون متبوعًا، فإذا أخبرهم بما لا تدركه عقولهم عارضوا خبره بعقولهم، وقدموها على خبره، فهؤلاء هم الذين عارضوا بين العقل ونصوص الأنبياء فعارضوا نصوص الأنبياء في باب الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، في هذه الأصول الخمس بعقولهم فلم يصدقوا بشيء منها على طريقة الرسل، ثم سرت معارضتهم في المنتسبين إلى الرسل، فتقاسموها تقاسم الوارث لتركه مورثهم، فكل طائفة كان الوحي على خلاف مذهبهم وقول من قلدوه لجأوا إلى هذه المعارضة، واعتصموا بها دون نصوص الوحي، ومعلوم أن هذا يناقض الإيمان بالنبوة، وإن تناقض القائل به فغايته أن يثبت كون النبي رسولًا للعمليات دون العلميات أو في بعض العلميات التي أخبر به دون البعض وهذا أسوأ حالًا ممن جعله رسولًا إلى بعض الناس دون بعض، فإن القائل بهذا يجعله رسولًا في العلميات والعمليات، ولا يعارض بين خبره وبين العقل، وإن تناقض في جحده عموم رسالته بالنسبة إلى كل مكلف، فهذا جحد عموم رسالته إلى المدعوين وذاك جحد عموم رسالته في المدعو إليه المخبر به ولم يؤمن في الحقيقة برسالته لا هذا ولا هذا، فإنه يقال لهذا: إن كان رسول الله إلى هؤلاء حقًا فهو رسوله إلى الآخرين قطعًا لأنه أخبر بذلك، ومن ضرورة تصديقه الإيمان بعموم رسالته، ويقال للآخر: إن كان رسول الله في العمليات وإنها حق من عند الله فهو رسوله في العلميات فإنه أخبر عنه بهذا.
[ ٥ / ٤٤ ]
الوجه الثامن والخمسون: وهو أنك إذا جعلت العقل ميزانًا ووضعت في أحد كفتيه كثيرًا من الأمور المشاهدة المحسوسة التي ينالها العيان ووضعت في الكفة الأخرى الأمور التي أخبرت بها الرسل عن الله وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجدت ترجيحه لهذه الكفة وتصديقه بها فوق ترجيحه للتي قبلها وتصديقه بها أقوى، ولولا الحس والمشاهد تمنعه من إنكار ذلك لأنكره، وهذه دعوى نعلم أنك تتعجب ممن يدعيها وتنسبه إلى المجازفة، وقلة التحصيل، والخطابة التي تليق بالعامة ولعمر الله إن مدعيها ليعجب من إنكارك لها وتوقفك فيها بعد البيان.
[ ٥ / ٤٥ ]
فنقول وبالله التوفيق: أنسب إلى العقل حيوانًا يرى ويسمع ويحس ويتكلم ويعمل فغشيه أمر ألقي له كأنه خشبة لا روح فيها وزال إحساسه وإدراكه وتوارى عنه سمعه وبصره وعقله بحيث لا يعلم شيئًا، فأدرك في هذه الحال من العلوم العجيبة والأمور الغائبة ما لم يدركه حال حضور ذهنه واجتماع حواسه ووفور عقله، وعلم من أمور الغيب المستقبلة ما لم يكن له دليل ولا طريق إلى العلم به، وانسب إليه أيضًا حيوانًا خرج من إحليلة مجة ماء مستحيلة عن حصول الطعام والشراب كالمخطة فامتزجت بمثلها في مكان ضيق فأقامت هناك برهة من الدهر فانقلبت دمًا قد تغير لونها وشكلها وصفاتها فأقامت كذلك مدة ثم انقلبت قطعة لحم فأقامت كذلك مدة ثم انقلبت عظامًا وأعصابًا وعروقًا وأظفارًا مختلفة الأشكال والأوضاع وهي جماد لا إحساس لها ثم عادت حيوانًا يتحرك ويتغذى وينقلب ثم أقام ذلك الحيوان مدة طويلة في مكان لا يجد فيه متنفسًا وهو داخل أوعية بعضها فوق بعض، ثم انفتح له باب ضيق عن مسلك الذكر فلا يسلكه إلا بضغطة وعصره، فوسع له ذلك الباب حتى خرج منه، وانسب إليه أيضًا شيئًا بقدر الحبة ترسله في مدينة عظيمة من أعظم المدن فيأكل المدينة وكل من فيها ثم يقبل على نفسه فيأكلها وهو النار، وانسب إليه أيضًا شيئًا بقدر بزر الخشخاش (١)
_________________
(١) بزر الخشخاش: البزر هو كل حب يبذر، والخشخاش نبت ثمرته حمراء وهو ضربان: أسود وأبيض واحدته خشخاشة. انظر: المصباح المنير ١/٦٠، مادة بزر، لسان العرب ٢/١٦٤، مادة خشش.
[ ٥ / ٤٦ ]
يحمله الإنسان بين ثيابه مدة فينقلب حيوانًا يتغذى بورق الشجر برهة ثم إنه يبني على نفسه قبابًا مختلفة الألوان من أبيض وأصفر وأحمر بناء محكمًا متقنًا فيقيم في ذلك البناء مدة من الزمان لا يتغذى بشيء البتة، فينقلب في القبة طائرًا له أجنحة يطير بها بعد أن كان دودًا يمشي على بطنه فيفتح على نفسه باب القبة ويطير، وذلك دود القز إلى أضعاف ما ذكرنا مما يشاهد بالعيان مما لو جلي لمن لم يره لعجب من عقل من حكاه له، وقال: وهل يصدّق بهذا عاقل، وضرورة العقل تدفع هذا، وأقام الأدلة العقلية على استحالته، فقام في النائم مثلًا القوى الحساسة أسباب لإدراك الأمور الوجودية وآلة لها، فمن لا يدرك الشيء مع وجودها واستجماعها ووفورها، فأن يتعذر عليه إدراكه مع وجودها وبطلان أفعالها أولى وأحرى وهذا قياس أنت تجده أقوى من الأقيسة التي يعارض بها خبر الأنبياء والحس والعيان يدفعه ومن له خبرة بمواد الأدلة، وترتيب مقدماتها، وله أدنى بيان يمكن أن ينظم أدلة عقلية على استحالة كثير من الأمور المشاهدة المحسوسة، وتكون مقدمات تلك الأدلة من جنس مقدمات الأدلة التي تعارض بها النصوص أو أصح منها، وانسب إلى العقل وجود ما أخبرت به الرسل عن الله وصفاته وأفعاله وملائكته وعن اليوم الآخر، وثبوت هذه الأمور التي ذكرنا اليسير منها، وما لم نذكره، ولم يخطر لنا ببال أعجب من ذلك بكثير نجد تصديق العقل بما أخبرت به الرسل أقرب إليه من تصديقه بهذه الأمور ولولا المشاهدة لكذب بها.
فيالله العجب! كيف يستجيز العقل إنكار ما أخبرت به الرسل بعد أن رأى وعاين وسمع ما لولا الحس لأنكره غاية الإنكار، ومن ها هنا قال من صح عقله وإيمانه: إن نسبة العقل إلى الوحي أدق، وأقل بكثير من نسبة منادي سن التمييز إلى العقل.
الوجه التاسع والخمسون: إن هؤلاء المعارضين للوحي بعقولهم ارتكبوا أربع عظائم: إحداها: ردهم لنصوص الأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم-
[ ٥ / ٤٧ ]
الثانية: إساءة الظن به، وجعله منافيًا للعقل، مناقضًا له.
الثالثة: جنايتهم على العقل بردهم ما يوافق النصوص من المعقول؛ فإن موافقة العقل للنصوص التي زعموا أن العقل يردها أظهر للعقل من معارضته لها،
الرابعة: تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم لمن خالفهم في أصولهم، التي اخترعوها، وأقوالهم التي ابتدعوها، مع أنها مخالفة للعقل والنقل، فصوبوا رأي من تمسك بالقول المخالف للعقل والنقل، وخطئوا من تمسك بما يوافقهما، وراج ذلك على من لم يجعل الله له نورًا، ولم يشرق على قلبه نور النبوة.
الوجه الستون: أن من عارض بين الوحي والعقل فقد قال بتكافؤ الأدلة، لأن العقل الصحيح لا يكذب، والوحي أصدق منه، وهما دليلان صادقان، فإذا تعارضا تكافئا، فإن لم يقدم أحدهما بقي في الحيرة والشك وإن قدم أحدهما على الآخر أبطل موجب الدليل الصحيح، وأخرجه عن كونه دليلًا، فيبقى حائرًا بين أمرين لابد له من أحدهما، إما أن يسيء الظن بالوحي، أو بالعقل، والعقل عنده أصل الوحي، فلا يمكنه أن يسيء الظن به، فيسطو على الوحي تارة بالتحريف، والتأويل، وتارة بالتخييل، وتارة بالدفع والتكذيب، إن أمكن، وذلك في نصوص السنة، وتارة يدعي ذلك في نصوص القرآن، كما يدعيه غلاة الرافضة وكثير من القرامطة وأشباههم، وهذا كله إنما نشأ من ظنونهم الفاسدة، أن العقل الصحيح يعارض الوحي الصريح، وأما أهل العلم والإيمان، أهل السمع والنقل، فعندهم أن فرض هذه المسألة محال، وأن فرضها كفرض مسألة إذا تعارض العقل وأدلة ثبوت النبوة والرسالة، وإذا تعارض العقل وأدلة ثبوت الخالق وتوحيده، ومعارضة هؤلاء ومن وافقهم على بعضها، تُبَين له أن القوم لا عقل ولا نقل.
[ ٥ / ٤٨ ]
الوجه الحادي والستون: أن الله سبحانه نهى المؤمنين أن يتقدموا بين يدي رسوله وأن يرفعوا أصواتهم فوق صوته وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض وحذرهم من حبوط أعمالهم بذلك؛ فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم. يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) فإذا كان سبحانه قد نهى عن التقديم بين يديه، فأي تقديم أبلغ من تقديم عقله على ما جاء به؟ قال غير واحد من السلف: ولا تقولوا حتى يقول ولا تفعلوا حتى يأمر، ومعلوم قطعًا أن من قدم عقله أو عقل غيره على ما جاء به، فهو أعصى الناس لهذا النبي - ﷺ -، وأشدهم تقدمًا بين يديه، وإذا كان سبحانه قد نهاهم أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته، فكيف برفع معقولاتهم فوق كلامه، وما جاء به؟ ومن المعلوم قطعًا أنه لم يكن يفعل هذا في عهده إلا الكفار والمنافقون، فهم الذين حكى الله سبحانه عنهم معارضة ما جاء به بعقولهم وآرائهم، وصارت تلك المعارضة ميراثًا في أشباههم، كما حكى الله عن المشركين معارضة شرعه وأمره، بقضائه وقدره.
الوجه الثاني والستون: أن معارضة الوحي بالعقل ميراث عن الشيخ أبي مرة (١)، فهو أول من عارض السمع بالعقل وقدمه عليه، فإن الله سبحانه لما أمره بالسجود لآدم عارض أمره بقياس عقلي مركب من مقدمتين حمليتين:
إحداهما: قوله: (أنا خيرٌ منه) فهذه هي الصغرى، والكبرى محذوفة، تقديرها و«الفاضل لا يسجد للمفضول»، وذكر مستند المقدمة الأولى وهو أيضًا قياس حملي حذف إحدى مقدمتيه فقال: (خلقتني من نار وخلقته من طين) .
والمقدمة الثانية كأنها معلومة، أي: ومن خلق من نار أفضل ممن خلق من طين، فهما قياسان متداخلان، وهذه يسميها المنطقيون الأقيسة المتداخلة، فالقياس الأول هكذا: أنا خير منه، وخير المخلوقين لا يسجد لمن هو دونه، وهذا من الشكل الأول.
_________________
(١) هو الشيطان! .
[ ٥ / ٤٩ ]
والقياس الثاني هكذا: خلقتني من نار وخلقته من طين والمخلوق من النار خير من المخلوق من الطين فنتيجة هذا القياس العقلي: أنا خير منه، ونتيجة الأول ولا ينبغي لي أن أسجد له.
وأنت إذا تأملت مادة هذا القياس وصورته رأيته أقوى من كثير من قياساتهم، التي عارضوا بها الوحي، وقدموها عليه، ولكل باطل، وقد اعتذر أتباع الشيخ له بأعذار: ومنها أنه لما تعارض عنده العقل والنقل قدم العقل. ومنها أن الخطاب بصيغة الضمير في قوله اسجدوا لا عموم له، فإن الضمائر ليست من صيغ العموم. ومنها: أنه وإن كان اللفظ عامًا، فإنه خصه بالقياس المذكور، ومنها أنه لم يعتقد أن الأمر للوجوب، بل حمله على الاستحباب، لأنه المتيقن، أو على الرجحان دفعًا للاشتراك والمجاز. ومنها: أنه حمله على التراخي، ولم يحمله على الفور، ومنها: أنه صان جناب الرب أن يسجد لغيره، ورأى أنه لا يليق به السجود لسواه، فبالله تأمل هذه التأويلات، التي يذكرها كثير من الناس،
[ ٥ / ٥٠ ]
والمعارضات التي عارض بها النصوص، وفي بني آدم من يصوب رأي إبليس وقياسه، ويقول الصواب معه، ولهم في ذلك تصانيف وكان بشار بن برد الأعمى الشاعر على هذا المذهب، يقول في قصيدته الرائية:
الأرض مظلمة سوداء مقتمة والنار معبودة مذ كانت النار
ولما علم الشيخ أنه قد أصيب من معارضة الوحي بالعقل، وعلم أنه لا شيء أبلغ في مناقضة الوحي والشرع، وإبطاله من معارضته بالعقول، أوحى إلى تلامذته وإخوانه من الشبهات الخيالية ما يعارض به الوحي، وأوهم أصحابه وتلاميذه أنها قواطع عقلية، وقال: إن قدمتم الوحي عليها فسدت عقولكم،
قال تعالى: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) .
ومن المعلوم أن وحيهم إنما هو شبه عقلية، وقال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون. ولتصغى إليه أفئدة الذي لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون. أفغير الله أبتغي حكمًا وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلًا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين. وتمت كلمت ربك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم. وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرضون. إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) .
[ ٦ / ١ ]
الوجه الثالث والستون: أن العقل الذي عارض به هؤلاء السمع هو النفي، والذي دل عليه السمع هو الإثبات، على عرشه، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، ومجيئه وإتيانه، وإثبات وجهه الأعلى، ويديه اللتين كلتاهما يمين وغير ذلك، والعقل عندهم دل على نفي ذلك كله، فالمعارضة التي ادعوها هي معارضة بين النفي والإثبات، فالرسل جاءوا بالإثبات المفصل للأسماء والصفات والأفعال، فجاء أرباب هذا العقل بالنفي المفصل لها، وادعوا التعارض بين دليل هذا الإثبات ودليل النفي، ثم قدموا دليل النفي.
فيقال الكلام معكم في مقامين:
أحدهما: أن العقل لم يدل على ثبوتها.
والثاني: أنه دل على انتفائها، فإن أردتم بدلالة العقل المقام الأول، فنفيها خطأ؛ فإنه لو نفي كل ما لم يدل عليه عقل أو حس نفيت أكثر الموجودات التي لا ندركها بعقولنا ولا حواسنا، وهذا هو حاصل ما عند القوم عند التحقيق، ومن تدبر أدلتهم حق التدبر، علم أنه ليس فيها دليل واحد يدل على النفي، ومعلوم أن الشيء لا ينفى لانتفاء دليل يدل عليه، وإن انتفى العلم به، فنفي العلم لا يستلزم نفي المعلوم، فكيف والعقل الصريح قد دل على ثبوتها.
[ ٦ / ٢ ]
وإن أردتم الثاني، وهو: أن العقل دل على انتفائها، فيقال: العقل إنما يدل على نفي الشيء إذا علم ثبوت نقيضه. فيعلم حينئذ أن النقيض الآخر منتف، فأين في العقل المقطوع بحكمه، أو المظنون ما يدل على نقيض ما أخبرت به الرسل، بوجه من وجوه الأدلة الصحيحة؟ فالمسلمون يقولون: قد دل العقل والوحي معًا على إثبات علم الرب تعالى آمرًا ناهيًا، وعلى كونه فوق العالم كله وعلى كونه يفعل بقدرته ومشيئته وعلى أنه يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويحب ويبغض، فقد شهد بذلك العقل والنقل، أما النقل فلا يمكنكم المكابرة فيه، وأما العقل فلأن ذات الرب أكمل من كل ذات على الإطلاق، بل ليس الكمال المطلق التام من كل وجه إلا له وحده، فيستحيل وصفه بما يضاد كماله، وكل ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله فهو صفة كمال ثبوتها له أكمل من نفيها عنه، وقد اتفقت الأمم على أن الله سبحانه موصوف بالكمال، منزه عن أضداده.
الوجه الرابع والستون: أن كل من عارض بين الوحي والعقل ورد نصوص الكتاب والسنة بالرأي الذي يسميه عقلًا لابد أن ينقض تلك النصوص المخالفة لعقله ويعاديها، ويود أنها لم تكن جاءت، وإذا سمعها وجد لها على قلبه من الثقل والكراهة بحسب حاله، واشمأز لها قلبه، والله يعلم ذلك من قلوبهم وهم يعلمونه أيضًا، حتى حمل جهمًا الإنكار والبغض لقوله: (الرحمن على العرش استوى) على أن قال: لو أمكنني كشطها من المصحف كشطتها وحمل آخر بغض قوله: (وكلم اللهُ موسى تكليمًا) على أن حرّفها وقرأها بالنصب وكلم اللهَ موسى تكليمًا أي أن موسى هو الذي كلم الله وخاطبه والله لم يكلمه، فقال له أبو عمرو ابن العلاء فكيف تصنع بقوله: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) فبهت المعطل.
[ ٦ / ٣ ]
الوجه الخامس والستون: وهو قوله تعالى: (أفغير الله أبتغي حكمًا وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلًا) . وهذا يبين أن الحكم بين الناس هو الله ﷿ وحده، بما أنزله من الكتاب المفصل كما قال في الآية الأخرى: (وما اختلفتم فيه من شيءٍ فحكمه إلى الله) . وقال تعالى: (كان الناس أمةً واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) وقال تعالى: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) . وقال: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) .
الوجه السادس والستون: أنه سبحانه أخبر أن كل حكم خالف حكمه الذي أنزله على رسوله فهو من أحكام الهوى، لا من أحكام العقل، وهو من أحكام الجاهلية، لا من حكم العلم والهدى، فقال تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم وأحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرًا من الناس لفاسقون. أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقومٍ يوقنون) .
فأخبر ﷾: أنه ليس وراء ما أنزله إلا اتباع الهوى، الذي يضل عن سبيله وليس وراء حكمه إلا حكم الجاهلية، وكل هذه الآراء والمعقولات المخالفة لما جاء به الرسول، هي من قضايا الهوى وأحكام الجاهلية، وإن سماها أربابها بالقواطع العقلية، والبراهين اليقينية، كتسمية المشركين أوثانهم وأصنامهم آلهة، وتسمية المنافقين السعي في الأرض بالفساد وصد القلوب عن الإيمان إصلاحًا وإحسانًا وتوفيقًا.
الوجه السابع والستون: أن هؤلاء المعارضين لنصوص الوحي بعقولهم ليس عندهم علم، ولا هدى، ولا كتاب مبين، فمعارضتهم باطلة، وهم فيها أتباع كل (شيطانٍ مريد. كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير) .
[ ٦ / ٤ ]
فهذا حال كل من عارض آيات الله بمعقوله، ليس عنده إلا الجهل والضلال، ورتب سبحانه هذه الأمور الثلاثة أحسن ترتيب فبدأ بالأعم وهو العلم، وأخبر أنه لا علم عند المعارض لآياته بعقله، ثم انتقل منه إلى ما هو أخص، وهو الهدى، ثم انتقل إلى ما هو أخص، وهو الكتاب المبين، فإن العلم أعم مما يدرك بالعقل والسمع والفطرة، وأخص منه الهدى الذي لا يدرك إلا من جهة الرسل، وأخص منه الكتاب الذي أنزله الله على رسوله، فإن الهدى قد يكون كتابًا، وقد يكون سنة وهذه الثلاثة منتفية عن هؤلاء قطعًا، أما الكتاب والهدى المأخوذ عن الرسل، فقد قالوا: إنه لا يفيد علمًا ولا يقينًا، والمعقول يعارضه، فقد أقروا أنهم ليس معهم كتاب ولا سنة، وبقي العلم فهم يدعونه، والله تعالى قد نفاه عنهم، وقد قام البرهان والدليل العقلي المستلزم لمدلوله، على صدق الرب في خبره، فعلم أن هذا الذي عارضوا به الوحي، ليس بعلم، إذ لو كان علمًا لبطل دليل العقل الدال على صدق الرب تعالى في خبره، فهذا يكفي في العلم بفساد كون ما عارضوا به علمًا، فكيف وقد قام الدليل العقلي الصحيح المقدمات على فساد تلك المعارضة، وأنها تخص الجهل المركب؟ فكيف وقد اتفق على فساد تلك المعارضة العقل والنقل؟ ونحن نطالب هؤلاء المعارضين بواحدة من ثلاث: إما كتاب منزل، أو أثارة من علم يؤثر عن نبي من الأنبياء، أو معقول صحيح المقدمات، وقد اتفق العقلاء على صحة مقدماته.
وهم يعلمون والله شهيد عليهم، بأنهم عاجزون عن هذا وهذا، أفنترك ما علمناه من كتاب ربنا، وسنة نبينا، وما نزل به جبريل من رب العالمين، على قلب رسوله الأمين، بلسان عربي مبين، لوحي الشياطين، وشبه الملحدين، وتأويلات المعطلين؟
[ ٦ / ٥ ]
الوجه الثامن والستون: أن هذه المعقولات التي عارضوا بها الوحي لها معقولات تعارضها هي أقوى منها ومقدماتها أصح من مقدماتها فيجب تقديمها عليها. لو قدر تعارضهما، ولا يمكن هؤلاء أن يدفعوا كون النصوص من جانب هذه المعقولات، وحينئذ فمعقول تشهد له النصوص أولى بالصحة والقبول من معقول تدفعه النصوص، فنحن ندفع معقولاتهم بهذه المعقولات تارة وبالنصوص تارة وبهما تارة، ولا يمكنهم القدح في هذه المعقولات إلا بمقدمات يردها النص وهذا العقل، فكيف ترد هذه المعقولات والنصوص بتلك، وهذا قاطع لمن تدبره؟
الوجه التاسع والستون: أن يقال لمن جوّز مجيء الرسول بما يخالف صريح العقل ما تقول إذا سمعت كلامه قبل أن تعلم هل في العقل ما يخالفه أم لا؟ هل تبادر إلى رده وإنكاره؟ أم إلى قبوله واعتقاده؟ أم تتوقف فيه ولا تصدقه ولا تكذبه ولا تقبله ولا ترده؟ أم تعلق تصديقه والإقرار به على الشرط، وتقول أنا أعتقد موجبه إن لم يكن في العقل ما يرده؟ فلابد لك من واحد من هذه الأمور الأربعة، فالأول والثالث والرابع مناقض للإيمان بالرسول مناقضة صريحة والثاني لا سبيل لك إليه، لأنك قد جوزت أن يكون في صريح العقل ما يناقض ما أخبر به، فكيف تجزم مع ذلك بصحته، فالقسم الإيماني قد سددت طريقه على نفسك والأقسام الثلاثة مستلزمة لعدم الإيمان، وهذا إنما ينشأ من تجويز أن يكون في العقل الصريح ما يناقض ما أخبر به.
[ ٦ / ٦ ]
الوجه السبعون: أن كل من لم يقر بما جاء به الرسول إلا بعد أن يقوم على صحته عنده دليل منفصل من عقل، أو كشف، أو منام، أو إلهام، لم يكن مؤمنًا به قطعًا، وكان من جنس الذين قال الله فيهم: (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتى رسل الله) بل قد يكون هؤلاء خيرًا منهم من وجه، فإنهم علقوا الإيمان بأن يؤتوا سمعًا مثل ما أوتيه الرسل، وهؤلاء علقوا الإيمان على قيام دليل عقلي على صحة ما أخبروا به، وإذا كان من فعل هذا ليس بمؤمن بالرسل فكيف من عارض ما جاءوا به بمعقوله ثم قدمه عليه؟!
الوجه الحادي السبعون: أن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم جعلوا كلام الله ورسوله من الطرق الضعيفة المزيفة التي لا يتمسك فيها في العلم واليقين، ولعلك تقول: إنا حكينا ذلك عنهم بلازم قولهم، فاسمع حكاية ألفاظهم، قال الرازي في نهايته: في تزييف الطرق الضعيفة وهي أربع، فذكر نفي الشيء لانتفاء دليله، وذكر القياس، وذكر الإلزامات، ثم قال: «والرابع هو التمسك بالسمعيات» .
وهذا تصريح بأن التمسك بكلام الله ورسوله من الطرق الضعيفة المزيفة، وأخذ في تقرير ذلك، فقال: «المطالب على أقسام ثلاثة: منها: ما يستحيل حصول العلم بها بواسطة السمع. ومنها ما يستحيل حصول العلم بها إلا من السمع. ومنها ما يصح حصول العلم بها من السمع تارة ومن العقل أخرى.
قال: «أما القسم الأول فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته، استحال تصحيحه بالسمع مثل العلم بوجود الصانع، وكونه مختارًا وعالمًا بكل المعلومات.. وصدق الرسول» .
قال: «وأما القسم الثاني: فهو ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر إذا لم يجده الإنسان من نفسه، ولم يدركه بشيء من حواسه، فإنّ جلوس غراب على قلة جبل قاف، إذا كان جائز الوجود والعدم مطلقًا، وليس هناك ما يقتضي وجوب أحد طرفيه أصلًا، وهو غائب عن الحس والنفس، استحال العلم بوجوده إلا من قول الصادق.
[ ٦ / ٧ ]
وأما القسم الثالث: وهو معرفة وجوب الواجبات أو إمكان الممكنات أو استحالة المستحيلات التي لا يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بوجوبها وإمكانها واستحالتها، مثل: مسألة الرؤية، والصفات، الوحدانية وغيرها» ثم عدد أمثلة.
ثم قال: «إذا عرفت ذلك فنقول: أما أن الأدلة السمعية لا يجوز استعمالها في الأصول في القسم الأول، فهو ظاهر وإلا وقع الدور، وأما أنه يجب استعمالها في القسم الثاني، فهو ظاهر كما سلف.
وأما القسم الثالث ففي جواز استعمال الأدلة السمعية فيه إشكال، وذلك لأنا لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما أشعر به ظاهر الدليل السمعي، فلا خلاف بين أهل التحقيق بأنه يجب تأويل الدليل السمعي، لأنه إذا لم يكن الجمع بين ظاهر النقل، وبين مقتضى الدليل العقلي، فإما أن نكذب بالعقل، وإما أن يأول النقل، فإن كذبنا العقل مع أن النقل لا يمكن إثباته إلا بالعقل، فإن الطريق إلى إثبات الصانع ومعرفة النبوة ليس إلا بالعقل، فحينئذ تكون صحة النقل متفرعة على ما يجوز فساده وبطلانه، فإذًا لا يكون العقل مقطوع الصحة، فإذًا تصحيح النقل برد العقل يتضمن القدح في النقل وما أدى ثبوته إلى انتفائه كان باطلًا وتعين تأويل النقل.
فإذًا الدليل السمعي لا يفيد اليقين بوجود مدلوله إلا بشرط أن لا يوجد دليل عقلي على خلاف ظاهره فحينئذٍ لا يكون الدليل النقلي مفيدًا للمطلوب إلا إذا أثبتنا أنه ليس في العقل ما يقتضي خلاف ظاهره، ولا طريق لنا إلى إثبات ذلك إلا من وجهين، إما أن نقيم دلالة عقلية على صحة ما أشعر به ظاهر الدليل النقلي، وحينئذٍ يصير الاستدلال بالنقل فضلًا غير محتاج إليه.
[ ٦ / ٨ ]
وإما بأن نزيف أدلة المنكرين لما دل عليه ظاهر النقل، وذلك ضعيف لما بينا من أنه لا يلزم من فساد ما ذكروه أن لا يكون هناك معارض أصلًا، إلا أن نقول: إنه لا دليل على هذه المعارضات، فوجب نفيه، ولو كنا زيفنا هذه الطريقة يعني انتفاء الشيء لانتفاء دليله أو نقيم دلالة قاطعة على أن المقدمة الفلانية غير معارضة لهذا النص ولا المقدمة الأخرى، وحينئذ نحتاج إلى إقامة الدليل على أن كل واحدة من هذه المقدمات التي لا نهاية لها غير معارضة لهذا الظاهر.
فثبت أنه لا يمكن حصول اليقين لعدم ما يقتضي خلاف الدليل النقلي، وثبت أن الدليل النقلي تتوقف إفادته لليقين على ذلك، فإذًا الدليل النقلي تتوقف إفادته اليقين على مقدمة غير يقينية، وهي عدم دليل عقلي، وكل ما يبتنى صحته على ما لا يكون يقينًا لا يكون هو أيضًا يقينًا، فثبت أن ذلك الدليل النقلي من هذا القسم لا يكون مفيدًا لليقين»
قال: «وهذا بخلاف الأدلة العقلية، فإنها مركبة من مقدمات لا يكتفى فيها بأن لا يعلم بالبديهة لزومها مما علم صحته بالبديهة، ومتى كان كذلك استحال أن يوجد ما يعارضه لاستحالة التعارض في العلوم البديهية» .
ثم قال «فإن قيل: إن الله سبحانه لما أسمع المكلف الكلام الذي يشعر ظاهره بشيء فلو كان في العقل ما يدل على بطلان ذلك الشيء وجب عليه سبحانه أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل وإلا كان ذلك تلبيسًا من الله تعالى وإنه غير جائز.
[ ٦ / ٩ ]
قلنا: هذا بناء على قاعدة الحسن والقبح، وأنه يجب على الله سبحانه شيء ونحن لا نقول بذلك ثم إن سلمنا ذلك، فلم قلتم: إنه يجب على الله أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل العقلي؟، وبيانه، أن الله تعالى إنما يكون ملبسًا على المكلف لو أسمعه كلامًا يمتنع عقلًا أن يريد به إلا ما أشعر به ظاهره، وليس الأمر كذلك، لأن المكلف إذا سمع ذلك الظاهر فبتقدير أن يكون الأمر كذلك لم يكن مراد الله من ذلك الكلام ما أشعر به الظاهر، فعلى هذا إذا أسمع الله تعالى المكلف ذلك الكلام، فلو قطع المكلف بحمله على ظاهره مع قيام الاحتمال الذي ذكرنا كان ذلك التقدير تقصيرًا واقعًا من المكلف لا من قبل الله تعالى حيث قطع لا في موضوع القطع، فثبت أنه لا يلزم من عدم إخطار الله تعالى ببال المكلف ذلك الدليل العقلي المعارض للدليل السمعي أن يكون ملبسًا» .
قال: «فخرج مما ذكرنا أن الأدلة النقلية لا يجوز التمسك بها في باب المسائل العقلية.. نعم يجوز التمسك بها في المسائل النقلية تارة لإفادة اليقين كما في مسألة الإجماع وخبر الواحد، وتارة لإفادة الظن كما في الأحكام الشرعية» انتهى.
[ ٦ / ١٠ ]
فليتدبر المؤمن هذا الكلام وليرد أوله على آخره وآخره على أوله، ليتبين له ما ذكرنا عنهم من العزل التام للقرآن والسنة عن أن يستفاد منهما علم أو يقين في باب معرفة الله، وما يجب له، وما يمتنع عليه، وأنه لا يجوز أن يحتج بكلام الله ورسوله في شيء من هذه المسائل وأن الله تعالى يجوز عليه التلبيس والتدليس على الخلق وتوريطهم في طرق الضلال وتعريضهم لاعتقاد الباطل والمحال، وأن العباد مقصرون غاية التقصير إذا حملوا كلام الله ورسوله على حقيقته، وقطعوا بمضمون ما أخبر به حيث لم يشكوا في ذلك، إذ قد يكون في العقل ما يعارضه ويناقضه، فإن غاية ما يمكن أن يحج بكلام الله ورسوله عليه من الجزئيات ما كان مثل الإخبار بأن على قلة جبل قاف غرابًا صنعته كيت وكيت، أو على مسألة الإجماع وخبر الواحد، وأن مقدمات أدلة القرآن والسنة غير معلومة ولا متيقنة الصحة، ومقدمات أدلة أرسطو صاحب المنطق والفارابي وابن سينا وإخوانهم قطعية معلومة الصحة، وأنه لا طريق لنا إلى العلم بصحة الأدلة السمعية في باب الإيمان بالله وأسمائه وصفاته البتة لتوقفها على انتفاء ما لا طريق لنا إلى العلم بانتفائه وأن الاستدلال بكلام الله ورسوله في ذلك فَضْلة لا يحتاج إليها، بل هو مستغنىً عنه إذا كان موافقًا للعقل.
فتأمل هذا البنيان الذي بنوه، والأصل الذي أصلوه، هل في قواعد الإلحاد أعظم هدمًا منه لقواعد الدين، وأشد مناقضة منه لوحي رب العالمين؟! وبطلان هذا الأصل معلوم بالاضطرار من دين جميع الرسل وعند جميع أهل الملل.
الوجه الثاني والسبعون: أن الدين تصديق الرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وكل منهما نوعان: مطلق ومقيد.
[ ٦ / ١١ ]
فالمقيد مثل أن يقول: لا أصدقه إلا فيما علمت صحته بعقلي، أو فيما يخالف عقلي، أو وافقه فيه شيخي وإمامي وأصحاب مذهبي، والمقيد من طاعة الأمر أن يطيعه فيما وافق حظه وهواه، فإن جاء أمره بخلاف ذلك قدم حظه وهواه عليه، فهذا غير مطيع للرسول في الحقيقة، بل هو متبع لهواه، كما أن ذاك غير مصدق له في الحقيقة، بل إن وافق قوله عقله أو قول شيخه وإمامه ومتبوعه قبله، لا لكونه قاله، كما أن مطيعه فيما وافق هواه، إنما هو متبع لما يحبه ويهواه، فإن جاء الأمر بما يهواه فعله، وإلا لم يفعله، وهذا حال أكثر الناس، وأحسن أحوال هؤلاء أن يكونوا من الذين قال الله فيهم: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئًا إن الله غفور رحيم) . ثم ذكر وصف أهل الإيمان فقال: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) . فالتصديق والطاعة لا يكون إيمانًا حتى يكون مطلقًا، فإذا تقيد فأعلى أحواله –إن سلم من الشك- أن يكون إسلامًا ويكون صاحبه من عوام المسلمين لا من خواص المؤمنين.
[ ٦ / ١٢ ]