قال الشيخ محمد قطب: «العقلانية - بمعنى التفسير العقلاني لكل شيء في الوجود، أو تمرير كل شيء في الوجود من قناة العقل لإثباته أو نفيه أو تحديد خصائصه- مذهب قديم في البشرية، يبرز أشد ما يبرز في الفلسفة الإغريقية القديمة، ويمثله أشد ما يمثله سقراط وأرسطو.
ولقد ظلت الاتجاهات الفلسفية الإغريقية - التي تمثل العقلانية قسمًا بارزًا منها - تسيطر على الفكر الأوروبي، حتى جاءت المسيحية الكنسية فغيرت مجرى ذلك الفكر في انعطافه حادة تكاد تكون مضادة لمجراه الأول الذي استغرق من تاريخ الفكر الأوروبي عدة قرون. فلم يعد العقل هو المرجع في قضايا الوجود إنما صار هو الوحي - كما تقدمه الكنيسة - وانحصرت مهمة العقل في خدمة ذلك الوحي في صورته الكنسية تلك ومحاولة تقديمه في ثوب «معقول» !.
يقول الدكتور محمد البهي في كتابه «الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي»: «كان الدين أو النص طوال القرون الوسطى سائدًا في توجيه الإنسان في سلوكه وتنظيم جماعته، وفي فهمه للطبيعة. وكان يقصد بالدين «المسيحية» وكان يراد من المسيحية (الكثلكة» وكانت الكثلكة تعبر عن «البابوية» والبابوية نظام كنسي ركز «السلطة العليا» باسم الله في يد البابا، وقصر حق تفسير «الكتاب المقدس» على البابا وأعضاء مجلسه من الطبقة الروحية الكبرى، وسوى في الاعتبار بين نص الكتاب المقدس وإفهام الكنيسة الكاثوليكية» (١) .
_________________
(١) ص ٢٧٩ من الطبعة الثامنة.
[ ٤١ ]
وقد نشأت عن ذلك في الحياة الأوربية والفكر الأوروبي مجموعة من الاختلالات التي لم تنشأ – كما تصور الفكر الأوروبي في مبدأ عصر النهضة- من إهمال الفلسفة والعلوم الإغريقية والالتجاء إلى الفكر «الديني» . فلم يكن «الفكر الديني» من حيث المبدأ، ولا إخضاع العقل للوحي هو مصدر الخلل في فكر العصور الوسطى في أوروبا، إنما كان الخلل كامنًا في ذلك الفكر الذي قدمته الكنيسة باسم الدين، وفي إخضاع العقل لما زعمت الكنيسة أنه الوحي، بعد تحريفها ما حرفت منه، وإضافتها ما أضافت إليه، ومزج ذلك كله بعضه إلى بعض وتقديمه باسم الوحي.
والفلسفة الإغريقية التي ظنت أوروبا في عصر النهضة أن ضلالها في العصور الوسطى كان بسبب إهمالها، وأن العلاج هو الرجوع إليها والاستمداد منها، لم تكن هي في ذاتها بريئة من الخلل ولا سليمة من العيوب، ولا كانت في صورتها التي قدمها فلاسفة الإغريق القدامى زادًا صالحًا لحياة إنسانية مستقيمة راشدة، على الرغم من كل ما احتوته من إبداع فكري في بعض جوانبها.. وإنما ظل الفكر الأوروبي في الحقيقة ينتقل من جاهلية إلى جاهلية حتى عصره الحاضر. فمن الجاهلية الإغريقية والرومانية، إلى جاهلية الدين الكنسي المحرف في العصور الوسطى، إلى جاهلية عصر الإحياء، إلى جاهلية عصر «التنوير» إلى جاهلية الفلسفة الوضعية.. إلى الجاهلية المعاصرة.
[ ٤٢ ]
كانت العقلانية الإغريقية لونًا من عبادة العقل وتأليهه، وإعطائه حجمًا مزيفًا أكبر بكثير من حقيقته، كما كانت في الوقت نفسه لونًا من تحويل الوجود كله إلى «قضايا» تجريدية مهما يكن من صفائها وتبلورها فهي بلا شك شيء مختلف عن الوجود ذاته، بحركته الموارة الدائمة، بمقدار ما يختلف «القانون» الذي يفسر الحركة عن الحركة ذاتها، وبمقدار ما تختلف البلورة عن السائل الذي نتجت عنه.. قضايا تعالج معالجة كاملة في الذهن بصرف النظر عن وجودها الواقعي! وبصرف النظر عن كون وجودها الواقعي يقبل ذلك التفسير العقلاني في الواقع أو لا يقبله، ويتمشى معه أو يخالفه!.
وكان أشد ما يبدو فيه هذا الانحراف معالجة تلك الفلسفة «لقضية» الألوهية و«قضية» الكون المادي وما بينهما من علاقة. ويتشعب هذا الانحراف شعبًا كثيرة في وقت واحد.
فأول انحراف هو محاولة إقحام العقل فيما ليس من شأنه أن يلم به فضلًا عن أن يحيط بكنهه في قضية الذات الإلهية.
والانحراف الثاني هو تحويل الموضوع كله إلى قضايا فلسفية ذهنية بحتة، تبدأ في العقل وتنتهي في العقل، ويثبت ما يثبت منها وينفى ما ينفى بالعقل، فلا تمس الوجدان البشري، ولا تؤثر في سلوك الإنسان العملي، فتفقد قيمتها وأما الانحراف الثالث الناشئ من التناول العقلاني لقضية الألوهية، وعدم الرجوع فيها إلى المصدر اليقيني الأوحد وهو الوحي الرباني، فهو تخبط الفلاسفة فيما بينهم وتعارض ما يقوله كل واحد منهم مع ما يقوله الآخر.
[ ٤٣ ]
ولا عجب في ذلك، فما دام «العقل» هو الحكم في هذه القضية، فعقل من؟! إن العقل المطلق أو العقل المثالي تجريد لا وجود له في عالم الواقع! إنما الموجود في الواقع هو عقل هذا المفكر وذاك المفكر. ولكل منهم طريقته الخاصة في «تعقل» الأمور، ولكل منهم «نوازعه» الخاصة التي يحسبها بعيدة عن التأثير في عقله وهو واهم في حسابه، ولكل منهم اهتماماته الخاصة التي تجعله يركز على أمور ويغفل غيرها من الأمور
ومن ثم لا تصبح تلك الفلسفة في هذه القضية بالذات أداة هداية وإنما أداة تشتيت وأداة تضليل.
من هذه الجاهلية انتقل الفكر الأوروبي إلى عصر «سيادة الدين» .
وكان المفروض أن يخرج ذلك الفكر إذن من الجاهلية إلى النور. ولكنه في الحقيقة دخل إلى ظلمات حالكة ليس فيها حتى ذلك «البريق» الذي تميزت به الفلسفة الإغريقية في كثير من المواضع بصرف النظر عن القيمة الحقيقية لذلك البريق، وعن كونه بريقًا هاديًا أم مضللًا عن الطريق! .
كان المفروض وقد التزم العقل بالوحي، واستمد منه اليقين والهدى- في المسائل التي لا يهتدي فيها وحده ولا يستيقن فيها بمفرده- أن ينطلق الفكر في ميادينه الأصيلة يبدع وينتج، ويمد «الإنسان» بما يحتاج إليه في شؤون «الخلافة» وعمارة الأرض.
ولكن الكنيسة الأوروبية أفسدت ذلك كله بما أدخلته من التحريف على الوحي الرباني المنزل من السماء لهداية البشرية على الأرض، وتخبطت في قضية الألوهية تخطبًا من نوع جديد، حين قالت إن الله ثلاثة أقانيم، وإن المسيح ابن مريم ﵇ واحد من هذه الأقانيم الثلاثة، وإنه ابن الله وفي الوقت ذاته إله، وشريك لله في تدبير شؤون الكون.
وفضلًا عن ذلك – أو ربما بسبب ذلك – حُجِرَ على العقل البشري أن يعمل وأن يفكر.
[ ٤٤ ]
فإن هذه الألغاز التي ابتدعتها المجامع المقدسة في شأن الألوهية لم تكن «معقولة» ولا مستساغة. فما يمكن للعقل البشري أن يتصور ثلاثة أشياء هي ثلاثة وهي واحد في ذات الوقت. وما يمكن أن يتصور أن الله ﷾ ظل متفردًا بالألوهية وتدبير شأن هذا الكون ما لا يحصى من الزمان، ثم إذا هو –فجأة- يوجد كائنًا آخر ليكون شريكًا له في الألوهية ومعينًا له في تدبير الكون!! تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
ومن أجل كون هذا العبث «المقدس!» الذي ابتدعته المجامع «المقدسة!» غير معقول ولا مستساغ فقد سخرت الكنيسة «العقل» في محاولة إخراج هذا المزيج المتنافر المتناقض في صورة «فلسفية» مستساغة (أو هم قالوا عنها إنها مستساغة!) وفي الوقت ذاته حجرت على العقل أن يناقشها، لئلا تجر المناقشة إلى القول بأنها غير معقولة على الرغم من كل الصناعة «العقلية» وضعت فيها!.
ومن ثم نشأت في الفكر الأوروبي تلك «المسلمات» أو العقائد المفروضة فرضًا التي لا يجوز مناقشتها لا لأنها – في حقيقتها – من الأمور التي ينبغي للعقل أن يسلم بها دون مناقشة، ولكن لأنها مناقضة للعقل، ومفروضة عليه فرضًا من قبل رجال الدين، الذين زعموا لأنفسهم حق صياغة العقائد وفرضها على الناس بالقوة دون أن يكون لهم حق المناقشة أو الاعتراض وإلا كانوا مهرطقين مارقين. يجوز فيهم كل شيء حتى إهدار الدم وإزهاق الأرواح – كما مر بنا من شأن محاكم التفتيش التي قال عنها «ويلز» في كتابه «معالم تاريخ الإنسانية (ص ٩٠٢-٩٠٣ من الترجمة العربية) .
[ ٤٥ ]
«فأصبح قساوستها وأساقفتها على التدريج رجالًا مكيفين وفق مذاهب واعتقاديات حتمية وإجراءات مكررة وثابتة.. ونظرًا لأن كثيرًا منهم كانوا على الأرجح يسرون الريبة في سلامة بنيان مبادئهم الضخم المحكم وصحته المطلقة لم يسمحوا بأية مناقشة فيه. كانوا لا يحتملون أسئلة ولا يتسامحون في مخالفة، لا لأنهم على ثقة من عقيدتهم، بل لأنهم كانوا غير واثقين فيها.
«وقد تجلى في الكنيسة عندما وافى القرن الثالث عشر ما يساورها من قلق قاتل حول الشكوك الشديدة التي تنخر بناء مدعياتها بأكمله، وقد تجعله أثرًا بعد عين. فلم تكن تستشعر أي اطمئنان نفسي، وكانت تتصيد الهراطقة في كل مكان كما تبحث العجائز الخائفات –فيما يقال- عن اللصوص تحت الأسرة وفي الدواليب قبل الهجوع في فراشهن» .
ومن الأدلة التاريخية التي تثبت أن النصارى – على الرغم من تشبثهم الشديد بمقررات المجامع المقدسة بشأن قضية الألوهية – لم يكونوا يؤمنون بها في دخيلة أنفسهم إلى درجة اليقين، ما حدث من وفد نصارى نجران مع الرسول - ﷺ - حين دعاهم – بأمر ربه – إلى المباهلة:
(قل: تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) .
فقد امتنعوا عن المباهلة وانصرفوا رغم جدالهم الشديد مع رسول الله - ﷺ - حول نبوة عيسى لله وألوهيته مع الله.. ولو كانوا على يقين حاسم ما امتنعوا!
وأيًا كان الأمر فقد استخدمت الكنيسة كل طغيانها الروحي للحجر على العقل.. وصنعت ذلك باسم «الدين» !.
والدين الصحيح ليس في حاجة إلى شيء من ذلك الذي صنعته الكنيسة.. حقيقة إن في الدين الصحيح «مسلمات» لا تناقش، تعتبر من أصول الإيمان كما
[ ٤٦ ]
جاء في حديث جبريل ﵇: «قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» . (١)
وبعض هذه الأمور ليس للعقل سبيل إليها من ذات نفسه، إنما يتعرف عليها عن طريق الوحي، ويسلم بها تسليمًا، كالإيمان بالملائكة واليوم الآخر وما يشتمل عليه من بعث ونشور وحساب وجزاء وجنة ونار.. وكان هذا كله ورادًا في «مسلمات» الدين الكنسي، ولا اعتراض عليه.
ولكن هناك فارقًا أساسيًا بين «مسلمات» الدين الصحيح والمسلمات الكنسية الأخرى التي كانت تجبر الناس عليها إجبارًا وتمنعهم من مناقشتها في أمر صحتها، وتتهمهم بالمروق عن الدين إن خالفوها أو هموا مجرد هم بمناقشتها!.
_________________
(١) رواه مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ (نووي ١/١٥٧) .
[ ٢ / ١ ]
فالمدخل إلى هذه المسلمات في الدين الصحيح هو الإيمان بالله والتعرف على صفاته التي لا يشاركه فيها أحد، وفي مقدمتها أنه هو الخالق وأنه على كل شيء قدير، والإيمان بالرسول المرسل - ﷺ - وصدقه وأمانته (١)، والإيمان بأن ما يخبر به عن ربه وحي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وكل هذه يدعى العقل دعوة صريحة إلى التفكير فيها، والتأكد منها قبل الإيمان بها، وخذ مثالًا على ذلك ما جاء في كتاب الله من خطاب للقوم المدعوين للإسلام: (أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ أفلا تذكرون؟) (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات. إيتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين) (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه. بل الظالمون في ضلال مبين) (قل إنما أعظكم بواحدة. أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا. ما بصاحبكم من جنة) (لو كان فيهما آلهة إلا لفسدتا..) (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله. إذًا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض. سبحان الله عما يصفون) (أفلا يتدبرون القرآن. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا) .
فإذا آمن الإنسان – وهو مدعو للتفكر والتدبر وإعمال العقل ليؤمن- بأن الله هو الخالق وهو على كل شيء قدير، وآمن بصدق الرسول المرسل - ﷺ -، وآمن بأن ما يخبر به الرسول عن ربه وحي لا شبهة فيه، فقد أخبره الوحي بأمور لا سبيل للعقل أن يصل إليها من تلقاء نفسه لأنها ليست مما يقع في محيط رؤيته ولا تجربته، وطلب منه التسليم بها لأنها آتية من المصدر الحق الذي آمن بصدقه وصدق كل ما يجئ من عنده. وهي في الوقت نفسه لا يملك العقل دليلًا حقيقيًا ينفيها.. فوجب عليه أن يسلم بها وقد آمن بمقدماتها التي توصله إلى التسليم بها.
_________________
(١) وهو بالنسبة للنصارى المسيح عيسى ابن مريم.
[ ٢ / ٢ ]
هذا شأن المسلمات في الدين الصحيح: أمور لا يملك العقل أن يستدل عليها من تلقاء نفسه، ولا يملك في الوقت ذاته دليلًا حقيقيًا ينفيها، ثم إنه لا يدعى إلى التسليم بها قبل أن يسلم بالمقدمات التي توصل إليها عن طريق التفكر والتدبر والتأمل في ملكوت السماوات والأرض.
أما المسلمات التي فرضتها الكنيسة فرضًا وأرهبت الناس من مناقشتها فهي غير ذلك تمامًا.
فحيث يتجه العقل والتدبر والتأمل إلى الإيمان بأن الله واحد أحد، وأنه لو كان في السماوات والأرض آلهة إلا الله لفسدتا.. تقول له الكنيسة إن الله ثلاثة، ثم تزيد الأمر تعقيدًا فتقول له إن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة، ثم تمنعه من المناقشة عن طريق الإرهاب..
وحيث يتجه العقل – بوسائل تفكيره- إلى الإيمان بأن الله الذي خلق كل شيء وقدره تقديرًا هو غني عن كل شريك لأنه «بيده ملكوت كل شيء» ولأنه يقول للشيء «كن فيكون» ومن ثم فهو الجدير بالعبادة وحده.. تقول له الكنيسة إن هناك شريكًا لله هو المسيح عيسى ابن مريم ﵇، هو إله مع الله، ومعبود كذلك مع الله، ثم تمنعه من المناقشة وتتهمه بالمروق إن خالف..
وحيث يتجه العقل –بمنطقه الذاتي- إلى الإيمان بأن الله ليس في حاجة إلى اتخاذ الولد- والخلق كلهم خلقه خلقهم بمشيئته وهم عباد له- وليس من شأنه سبحانه أن يتخذ مالا حاجة له إلى اتخاذه، وهو المهيمن الذي يدبر أمر الوجود كله بمفرده، بلا كلفة عليه سبحانه ولا جهد ولا حاجة إلى معين.. تقول له الكنيسة إن لله ولدًا خلقه بمشيئته كما يخلق كل شيء بمشيئته ثم تبناه﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا- ليضعه بعد ذلك على الصليب، ويجرعه آلام الصلب، ليكفر بذلك عن خطيئة لم يرتكبها ذلك الابن إنما ارتكبها آدم وحواء قبل ذلك بزمن لا يحصيه إلا الله! ثم تفرض عليه ذلك فرضًا وتقول له هذه هي العقيدة.. ومن لم يعتقدها فقد حلت عليه لعنة السماء.
[ ٢ / ٣ ]
تلك هي المسلمات التي لا يمكن التسليم بها لأن العقل يملك كل دليل ينفيها، ولأنها لا تستند إلى شيء إلا قرارات المجامع المقدسة التي تبتدعها من عند نفسها وتزعم مجرد زعم أنها من عند الله، بينما الناس يرون رجال الدين في تلك المجامع يتناقشون وتحاورون، ويختلفون فيما بينهم أشد الاختلاف، ثم يصدرون القرار من تفكيرهم الذاتي – ولو كان وحيًا سماويًا لالتزموا به عقيدة ولم يجز لهم الاختلاف فيه- ثم يرون أسوأ من هذا أن الأقلية تصدر القرار أو تفرضه فرضًا على الأكثرية ثم تطرد الأكثرية بالقوة كما حدث في مجمع خلقدونية.. ولا تطردهم من المجمع فحسب، بل تزعم كذلك أنها تطردهم من رحمة الله! .
ومن أجل أن هذه المسلمات المزعومة لا يمكن للعقل التسليم بها فقد حظرت الكنيسة على العقل أن يفكر فيها أو يناقشها، وزعمت للناس أن التفكير فيها مناف للإيمان، وأن الموقف الصحيح للمؤمن هو التسليم بها بغير جدال، وتفويض الأمر فيها لا –لله! - بل «لقداسة» البابا ومن حوله من «كبار» رجال الدين!.
وفي ظل الإرهاب الفكري الذي مارسته الكنيسة انكمش نشاط العقل الأوروبي وانحصر في التسليم بما تمليه الكنيسة والمجامع المقدسة، ومحاولة التوفيق بينه وبين مقتضيات التفكير السليم، في مغالطات «فلسفية» هي أقرب إلى التلفيق منها إلى التوفيق!.
ومن ناحية أخرى انصرف الفكر الأوروبي عن النظر في هذا العالم وفي الحياة الدنيا بتأثير آخر من تأثيرات الدين الكنسي المحرف. فقد أوحت المسيحية المحرفة إلى الناس بأن هذه الدنيا لا سبيل إلى إصلاحها أو تقويم معوجها لأنها ناقصة بطبيعتها، وأن الطبيعة الإنسانية ناقصة كذلك، ولا سبيل إلى إصلاحها إلا بصرفها عن الاهتمام بالحياة الدنيا جملة، وصرف اهتمامها إلى اليوم الآخر وأنه بقدر ما ينصرف الإنسان عن هذا العالم والتفكير فيه –بالرهبانية- يكون أقرب إلى الصلاح، وأقرب إلى الفوز بملكوت الرب في العالم الآخر.
[ ٢ / ٤ ]
هذا اللون من التفكير صرف الفكر الأوروبي عن النظر في شئون العالم الأرضي والكون المادي في أضيق نطاق مستطاع. ففي أمور الحياة رضي الناس عامة – والمتدينون خاصة- بعيش الكفاف (١)، ولم يتطلعوا إلى زيادة الإنتاج أو تحسينه لأن ذلك يخالف روح الدين. ومن ثم لم يسعوا إلى زيادة في العلم تمكنهم من زيادة الإنتاج أو تحسينه.
كذلك لم يهتموا بزيادة معلوماتهم عن الكون المادي من حولهم من فلك أو رياضيات أو كيمياء أو فيزياء.. إلخ، لأن الأمر – في حسهم – لا يستحق الاهتمام من ناحية، ولأن المعلومات التي تقدمها المصادر «الدينية» عن هذا الكون فيها كفاية لهم من ناحية أخرى. ولم تكن تلك المعلومات تعدو أن الله خلق الأشياء على صورتها لحكمة هو يعلمها، ولغاية هو يريدها، وأن كل شيء يجري على النحو الذي أراده الله منذ الأزل بلا تغيير، وهذا في ذاته حق ولا شك، ولكنه لا يعطي التفسير التفصيلي لظواهر الكون المادي المحيط بالإنسان! ولا ما يحدث من التحول الدائم في الكون والحياة والإنسان!..
على هذا النحو الضيق المغلق المحصور كان الفكر الأوروبي فيما يسمى – هناك – بالعصور الوسطى المظلمة، التي استمرت زهاء عشرة قرون، خيم فيها على أوروبا ظلام الجهل والانحصار، في ظل الطغيان الكنسي المتعدد الألوان المتشعب الأطراف.
_________________
(١) ما عدا الإقطاعيين بطبيعة الحال! ومع ذلك فقد كانت الكنيسة تساندهم – بكل جشعهم وظلمهم- لأنها هي ذاتها كانت قد أصبحت من ذوات الإقطاع.
[ ٢ / ٥ ]
فلما بدأت أوروبا تفيق في عصر النهضة نتيجة احتكاكها بالمسلمين في الحروب الصليبية من ناحية، والاتصال السلمي بمراكز العلم والثقافة في الأندلس والشمال الأفريقي وصقلية وغيرها، كان العقل الأوروبي في حالة تشوق عنيف لاسترداد حريته في العمل، أي حرية التفكير. ولكن، كما اتسمت فترة العصور الوسطى المظلمة بالتطرف في إلغاء دور العقل والحجر على حرية الفكر، كذلك اتسمت فترة النهضة وما بعدها بالتطرف في الجانب الآخر، جانب إعمال الفكر في كل شيء، سواء كان داخلًا في مجال العقل أو غير داخل فيه، وإعماله «بحرية» لا تقبل القيد، سواء كان القيد مشروعًا أو غير مشروع!.
كان عصر «الإحياء» هو عصر العودة إلى الجاهلية الإغريقية بكل انحرافاتها.. مع زيادة انحراف جديد.. هو النفور من الدين. ومحاولة إبعاده عن كل مجال من مجالات الحياة والحقيقة أن الحياة الأوروبية في تلك الفترة تستلزم نظرة فاحصة تقف على التيارات والعوامل المختلفة التي كانت تمور في كيانها. والتي تمخضت فيما بعد عن الصورة الحالية «للحضارة» الغربية.
لقد أخذت أوربا في نهضتها شيئًا كثيرًا من الإسلام والمسلمين، ورفضت في الوقت ذاته أن تعتمد الإسلام دينًا وعقيدة ومنهج حياة.
وكان من جراء ذلك آثار بعيدة المدى في الحياة الأوربية إلى وقتنا الحاضر..
فقد صحت أوربا من غفوتها الطويلة بالاحتكاك الحربي والسلمي بالمسلمين في الشرق والغرب.
وتزعم أوربا أنها لم تأخذ عن المسلمين إلا التراث الإغريقي الذي كانت قد أضاعته في عصورها المظلمة، فوجدته محفوظًا عند المسلمين فاستردته، وأقامت نهضتها على أساسه.
وفي هذا الزعم شيء قليل من الحق وشيء كثير من المغالطة التي لم ينج منها إلا عدد قليل من كتاب أوربا المنصفين.
[ ٢ / ٦ ]
فأما أن التراث الإغريقي الذي فقدته أوربا في عصورها المظلمة كان محفوظًا عند المسلمين فيما يسمى «الفلسفة الإسلامية» وفي التراجم التي كان المسلمون قد ترجموها عن الإغريقية، وأن أوربا استردته عن طريق التعلم في مدارس المسلمين وأقامت جانبًا من نهضتها عليه.. فهذا صحيح.
ولكن هذا التراث الإغريقي، على كل اعتزاز أوربا به وتعصبها له، لم يكن صالحًا –وحده- لإقامة النهضة الأوربية، ولا أي نهضة على الإطلاق، باعتباره مجموعة من (الأفكار» التجريدية الذهنية المنقطعة عن واقع الحياة. وهو –بكل لمعانه الفكري- لم يستطع أن يلائم الحياة في بيئته الأصلية التي أنبتته، فضلًا عن أن يكون – وحدة- باعث نهضة جديدة على اتساع أوربا كلها، وعلى اتساع العالم كله في العصر الحديث!.
نعم، يوجد في هذه الأفكار قيم ومبادئ يمكن أن تكون زادًا لقوم «يرغبون» في الحياة، ويرغبون في إقامة نهضة شاملة. ولكنها –وحدها- لا تبعث فيهم هذه الرغبة ولا تلك.
إنما الرغبة في الحياة والرغبة في إقامة نهضة شاملة، كانت هي الأثر الذي أخذته أوربا من احتكاكها بالمسلمين، وملامستها للحياة الموارة في العالم الإسلامي، وللنهضة الشاملة فيه..
وليس هذا فقط.. فإن أوربا لم تغنم من احتكاكها بالمسلمين تلك الرغبة في الحياة والحركة وإقامة النهضة الشاملة فحسب، بل وجدت كذلك «مقومات» تلك النهضة بكاملها موجودة عند المسلمين، فأخذت منها كل ما وسعها أخذه، والعنصر الذي رفضت أخذه –وهو الإسلام- كان هو العنصر الوحيد القمين بترشيد تلك النهضة وإقالة أوربا من عثرتها.. ولكنها رفضت –بدافع من العصبية الصليبية – فخسرت العنصر الجوهري، وأقامت نهضة عرجاء.. هي التي يعاني منها اليوم كل سكان الأرض!.
نعم، لم تكن رغبة الحياة ورغبة النهوض وحدها هي كل ما أخذته أوربا عن المسلمين.
[ ٢ / ٧ ]
لقد كانت أوربا في جهالة تامة من كل علم إلا ما تملكه الكنيسة ورجال دينها من معلومات سطحية معظمها محشو بالأخطاء.
وعند المسلمين وجدوا «العلم» .. في كل مجالات العلم.. في الطب والفلك والرياضيات والفيزياء والكيمياء إلى جانب العلوم الدينية الإسلامية التي كانت تدرس – جنبًا إلى جنب- في الجامعات الإسلامية.
وقد قال «روجر بيكون»: «من أراد أن يتعلم، فليتعلم العربية، فإنها هي لغة العلم» .
ونضيف هنا قولة «ألفارو القرطبي» قبل ذلك بقرون في الأندلس: «يطرب إخواني المسيحيون بأشعار العرب وقصصهم، فهم يدرسون كتب الفقهاء والفلاسفة المحمديين لا لتفنيدها، بل للحصول على أسلوب عربي صحيح رشيق. فأين تجد اليوم علمانيًا يقرأ التعليقات اللاتينية على الكتب المقدسة؟ وأين ذلك الذي يدرس الإنجيل وكتب الأنبياء والرسل؟ وا أسفاه! إن شباب المسيحيين الذين هم أبرز الناس مواهب، ليسوا على علم بأي أدب ولا أية لغة غير العربية، فهم يقرأون كتب العرب ويدرسونها بلهفة وشغف، وهم يجمعون منها مكتبات كاملة تكلفهم نفقات باهظة، وإنهم ليترنمون في كل مكان بمدح تراث العرب. وإنك لتراهم من الناحية الأخرى يحتجون في زراية إذا ذكرت الكتب المسيحية بأن تلك المؤلفات غير جديرة بالتفاتهم. فواحر قلباه! لقد نسي المسيحيون لغتهم، ولا يكاد يوجد منهم واحد في الألف قادر على إنشاء رسالة إلى صديق بلاتينية مستقيمة! ولكن إذا استدعى الأمر كتابة بالعربية، فكم منهم من يستطيع أن يعبر عن نفسه في تلك اللغة بأعظم ما يكون من الرشاقة، بل لقد يقرضون من الشعر ما يفوق في صحة نظمه شعر العرب أنفسهم» (١) .
ولم يكن العلم وحده هو الذي أخذته أوربا عن المسلمين بجانب الرغبة في الحياة والرغبة في النهوض؛ إنما أخذت كذلك المنهج الذي تقيم عليه العلم، وهو المنهج التجريبي.
_________________
(١) حضارة الإسلام، جرونيباوم، ص ٨١-٨٢ من الترجمة العربية.
[ ٢ / ٨ ]
يقول بريفولت في كتاب «بناء الإنسانية» «فالعالم القديم –كما رأينا- لم يكن للعلم فيه وجود. وعلم النجوم عند اليونان ورياضياتهم كانت علومًا أجنبية استجلبوها من خارج بلادهم وأخذوها عن سواهم، ولم تتأقلم في يوم من الأيام فتمتزج امتزاجًا كليًا بالثقافة اليونانية. وقد نظم اليونان المذاهب وعمموا الأحكام ووضعوا النظريات. ولكن أساليب البحث في دأب وأناة، وجمع المعلومات الإيجابية وتركيزها، والمناهج التفصيلية للعلم، والملاحظة الدقيقة المستمرة، والبحث التجريبي، كل ذلك كان غريبًا تمامًا عن المزاج اليوناني. أما ما ندعوه «العلم» فقد ظهر في أوربا نتيجة لروح من البحث جديدة، ولطرق من الاستقصاء مستحدثة، من طرق التجربة والملاحظة والمقاييس، ولتطور الرياضيات إلى صورة لم يعرفها اليونان.. وهذه الروح، وتلك المناهج العلمية، أدخلها العرب إلى العالم الأوربي» (١) .
_________________
(١) عن كتاب «تجديد الفكر الديني» تأليف محمد إقبال، ترجمة عباس محمود، ص ٢٥٠ من الترجمة العربية.
[ ٢ / ٩ ]
كذلك لم يكن العلم وحده ولا المنهج التجريبي وحده.. يقول.. بريفولت: «لقد كان العلم أهم ما جادت به الحضارة العربية (يقصد الإسلامية) على العالم الحديث، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج.. إن العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في أسبانيا، لم تنهض في عنفوانها إلا بعد وقت طويل من اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام. ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد أوربا إلى الحياة. بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوربية. فإنه على الرغم من أنه ليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الازدهار الأوربي إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة، فإن هذه المؤثرات توجد أوضح ما تكون وأهم ما تكون، في نشأة تلك الطاقة التي تكون ما للعالم الحديث من قوة متمايزة ثابتة، وفي المصدر القوي لازدهاره: أي في العلوم الطبيعية وروح البحث العلمي» (١) .
ويطول بنا الاستطراد لو رحنا نحصي بالتفصيل ما أخذته أوربا في بدء نهضتها من الإسلام والمسلمين، ولكنا نعود إلى موضوعنا الأصيل فنقول إن أوربا أخذت ما أخذت ولكنها رفضت أن تأخذ الإسلام ذاته عقيدة ومنهج حياة، وعادت إلى الجاهلية الإغريقية والرومانية تستمد منهما بدلًا من الدين الكنسي الذي لفظته، والدين الصحيح الذي رفضت بدافع العصبية أن تدخل فيه. ومن ثم عادت – كما قلنا – إلى العقلانية اليونانية بزيادة انحراف جديد هو النفور من الدين والسعي إلى إخراجه من مجالات الفكر والحياة.
لقد كانت الجاهلية الإغريقية جاهلية وثنية خالصة في واقع حياتها، ولكن «المفكرين» و«الفلاسفة» فكروا في الله ﷾، وحاولوا تصوره على قدر ما اجتهدت عقولهم، فاهتدوا إلى وحدانيته وكماله وجلاله، ولكن تشعبت بهم الظنون في متاهات لا قرار لها حين أخذوا يصفون كنة هذا الكمال وهذا الجلال، كما مر بنا من تصور أرسطو.
_________________
(١) المصدر السابق، ص ١٤٩.
[ ٢ / ١٠ ]
أما جاهلية عصر الإحياء وعصر النهضة فقد سخرت «عقلها» في كيفية الاستغناء عن الله، وإخراج موضوع الألوهية من ميادين الفكر والحياة واحدًا إثر الآخر.
كان «التفكير الحر» معناه الإلحاد! ذلك أن التفكير الديني معناه الخضوع للقيد الذي قيدت الكنيسة به العقل وحجرت عليه أن يفكر. فمعنى الحرية الفكرية هو تحطيم ذلك القيد الذي يغل العقل من التفكير. ولم يكن أمام أوربا بعد أن رفضت الإسلام إلا ذلك السبيل الواحد إلى الحرية الفكرية.. وهو الخروج على الدين! .
يقول برنتون في كتاب «منشأ الفكر الحديث» (ص ١٠٣ من الترجمة العربية – ترجمة عبد الرحمن مراد): «فالمذهب العقلي يتجه نحو إزالة الله وما فوق الطبيعة من الكون.. فإن نمو المعرفة العلمية وازدياد الاستخدام البارع للأساليب العلمية يرتبط بشدة مع نمو الوضع العقلي نحو الكون..» .
ويقول عن قانون السببية الذي كشفه نيوتن: «إن السببية تهدم كل ما بنته الخرافات والإلهامات والمعتقدات الخاطئة (يقصد المعتقدات الدينية) في هذا العالم» (ص ١٥١ من المرجع السابق) .
ويقول: «الإله في عرف نيوتن أشبه بصانع الساعة ولكن صانع هذه الساعة الكونية ونعني بها الكون، لم يلبث أن شد على رباطها إلى الأبد، فبإمكانه أن يجعلها تعمل حتى الأبد.
«أما الرجال على هذه الأرض فقد صممهم الإله كأجزاء من آلته الضخمة هذه ليجروا عليها. وإنه ليبدو أن ليس ثمة داع أو فائدة من الصلاة إلى الإله صانع هذه الساعة الضخمة الكونية، الذي لا يستطيع إذا ما أراد التدخل في عمله» !! .
[ ٢ / ١١ ]
ولنا وقفة عند هذه النصوص.. إن الاتجاه الفكري النافر من الدين، المتجه إلى الإلحاد، لم يكن رد فعل لخطأ واحد من أخطاء الكنيسة وهو الحجر على العقل خوفًا من مناقشة «المسلمات» المفروضة، إنما كان في الحقيقة رد فعل أو نتيجة لأخطاء متعددة في وقت واحد.. فالجهالة العلمية التي عانتها أوربا عدة قرون في ظل السيطرة الكنسية جعلت للعلم –حين بدأت أوربا تتعلم- فتنة ليست من طبيعته في الأحوال العادية وفي النفوس السوية، فضلًا عن أن حرب الكنيسة للعلم والعلماء في عهد النهضة – باسم الدين – جعلت طريق البحث العلمي هو طريق معاداة الدين.
إن الدين والعلم ليسا ندين متنافرين متعاديين كل منهما يسعى للسيطرة على حساب الآخر ورغمًا عنه! فنزعة العبادة ونزعة المعرفة كلتاهما نزعة فطرية، والفطرة – في النفس السوية- لا يتنافر بعضها مع بعض، إنما تتعارض جوانبها المختلفة لبناء الشخصية السوية المتوازنة. وقد تختل الشخصية لزيادة أو نقص في أحد الجوانب بالقياس إلى حده المفروض، وبالقياس إلى الجوانب الأخرى في النفس، ولكنها لا تختل قط من اجتماع جوانب الفطرة كلها في النفس، فهذا هو الأمر الطبيعي الذي لا تستقيم النفس بدونه، بل العكس هو الصحيح. تختل النفس خللًا مؤكدًا حين يزاح جانب من جوانب الفطرة أو يضمر ليحل محله جانب آخر.
وفي العالم الإسلامي الذي استقت أوربا العلم منه، كان هذا هو الأمر الواقع: كان الدين والعلم يعيشان معًا متساندين متعاونين بلا تنازع ولا تنافر ولا خصام. بل كان العلم في حقيقة الأمر نابعًا من العقيدة منبثقًا عنها، يعمل في خدمتها، ومع ذلك كان له ذلك المجال الواسع كله الذي يعمل فيه، والحرية التي يمارسها في البحث وتحصيل النتائج وتدوينها، والثمار العملية المفيدة التي تقوم عليها نهضة علمية زاهرة.
[ ٢ / ١٢ ]
ولم يكن للعلم في نفوس المسلمين فتنة! لا هو فتنهم عن الدين، ولا صار في حسهم إلهًا مكان الله! لأنهم كانوا يتناولونه كما تتناوله الفطرة السوية، التي تأخذ حظها من العبادة كما تأخذ حظها من المعرفة العلمية، وتطلب هذه وتلك بلا تنافر بينهما ولا صدام!.
وقد كان العالم الواحد – في كثير من الأحيان – عالمًا في الطب أو الفلك أو الرياضيات.. الخ، وعالمًا بالعلوم الدينية في نفس الوقت، متبحرًا في هذه وتلك، متوازنًا في ذات الوقت، لا يصرفه الدين عن العلم ولا يصرفه العلم عن الدين.
وكان الحسن بن الهيثم – على سبيل المثال – الذي ظلت أوربا تدرس نظرياته في علم الضوء (البصريات) إلى بداية القرن التاسع عشر لتفوقها وتقدمها الباهر، والذي أثبت ملاحظة كانت بالقياس إلى وقته من أعجب العجب، وهي انحناء الشعاع الضوئي عند ملامسته جسمًا منحنيًا وعدم سيره في خط مستقيم (١) - كان على كل عبقريته العلمية تلك يقدم إنتاجه العلمي باسم الله، ويحمده ويثني عليه ويشكره على فيض نعمه عليه!.
كلا! لم يكن العلم عند المسلمين مثارًا للفتنة، لأنهم صاحبوه عدة قرون على رزانة وروية فلم يفاجئوا به كما فوجئت أوربا في عصر النهضة، ولأنه نبع في حياتهم من نبع الدين فلم يثر بينه وبين الدين ذلك الخصام الذي ثار بين الدين والعلم في أوربا، ولأن المعرفة كلها في حس المسلم نفحة ربانية يفتح بها على عباده، فيكون جزاؤها في حسه مزيدًا من التقرب إلى الله، لا بعدًا عنه وازورارا عن عبادته. كذلك كان اكتشاف قانون السببية بالذات باعثًا من بواعث الإلحاد.
_________________
(١) وفسر بذلك أننا نرى الشمس قبل ظهورها الحقيقي بدقائق، ونظل نراها بعد غروبها بدقائق! وفي القرن العشرين اكتشف أنشتين أن الضوء في الكون الواسع لا يتخذ مسارًا مستقيمًا بل ينحني حول الأجرام السماوية بفعل الجاذبية.
[ ٢ / ١٣ ]
والمسؤول في ذلك أيضًا هو الكنيسة! لقد ظلت الكنيسة تصرف الناس عن العلم عدة قرون، وتوحي إليهم بالاكتفاء بما عندها هي من العلم، الذي لم يكن يتجاوز –كما قلنا – أن الله خلق الأشياء على صورتها لحكمة يعلمها ولغاية يريدها.. أي إرجاع الأمور كلها والظواهر كلها إلى إرادة الله ومشيئته. ومن شأن الدين أن يركز دائمًا على هذا المعنى. انظر إلى بعض ما جاء في القرآن الكريم في هذا الشأن: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم. إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) (وهو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات. إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون. وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر. والنجوم مسخرات بأمره. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. وما ذرأ لكم في الأرض مختلفًا ألوانه. إن في ذلك لآية لقوم يذكرون. وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها. وترى الفلك مواخر فيه. ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم. وأنهارًا وسبلًا لعلكم تهتدون. وعلامات وبالنجم هم يهتدون. أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ أفلا تذكرون. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. إن الله لغفور رحيم) .
وحكمة ذلك واضحة.. «فالدين» يذكر الإنسان دائمًا بالله لكي يظل قلبه معلقًا بالله في جميع حالاته، فيحبه ويخشاه، ويتطلع إليه في كل أمر من أموره. وبهذا وحده تصلح نفس الإنسان وتستقيم.. ولأن الإنسان عرضة دائمًا أن ينسى فإن الدين الصحيح يلح في تذكيره حتى لا تدركه الغفلة التي ينشأ عنها كل شر في حياة البشر على الأرض.
[ ٢ / ١٤ ]
ولكن هذا التركيز الشديد في الدين الصحيح على رد الأمور كلها إلى مشيئة الله، لم يمنع المسلمين من البحث عن «الأسباب الظاهرة» في الكون المادي وفي الحياة البشرية، بلا تعارض في حسهم بين هذا وذاك.
وذلك أن الدين الصحيح –وقد رد كل شيء بحق إلى مشيئة الله وقدره (١) -نبه البشر إلى أن هناك سننًا كونية تعمل إرادة الله من خلالها في الكون المادي، كما أن هناك سننًا أخرى تعمل تلك الإرادة من خلالها في الحياة البشرية، ودعاهم إلى التعرف على هذه وتلك، الأولى ليقوموا بتعمير الأرض – وهو جزء من مهمة «الخلافة» التي خلق الإنسان من أجلها – والأخرى لتكون هذه الخلافة راشدة حين يتم تعمير الأرض بمقتضى المنهج الرباني.
_________________
(١) يقول تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) سورة القمر: ٤٩.
[ ٢ / ١٥ ]
لقد ظل القرآن يلفت نظر الناس إلى آيات الله في الكون وانتظامها ورتابتها ودقتها وانضباطها: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنًا. ثم جعلنا الشمس عليه دليلًا. ثم قبضناه إلينا قبضًا يسيرًا) (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبًا فمنه يأكلون. وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون. ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم. أفلا يشكرون. سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون. وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون. والشمس تجري لمستقر لها. ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) (وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون) وفهم المسلمون من هذه التوجيهات المتكررة أن الله يدعوهم إلى التأمل في هذا الكون من حولهم، ليتعرفوا على قدرة الله القادرة التي لا يعجزها شيء، وليتعرفوا كذلك على السنن الربانية التي أودعها في هذا الكون، والطاقات التي سخرها لهم فيه ليقوموا بعمارة الأرض، ويبتغوا من فضل الله: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلًا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلًا) (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت. فارجع البصر هل ترى من فطور) ومن ثم انطلقوا «يدرسون» هذا الكون ويتعرفون على أسراه.. فتقدم العلم على أيديهم تقدمًا ضخمًا، في الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات والطب وغيرها من العلوم النظرية والتجريبية.. واكتشفوا – من بين ما اكتشفوا – أن هناك سببًا لكل شيء يحدث في الكون المادي، من نور وظلام، وكسوف وخسوف، ورياح ومطر، وجدب وخصب وزيادة ونقص.. الخ.. الخ.
ولكن اكتشاف «السبب الظاهر» لم يكن فتنة لهم كما كان بالنسبة لنيوتن ومن بعده من «العلماء» ! .
[ ٢ / ١٦ ]
فلم يجعلوه بديلًا من السبب الحقيقي وهو الله ﷾، ولم يستغنوا به عن الله، ولم يتصوروا أن له حتمية تقيد مشيئة الله الطليقة بحيث يعجز سبحانه عن التصرف في الكون بما يشاء، كما توهم نيوتن ومن بعده.
إنما عرفوا أن هذا «السبب الظاهر» هو «السنة الجارية» التي تجري شئون الكون المادي من خلالها، ومن ثم فهي ليست بديلًا من الله ﷾، وهي جزء من مشيئته، ولا تعارض بين تفسير أي أمر من أمور هذا الكون بسببه الظاهر وتفسيره بأنه راجع إلى مشيئة الله، ما دام السبب الظاهر أو «السنة الجارية» من مشيئة الله، ومن ثم فلا تعارض بين ما سموه «الطبيعة» وما سموه «ما وراء الطبيعة» بحيث يمتنع عليك الإيمان بهذه وتلك في آن واحد كما توهمت عقلانية ما بعد النهضة في أوربا، نتيجة أن ما وراء الطبيعة في ظل السيطرة الكنسية والحجر على العقل كان ينفي الأسباب الظاهرة أو لا يعول عليها في تفسير أمر من أمور الكون، وأن اكتشاف «السبب الظاهر» جاء في جو من العداء للدين والكنيسة، فوضع – من ثم – مناهضًا ومعاديًا لما وراء الطبيعة، بالإضافة إلى أن القوم هناك ظلوا – في ظل الإيمان بما وراء الطبيعة على الطريقة الكنسية – في جهل مطبق بكثير مما يحيط بهم في هذا الكون، بينما جاء اكتشاف السبب الظاهر في وسط معلومات عن هذا الكون، وكما لم تكن معرفة المسلمين المبكرة بالأسباب الظاهرة وثبوت السنة الجارية مانعًا لهم من الإيمان بالمعجزات التي جاءت في الكتب المنزلة، كذلك لم يكن إيمانهم بالمعجزات داعيًا إلى الخرافة، ولا الاعتقاد بأن الكون فوضى لا يضبطه ضابط ولا يربطه نظام. و«العلم» الذي أخرجوه هو البرهان على ذلك. فقد كان هذا العلم من الدقة والانضباط –بحسب المتاح في وقته من الأدوات- لدرجة شهد لها كل منصف في التاريخ. ولكه شاهد بأن المسلمين كانوا يتعاملون مع هذا الكون على أساس أن هناك نظامًا دقيقًا يربطه. نظامًا من
[ ٢ / ١٧ ]
«الأسباب» و«النتائج» معجز بدقته، رائع بانضباطه: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت. فارجع البصر هل ترى من فطور)؟ .
إنما كانوا على «التوازن» الذي علمهم إياه الإسلام.. أما «عقلانية» النهضة وما بعدها فقد خرجت على الناس بأمور، غير معقولة «على الإطلاق.. من نفي لوجود الله تارة، ومن إثبات له تارة أخرى مع نفي قدرته على التصرف، ومن جعل السبب الظاهر بديلًا من السبب الحقيقي، ومن جعل ثبوت الأسباب الظاهرة حتميات (١) تفرض نفسها على مشيئة الله!.
ودار الزمن دورة أخرى فانتقلت أوربا – فيما يقال – من سيادة العقل إلى سيادة الطبيعة، حين كشف العلم مزيدًا من أسرار الكون واقتنع «المفكرون» أن الأصل الذي ينبغي الرجوع إليه هو «الطبيعة» لأنها هي التي تنقش في العقل ما يتولد فيه من أفكار. فليس مصدر المعرفة إذًا هو الوحي الرباني –وقد نبذوه وراءهم ظهريًا سواء منه ما كان حقيقيًا بلا تحريف، وما اخترعته الكنيسة من عندها، وقالت إنه من وحي الله – ولا هو العقل، الذي لا ينشئ – ولا ينبغي له أن ينشئ – شيئًا من عنده، إنما هو الطبيعة: هو عالم الحس.. هو الحقيقة الموضوعية..
يقول الدكتور محمد البهي في تلخيصه الجيد الذي نقلناه من قبل عن الفلسفة الوضعية وتقديرها للطبيعة: «ومعنى تقديرها للطبيعة على هذا النحو أن الطبيعة – في نظرها – هي التي تنقش الحقيقة في ذهن الإنسان وهي التي توحي بها وترسم معالمها الواضحة. هي التي تكون عقل الإنسان، والإنسان –لهذا- لا يملى عليه من خارج الطبيعة، أي لا يملى عليه مما وراءها، كما يملى عليه من ذاته الخاصة، إذ ما يأتي من ما وراء الطبيعة خداع للحقيقة وليست (هي) حقيقة أيضًا! .
_________________
(١) ثاب العلم أخيرًا إلى أنه لا توجد «حتميات» فيما سموه «قوانين الطبيعة» إنما هي «احتمالات» .
[ ٢ / ١٨ ]
وبناء على ذلك يكون «الدين» – وهو وحي (أي ما بعد الطبيعة) - خداعًا! وهو وحي ذلك الموجود الذي لا يحده ولا يمثله كائن من كائنات الطبيعة. هو وحي الله الخارج عن هذه الطبيعة كلية.. وكذلك (المثالية العقلية» وهم لا يتصل بحقيقة هذا الوجود الطبيعي. إذ هي تصورات الإنسان من (عند) نفسه، من غير أن يستلهم فيها الطبيعة المنثورة التي يعيش فيها وتدور حوله.
إن عقل الإنسان في منطق هذه الفلسفة – أي ما فيه من معرفة- وليد الطبيعة التي تتمثل في الوراثة والبيئة والحياة الاقتصادية والاجتماعية. إنه مخلوق، ولكن خالقه الوجود الحسي» (١) .
ولقد يفهم من هذا لأول وهلة أن العقلانية التي تتبعنا أطوارها في عصر النهضة وما بعدها قد انتهت وحل محلها طور جديد لا يمت لها بصلة.. ولكن هذا غير الواقع.
لقد تغير الإله المعبود عندهم بالفعل فلم يعد هو العقل، وإنما صار هو الطبيعة التي قال عنها دارون «الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق» .
ولكن الإله الجديد لم يقتل الإله الأول، ولم يخرجه من الساحة ليحل محله. إنما قيده فقط بقيوده وأخضعه لشروطه، وإنما كان قد شد على يديه في حرارة مؤيدًا ومؤازرًا في نقطة واحدة معينة هي نفي الإله الحقيقي – ﷾ – وإخراجه نهائيًا من الساحة (نستغفر الله)، وإن اختلفت زوايا الرصد واختلف «المنطق» المستخدم فالإله الأول –العقل- ينبذه بحجة أنه «غير معقول» !! والإله الثاني –الطبيعة- ينبذه لأنه لا يدرك بالحس ولا يخضع للتجربة في المعمل!! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا..
_________________
(١) ٢٩٨-٢٩٩ من كتاب «الفكر الإسلامي الحديث» .
[ ٢ / ١٩ ]
إن المنهج التجريبي الذي تعلمته أوربا من المسلمين لم يؤت ثماره الظاهرة في ميدان العلم إلا في القرن التاسع عشر على وجه التقريب، ولكنه تحول عندهم إلى فتنة طاغية.. لأن أوربا أخذته دون أن تأخذ القاعدة الإيمانية التي كان يقوم عليها عند المسلمين، وهي قاعدته الأصلية. فكأنه نبات انتزع من بيئته انتزاعًا وغرس في بيئة أخرى لا تناسب الأولى، ولا تشبهها في مكوناتها ومقوماتها، فطال وارتفع، ولكنه أثمر ثمارًا شيطانية غير الثمار الطيبة التي كان يؤتيها من قبل.
ولم يشعر المسلمون أن تفكرهم في آيات الله في الكون من أجل إخلاص العبادة له، مانع لهم من البحث عن السنن الكونية الربانية من أجل عمارة الأرض، ولم يشعروا كذلك أن البحث عن هذه السنن من أجل عمارة الأرض مانع لهم من إخلاص العبادة لله. لأنه لا تعارض في الحقيقة. والله يقول لهم: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) .
ولا نستطيع أن نختم الحديث عن عقلانية الجاهلية، والعقلانية المعاصرة بصفة خاصة، قبل أن نشير إلى قولة عجيبة وردت في كتاب من كتب سارتر، الكاتب الوجودي المعروف، ذات صلة بالموضوع ودلالة لا تحتاج إلى تعليق! وسارتر يهودي وإن كان كثير من الناس لا يعلمون ذلك! يقول في كتاب (تأملات في المشكلة اليهودية: إن اليهود متهمون بتهم ثلاث كبرى، هي عبادة الذهب، وتعرية الجسم البشري، ونشر العقلانية المضادة للإلهام الديني، ويقول إن التهم كلها صحيحة! ثم يروح يقدم لكل منها ما يقدر عليه من المعاذير.
قال عن عبادة الذهب إن اليهود مضطهدون في كل الأرض وكل التاريخ، وإنهم لابد أن يسعوا إلى امتلاك القوة ليقاوموا هذا الاضطهاد. والوسيلة التي لجئوا إليها هي السعي إلى امتلاك الذهب وتجميعه ليكون لهم عدة وقوة! .
[ ٢ / ٢٠ ]
وقال عن تعرية الجسم البشري إن اليهود متهمون بقبح أجسامهم وعدم استقامتها؟ فأرادوا أن يثبتوا للبشرية أن القبح كامن في الجسم البشري ذاته لا في أجسام اليهود وحدهم! فعملوا على تعرية الجسم البشري ليستيقن البشر من هذه الحقيقة! (أرأيت إلى مدى السخف والتهافت..؟!) .
أما نشر العقلانية المضادة للإلهام الديني (كما ورد في الترجمة الإنجليزية) فقد كشف فيه الغطاء دون مواربة! قال: إنه طالما كان البشر يؤمنون بالدين، فسيظل يقع على اليهود تمييز مجحف على اعتبار أنهم يهود، أما إذا زال الدين من الأرض، وتعامل البشر بعقولهم، فعقل اليهودي كعقل غير اليهودي، ويومئذ لن يتميز اليهود بكونهم يهودًا، ولن يقع عليهم التمييز المجحف، وسيعيشون في سلام مع غير اليهود» (أي بعد أن يغطوا حقيقتهم ويندسوا في وسط البشرية مبهمين بين الجموع!!) .
ومهما يكن في هذا الكلام من المغالطات المكشوفة التي قصد بها التغطية على الأهداف الحقيقية لليهود من وراء هذه الأفعال (وهي نشر الفساد في صفوف الأميين لإفساد عقائدهم وأخلاقهم بالإضافة إلى سلب أموالهم، لتيسير استعبادهم للشعب الشرير) . فإن ثبوت التهمة بشهادة شاهد من أهلها أمر غني عن التعليق (١) .) (٢)
انتهى كلام الأستاذ محمد قطب حفظه الله، وهو كلام - بطوله - نفيس بيّن لنا فيه مراحل تطور العقلانية عند الغربيين إلى أن وصل بهم الحال إلى إقامته -أي العقل- مقام الإله فهو المرجع وإليه المآب.
_________________
(١) مما يلفت النظر في هذا الكتاب أيضًا قول سارتر إن تقسيم فلسطين إلى دولة عربية يهودية لن يحل المشكلة اليهودية. إنما الحل هو نشر الشيوعية العالمية. وهو أيضًا قول لا يحتاج إلى تعليق.
(٢) مذاهب معاصرة (٥٠٠-٥٣١) بتصرف.
[ ٢ / ٢١ ]