وَأَمَّا إِنْكَارُكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَتَرَاءَى ١ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي غَيْرِ صُورَتِهِ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، ثُمَّ يَتَرَاءَى فِي صورته الَّتِي يعرفونها فيعرفونه، إِنْكَار المريسي حَدِيث الصُّورَة وَالرَّدّ عَلَيْهِ،
_________________
(١) ١ كَذَا بِلَفْظ "يتَرَاءَى" وَلم أَجِدهُ فِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَأحمد وَغَيرهم بِهَذَا اللَّفْظ.
[ ١ / ٣٨٤ ]
فَيَتَّبِعُونَهُ" ١.
فَزَعَمْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَذَا فَهُوَ مُشْرِكٌ.
يُقَالُ لَهُمْ: أَلَيْسَ قَدْ عَرَفْتُمْ رَبَّكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَكَيْفَ جَهِلْتُمُوهُ عِنْدَ الْعَيَانِ وَشَكَكْتُمْ فِيهِ؟
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ: قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) ١ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب الرقَاق، بَاب الصِّرَاط على جسر جَهَنَّم حَدِيث ٦٥٧٣، ١١/ ٤٤٥ قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان، أخبرنَا شُعَيْب، عَن الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي سعيد وَعَطَاء بن يزِيد أَن أَبَا هُرَيْرَة أخبرهما، عَن النَّبِي صلى الله عيله وَسلم، وحَدثني مَحْمُود، حَدثنَا عبد الرَّزَّاق، أخبرنَا مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "وَتبقى هَذِه الْأمة فِيهَا منافقوها، فيأتيهم الله فِي غير الصُّورَة الَّتِي يعْرفُونَ، فَيَقُول: أَنا ربكُم، فَيَقُولُونَ: نَعُوذ بِاللَّه مِنْك، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذا أَتَانَا رَبنَا، عَرفْنَاهُ، فيأتيهم الله فِي الصُّورَة الَّتِي يعْرفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبنَا، فيتبعونه"، وَلأبي سعيد الْخُدْرِيّ أَيْضا مثله، انْظُر: حَدِيث ٦٥٧٤، ١١/ ٤٤٦. وَرَاه مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي/ كتاب الْإِيمَان بَاب معرفَة طَرِيق الرُّؤْيَة حَدِيث ١٨٢، ١/ ١٦٤ قَالَ: حَدثنِي زُهَيْر بن حَرْب، حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، حَدثنَا أبي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بن يزِيد اللَّيْثِيّ أَن أَبَا هُرَيْرَة أخبرهُ أَن أُنَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ: يَا رَسُول الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَفِيه: "وَتبقى هَذِه الْأمة فِيهَا منافقوها" وَذكر بَاقِيه بِلَفْظ قريب جدًّا من لفظ البُخَارِيّ. وَأخرجه أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٣/ ٥٣٤.
[ ١ / ٣٨٥ ]
مِنْ١ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ٢، حَدَّثَنَا٣ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ٤، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ٥، عَنْ مَعْمَرٍ٦، عَنِ الزُّهْرِيِّ٧، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ٨، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٩ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ١٠ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، كَأَنَّكَ تَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم١١ من جوده يَقُولُهُ١٢، فَاحْذَرْ أَنْ لَا يَكُونَ قَذْفُكَ بِالشِّرْكِ أَنْ يَقَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١٣، وَمَا ذَنْبُنَا إِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ سَلَبَ عَقْلَكَ حَتَّى جَهِلْتَ مَعْنَاهُ؟
وَيْلَكَ! إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَكٍّ وَارْتِيَابٍ مِنْهُمْ، وَلَوْ أَنَّ اللَّهَ تَجَلَّى لَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي صُورَتِهِ الَّتِي عَرَّفَهُمْ صفاتهم فِي الدُّنْيَا لَاعْتَرَفُوا بِمَا عَرَفُوا، وَلم
_________________
(١) ١ فِي ش "عَن رِوَايَة الزُّهْرِيّ". ٢ الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن شهَاب، تقدم ص"١٧٥". ٣ فِي ط، س، ش "حَدثنَا". ٤ نعيم بن حَمَّاد، تقدم ص"٢٠٤". ٥ عبد الله بن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٦ معمر بن رَاشد الْأَزْدِيّ، تقدم ص"٢٠٥". ٧ الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن شهَاب، تقدم ص"١٧٥". ٨ عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ، تقدم ص"٢٠٥". ٩ أَبُو هُرَيْرَة ﵁، تقدم ص"٧٩". ١٠ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، تقدم ص"٢٠٥"، وَانْظُر تَخْرِيج الحَدِيث من طَرِيق أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد ص"٢٠٤". ١١ عبارَة "ﷺ" لَيست فِي ط، س، ش. ١٢ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "يَقُوله من جودة إِسْنَاده". ١٣ لِأَنَّهُ يَقُول: إِن من أقرّ بِمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور فَهُوَ مُشْرك.
[ ١ / ٣٨٦ ]
يَنْفِرُوا، وَلَكِنَّهُ يُرِي نَفْسَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، لِقُدْرَتِهِ وَلُطْفِ رُبُوبِيَّتِهِ فِي صُورَة غير من عرفهم الله صفاتهم فِي الدُّنْيَا، لِيَمْتَحِنَ بِذَلِكَ إِيمَانَهُمْ ثَانِيَةً فِي الْآخِرَةِ، كَمَا امْتَحَنَ فِي الدُّنْيَا١ لِيُثْبِتَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْتَرِفُونَ بِالْعُبُودِيَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا لِلْمَعْبُودِ الَّذِي عَرَفُوهُ فِي الدُّنْيَا بِصِفَاتِهِ، الَّتِي أَخْبَرَهُمْ بِهَا فِي كِتَابِهِ، وَاسْتَشْعَرَتْهَا قُلُوبُهُمْ حَتَّى مَاتُوا عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا مُثِّلَ فِي أَعْيُنِهِمْ غَيْرُ مَا عَرَفُوا مِنَ الصِّفَةِ نَفَرُوا وَأَنْكَرُوا، إِيمَانًا مِنْهُمْ٢ بِصَفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ الَّتِي امْتَحَنَ قُلُوبَهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا الَّتِي٣ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ٤ تَجَلَّى لَهُمْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي عَرَّفَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوا، وَمَاتُوا، وَبُشِرُوا عَلَيْهِ٥، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَحَوَّلَ اللَّهُ مِنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ، وَلَكِنْ يُمَثَّلُ ذَلِكَ فِي أَعْيُنِهِمْ بِقُدْرَتِهِ.
فَلَيْسَ هَذَا أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ بِشَكٍّ مِنْهُمْ فِي مَعْبُودِهِمْ، بَلْ هُوَ زِيَادَةُ يَقِينٍ وَإِيمَانٌ٦ بِهِ مَرَّتَيْنِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ٧ ﵁: "أَنَّهُ قَالَ لَهُم
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "كَمَا امتحن إِيمَانهم فِي الدُّنْيَا". ٢ فِي ط، س، ش "أَنْكَرُوا إِيمَانهم بِصفة ربوبيته.." إِلَخ ويستقيم الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٣ كَذَا فِي الأَصْل، وَيعود هُنَا إِلَى صفة الرب، وَفِي ط، س، ش "الَّذِي" وَيعود بِهَذَا إِلَى الرب ﷻ، الْمَفْهُوم من السِّيَاق. ٤ أَي بهَا، وَفِي ط، س، ش "امتحن الله قُلُوبهم". ٥ فِي ط، س، ش "ونشروا عَلَيْهِ" وَهُوَ أوضح. ٦ فِي ط، س، ش "بِإِيمَان". ٧ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، تقدم ص"١٩٠".
[ ١ / ٣٨٧ ]
يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَتَعْرِفُونَ رَبَّكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ إِذَا اعْتَرَفَ١ لَنَا عَرَفْنَاهُ"٢ يَقُولُونَ: لَا نُقِرُّ بِالرُّبُوبِيَّةِ إِلَّا لِمَنِ اسْتَشْعَرَتْهُ قُلُوبُنَا، بِصِفَاتِهِ الَّتِي أَنْبَأَنَا بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَحِينَئِذٍ يَتَجَلَّى لَهُمْ فِي صُورَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَهُمْ، فَيَزْدَادُونَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ إِيمَانًا وَيَقِينًا، وَبِرُبُوبِيَّتِهِ، اغْتِبَاطًا وَطُمَأَنِينَةً، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الشَّكِّ عَلَى مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، بَلْ هُوَ يَقِينٌ بَعْدَ يَقِينٍ، وَإِيمَانٌ٣ بَعْدَ إِيمَان وَلَكِن الشَّك والربوبية كُلَّهَا مَا٤ ادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ فِي تَفْسِيرِ الرُّؤْيَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ" ٥، فَادَّعَيْتَ أَنَّ رُؤْيَتَهُمْ تِلْكَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ يَوْمَئِذٍ أَنَّ لَهُمْ رَبًّا لَا يَعْتَرِيهِمْ فِي ذَلِكَ شَكٌّ، كَأَنَّهُمْ فِي دَعْوَاكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ لَمْ يَعْلَمُوا فِي الدُّنْيَا أَنَّهُ رَبُّهُمْ، حَتَّى يَسْتَيْقِنُوا بِهِ فِي الْآخِرَةِ.
فَهَذَا التَّفْسِيرُ إِلَى الشَّكِّ أَقْرَبُ مِمَّا ادَّعَيْتَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الشَّكِّ وَالشِّرْكِ، لَا بَلْ هُوَ الْكُفْرُ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ مؤمنهم وكافرهم
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "تعرف" وَهُوَ الْمُوَافق لما فِي سنَن الدَّارمِيّ. ٢ ورد فِي سنَن الدَّارمِيّ، كتاب الرَّقَائِق، بَاب فِي سجو، د عَن الْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة حَدِيث ٢٨٠٦، ٢/ ٢٣٤ عَن أبي هُرَيْرَة فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "هَل تعرفونه؟ فَيَقُولُونَ: إِذا تعرف إِلَيْنَا عَرفْنَاهُ، فَيكْشف لَهُم عَن سَاقه فيقعون سجودًا " إِلَخ. ٣ فِي ش "وإيمانًا بعد إِيمَان" وَالصَّوَاب ماأثبتناه؛ لِأَن الْمَعْطُوف على الْمَرْفُوع مَرْفُوع. ٤ فِي ش "فِيمَا ادعيت". ٥ تقدم تخرجه ص"١٩٥".
[ ١ / ٣٨٨ ]
يَعْلَمُونَ يَوْمَئِذٍ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ، لَا يَعْتَرِيهِمْ فِي ذَلِكَ شَكٌّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ١ يَقُولُ: ﴿أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ٢؛ فَالشَّكُّ فِي اللَّهِ الَّذِي٣ تَأَوَّلْتَهُ أَنْتَ فِي الرُّؤْيَةِ لَا مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
وَيْلَكَ! إِنَّ اللَّهَ لَا تَتَغَيَّرُ صُورَتُهُ وَلَا تَتَبَدَّلُ، وَلَكِنْ يُمَثَّلُ فِي أَعْيُنِهِمْ يَوْمَئِذٍ، أَوَلَمْ تَقْرَأْ كِتَابَ اللَّهِ: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ ٤؟ وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ، كَمَا مُثِّلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ٥ مَعَ مُعظم صُورَتِهِ وَجَلَالَةِ خَلْقِهِ فِي عَيْنِ
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "أَنه تَعَالَى يَقُول". ٢ سُورَة السَّجْدَة، آيَة "١٢". ٣ فِي ط، ش "هَذَا الَّذِي تأولته"، وَفِي س "هوالذي تأولته". ٤ سُورَة الْأَنْفَال، آيَة "٤٤". ٥ قَوْله: "﵇" لَيْسَ فِي ط، س، ش. قلت: جِبْرِيل أَو جِبْرَائِيل اسْم ملك الْوَحْي، وَهُوَ أقرب مَلَائِكَة الله المقربين إِلَيْهِ، وَهُوَ روح الْقُدس الَّذِي يُرْسِلهُ إِلَى رسله لتبليغ رسالاتهم، وَيُسمى بِالروحِ الْأمين، وبروح الْقُدس، لطهارته، وتنزهه عَن مُخَالفَة أَمر ربه وَهُوَ أحد رُؤَسَاء الْأَمْلَاك، أثنى الله عَلَيْهِ وَوَصفه بأجمل الصِّفَات مِنْهَا: أَنه رَسُوله، وَأَن كريم عِنْده وَأَنه ذُو قُوَّة ومكانة عِنْده، وَأَنه مُطَاع فِي السَّمَوَات، أَنه أَمِين الْوَحْي، وَقَالَ بعض السّلف: مَنْزِلَته من ربه منزلَة الْحَاجِب من الْملك، وَقَالَت الْيَهُود: ذَاك ينزل بِالْحَرْبِ والقتال عدونا، فَأنْزل الله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الْآيَة، وَفِي الصَّحِيح أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهُ على صورته لَهُ سِتّمائَة جنَاح سادًّا مَا بَين الْأُفق، ورد فِي ذكره فِي الْقُرْآن كثيرا، وَانْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، كتاب الْخلق، بَاب إِذا قَالَ أحدكُم آمين، حَدِيث ٣٢٣٢، ٣٢٣٤، ٦/ ٣١٦، وَانْظُر: إغاثة اللهفان لِابْنِ الْقيم ٢/ ١٢٧-١٢٩، انْظُر: أول سُورَة النَّجْم والمزمل والمدثر واقرأ وَمَا قَالَه الْمُفَسِّرُونَ فِي ذَلِك.
[ ١ / ٣٨٩ ]
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صُورَةَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ١ وَكَمَا مثله لِمَرْيَم٢ بشرا
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٣٥: دحْيَة بن خَليفَة بن فَرْوَة بن فضَالة الْكَلْبِيّ، صَحَابِيّ جليل، نزل المزة، وَمَات فِي خلَافَة مُعَاوِيَة، د، وَفِي الْإِصَابَة قَالَ ابْن حجر: أَو مشاهده الخَنْدَق، وَقيل: أحد، وَلم يشْهد بَدْرًا، وَكَانَ يضْرب بِهِ الْمثل فِي حسن الصُّورَة، وَكَانَ جِبْرَائِيل ينزل على صورته، جَاءَ ذَلِك من حَدِيث أم سَلمَة وَمن حَدِيث عَائِشَة، وروى النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح، عَن يحيى بن يعمر، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "كَانَ جِبْرَائِيل يَأْتِي النَّبِيِّ ﷺ فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ" وَانْظُر: الْإِصَابَة بذيلة الِاسْتِيعَاب ١/ ٤٦٣-٤٦٤، والاستيعاب ذيل الْإِصَابَة ١/ ٤٦٣-٤٦٥ وَأسد الغابة ٢/ ١٣٠. قلت: وَلم أجد مَا ذكره ابْن حجر فِي سنَن النَّسَائِيّ، وَوَجَدته فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد بهامشه الْمُنْتَخب ٢/ ١٠٧ من طَرِيق يحيى بن يعمر، عَن ابْن عمر بِلَفْظ: "وَكَانَ جِبْرَائِيل ﵇ يَأْتِي النَّبِيِّ ﷺ فِي صُورَة دحْيَة" وَبِمَعْنَاهُ عَن جَابر مَرْفُوعا انْظُر: الْمسند ٣/ ٣٣٤، وَعَن عَائِشَة أَيْضا فِي الْمسند ٦/ ١٤٣، ١٤٦. ٢ مَرْيَم بنت عمرَان أحد عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل، أم عِيسَى ﵇، حملت بهَا أمهَا ونذرت أَن تهب مَا فِي بَطنهَا محررًا لخدمة الهيكل، فَلَمَّا وَضَعتهَا أُنْثَى اعتذرت إِلَى الله، ودعت لَهَا، فَأجَاب دعاءها وأنبتها نباتًا حسنا، وَمَات والدها وَهِي صَغِيرَة فكفلها زكريًّا، وَكَانَ كلما دخل عَلَيْهَا الْمِحْرَاب وجد عِنْدهَا رزقا لَا يجده عِنْد النَّاس، ونشأت طَاهِرَة عفيفة مَحْفُوظَة بعناية الله، ثمَّ أرسل الله إِلَيْهَا جِبْرِيل فأعلمها أَنه رَسُول من الله ليهب لَهَا غُلَاما زكيًّا، وحملت بِعِيسَى ﵇ وَكَانَ لَهَا مَعَ قَومهَا مَا هُوَ مَعْرُوف لمن تَأمله فِي الْقُرْآن ذكر أَن عمرها كَانَ إِحْدَى وَخمسين سنة، ورد ذكرهَا فِي الْقُرْآن نَحْو من إِحْدَى وَثَلَاثِينَ مرّة انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ، كتاب الْأَنْبِيَاء الْأَبْوَاب من ص"٤٦٩٣-٤٩٠" جـ٦ والكامل فِي التَّارِيخ ١/ ٣٠٧-٣٢٠، وتاريخ الْأُمَم والملوك لِابْنِ جرير الطَّبَرِيّ ١/ ٥٨٥-٦٠٥، ومعجم الْأَلْفَاظ والأعلام القرآنية ٢/ ٢٠٢.
[ ١ / ٣٩٠ ]
سَوِيًّا١، وَهُوَ مَلَكٌ كَرِيمٌ فِي صُورَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَكَمَا شَبَّهَ فِي أَعْيُنِ الْيَهُودِ أَنْ قَالُوا٢: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾ ٣ فَقَالَ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ٣ وَمَا علملك٤ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ بِهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ وَرَدَتْ عَلَيْكَ آثَارٌ لِرَسُولِ٥ اللَّهِ ﷺ أخذت بخلقك، وَنَقَضْتَ عَلَيْكَ مَذْهَبَكَ فَالْتَمَسْتَ الرَّاحَةَ مِنْهَا بِهَذَا الْمَغَالِيطِ وَالَأَضَالِيلِ، الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ٦ الْعِلْمِ وَالْبَصَرِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَأَنْتَ مِنْهَا فِي شُغُلٍ، كَمَا غَالَطْتَ بِشَيْءٍ أَخَذَ بِحَلْقِكَ شَيْءٌ٧ فَخَنَقَكَ حَتَّى تَلْتَمِسَ لَهُ أُغْلُوطَةً أُخْرَى، وَلِئِنْ جَزِعْتَ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ فَدَفَعْتَهَا بِالْمَغَالِيطِ مَالَكَ رَاحَةٌ فِيمَا يُصَدِّقُهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ٨ الَّذِي لَا تَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ، وَكَيْفَ تَقْدِرُ عَلَى دفع
_________________
(١) ١ يدل لذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ سُورَة مَرْيَم آيَة "١٧". ٢ فِي ط، س، ش "إِذْ قَالُوا". ٣ سُورَة النِّسَاء آيَة "١٧٥". ٤ فِي، "وَمَا علمك". ٥ فِي ط، ش "آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ". ٦ لفظ "أهل" لَيْسَ فِي ط، س، ش، وَبِه يَسْتَقِيم الْمَعْنى. ٧ فِي ط، س، ش "أَخذ بحلقك" شَيْء آخر". ٨ لفظ "﷿" لَيْسَ فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٣٩١ ]
هَذِهِ الْآثَارِ وَقَدْ صَحَّتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلْفَاظُهَا بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، ناقضة١ لمذاهبك وتفاسيرك، وَقد تَدَاوَلَتْهَا أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ وَتَنَاسَخُوهَا، يُؤَدِّيهَا الْأَوَّلُ إِلَى الْآخِرِ وَالشَّاهِدُ إِلَى الْغَائِبِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، ليقرعوا بهَا رُؤُوس الْجَهْمِيَّةِ٢ وَيُهَشِّمُوا بِهَا أُنُوفَهُمْ، وَيَنْبُذُ٣ تَأْوِيلَكَ فِي حَشِّ أَبِيكِ، وَيُكْسَرُ فِي حلقك كمن كُسِرَ فِي حُلُوقِ مَنْ كَانَ فَوْقَكَ مِنَ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ فَوْقِكَ، مِثْلَ ابْنِ أبي دؤاد٤ وَعبد الرَّحْمَن٥
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "مناقضة لمذاهبك". ٢ الْجَهْمِية، تقدّمت ص"١٣٨". ٣ فِي ط، س، ش "وينبذوا". ٤ هُوَ أَحْمد بن أبي دؤاد القَاضِي، جهمي بغيض، قل مَا روى، قَالَ الْخَطِيب: ولي الْقَضَاء للمعتصم والواثق، وَكَانَ مَوْصُوفا بالجود وَحسن الْخلق ووفور الْأَدَب، غير أَنه أعلن بِمذهب الْجَهْمِية وَحمل النَّاس على امتحان النَّاس بِخلق الْقُرْآن، وَقَالَ النديم: كَانَ من كبار الْمُعْتَزلَة مِمَّن جرد فِي إِظْهَار الْمَذْهَب والذب عَن أَهله بِهِ، وَهُوَ من صنائع يحيى بن أَكْثَم، وَهُوَ الَّذِي وَصله بالمأمون، ثمَّ اتَّصل بالمعتصم، فَكَانَ لَا يقطع أمرا دونه، توفّي سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ من فالج أَصَابَهُ بِتَصَرُّف من لِسَان الْمِيزَان ١/ ١٧١، وَانْظُر: تَارِيخ بَغْدَاد بترقيم مُحَمَّد أَمِين الخانجي ٤/ ١٤١-١٥٦ ووفيات الْأَعْيَان بتحقي د. إِحْسَان عَبَّاس ١/ ٨١-٩١ والأعلام للزركلي ١/ ١٢٤. ٥ عبد الرَّحْمَن بن كيسَان أَبُو بكر الْأَصَم فَقِيه معتزلي، مُفَسّر قَالَ ابْن المرتضى: كَانَ من أفْصح النَّاس وأفقههم وأورعهم، خلا أَنه كَانَ يُخطئ عليًّا ﵁ فِي كثير من أَفعاله ويصوب مُعَاوِيَة فِي بعض أَفعاله، وَله تَفْسِير الْأُصُول، ومناظرات مَعَ ابْن الْهُذيْل العلاف، وَقَالَ ابْن حجر: هُوَ من طبقَة ابْن الْهُذيْل، وأقدم مِنْهُ، قَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار: كَانَ جليل الْقدر يكاتبه السُّلْطَان، توفّي سنة ١٢٦، انْظُر: فرق وطبقات الْمُعْتَزلَة لعبد الْجَبَّار الْهَمدَانِي، تَحْقِيق على النشار وعصام الدَّين مُحَمَّد ص"٦٥"، ولسان الْمِيزَان ٣/ ٤٢٧، والأعلام للزركلي ٣/ ٣٢٣.
[ ١ / ٣٩٢ ]
وَشُعَيْبٍ١ بَعْدَهُ، وَغَسَّانَ٢ وَابْنِ رَبَاحٍ الْمُفْتَرِي٣ عَلَى الْقُرْآنِ.
فَإِنْ كُنْتَ تَدْفَعُ هَذِهِ الْآثَارَ بِجَهْلِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِي الْقُرْآنِ، وَكَيْفَ تَحْتَالُ لَهُ؟ وَهُوَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، نَاقِضٌ لِمَذْهَبِكَ، وَمُكَذِّبٌ لِدَعْوَاكَ حَتَّى بَلَغَنِي عَنْكَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْمُعَارِضِ أَنَّكَ قُلْتَ: مَا شَيْءٌ أَنْقَضُ لِدَعْوَانَا مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِدَفْعِهِ إِلَّا مُكَابَرَة بالتأويل.
_________________
(١) ١ شُعَيْب بن سهل بن كثير الرَّازِيّ، أَبُو صَالح الملقب شعبويه، قَاض من الْجَهْمِية يَقُول بِخلق الْقُرْآن وَنفي الصِّفَات والرؤية وينتقص أهل السّنة، ولي قَضَاء الرصافة فِي أَيَّام المعتصم، وَكتب على بَاب مَسْجده: "الْقُرْآن مَخْلُوق" فأحرقت الْعَامَّة بَابه سنة ٢٢٧ وَنهب بَيته، وَقَالَ الْبَغْدَادِيّ: هُوَ أول قَاض أحرق بَابه، وانتهب منزله فِيمَا بلغنَا، وعزل من الْقَضَاء سنة ٢٢٨هـ، وَذكر أَنه توفّي سنة ٢٤٦هـ، انْظُر: تَارِيخ بَغْدَاد ٩/ ٢٤٣، ولسان الْمِيزَان ٣/ ١٤٧، والأعلام للزركلي ٣/ ١٦٦-١٦٧. ٢ الرَّاجِح أَنه غَسَّان الْكُوفِي المرجئ، زعم أَن الْإِيمَان هُوَ الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى وبرسوله والأقرار بِمَا أنزل الله، مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُول دون التَّفْصِيل، وَالْإِيمَان يزِيد ولاينقص قَالَ الشهرستاني: "وَمن العجيب أَن غَسَّان كَانَ يَحْكِي عَن أبي حنيفَة -﵀- مذْهبه ويعده من المرجئة وَلَعَلَّه كذب" وَإِلَيْهِ ينْسب الغسانية من المرجئة انْظُر: الْملَل والنحل للشهرستاني تَصْحِيح وَتَعْلِيق الشَّيْخ أَحْمد فهمي ط، الأولى ١/ ٢٥٥، وَالْفرق بَين الْفرق للبغدادي ط. الثَّالِثَة ص"١٩١". ٣ أَحْمد بن رَبَاح من الْجَهْمِية، ذكر ابْن الْجَوْزِيّ أَن المتَوَكل أَمر بِمَسْأَلَة الإِمَام أَحْمد عَمَّن يتقلد الْقَضَاء، فَسئلَ عَن أَحْمد بن رَبَاح فَقَالَ فِيهِ: إِنَّه جهمي مَعْرُوف بذلك، وَإنَّهُ إِن قلد شَيْئا من أُمُور الْمُسلمين كَانَ ضَرَرا على الْمُسلمين تَحْقِيق وَتَعْلِيق د. عبد الله التركي، ومقابلة وَتَصْحِيح د. على مُحَمَّد عمر، ط الأولى، الْبَاب الثَّالِث وَالْعشْرُونَ ص"٣٢٧".
[ ١ / ٣٩٣ ]